رجعت البيت وفي جيبي ورقة قيمتها مية مليون جنيه

لحد ما جالي التليفون اللي كنت عارفة إنه هيجي عاجلاً أو آجلاً.. أمي. فتحت الخط، وأول كام ثانية مكنش فيه غير صوت نفسها وهي بتنهج، وبعدين قالت: أنتي طيبة وبخير يا فريدة؟ مسألتنيش أنتي فين؟، ولا هتيجي إمتى؟، ولا حتى مشيتي ليه؟.. سألت بس: أنتي بخير؟
كنت قاعدة في مكتبي وبصة على أضواء العربيات في الشارع من ورا الإزاز، سؤال بسيط بس جه متأخر عشر سنين كاملين.. أنا كويسة يا أمي وبخير. سمعت صوت شهقة وعياط.. أمي كانت بتعيط، الست القوية اللي عمرها ما نزلت دمعة، حتى يوم جنازة أبويا مدمعتش! قالت وهي بتشهق: إخواتك حالهم واقف وتعبانين أوي يا بنتي…
غمضت عيني.. أهي رجعت تاني لعادتها القديمة، لسه مخلصتش؛ كل حاجة في الكون لازم تلف وتدور حوالين الصبيان وبس! فضلت ساكتة ومرديتش عليها. فضلت مستنية ومستنية.. لحد ما سمعتها بتهمس بصوت مبحوح: أنا كنت غلطانة يا فريدة.. أنا ظلمتك.
الكلمة كانت طالعة منها بصعوبة وكأنها بتدبحها.. وفضلت أنا برضه ساكتة، مش قسوة مني، بس فيه حقايق في الدنيا محتاجين مساحة وسكوت عشان تبان، والناس بتغلط لما بتجري تملا الفراغ بالكلام وخلاص. أمي فضلت تتكلم وتفضفض.. سنين من الندم والذكريات والأعذار والاعترافات؛ كلام نصو يتفهم ونصو ملخبط، البني آدم لما بيقرر يقول الحقيقة فجأة بيبقى مكركب ومشوش. ولما خلصت كلامها خالص، كل اللي قلتهولها: أنا عارفة يا أمي.. ومزدتش كلمة تانية.
مرت شهور، وداخلين على سنة كاملة.. حياتي بقت مستقرة وهادية جداً. وفي يوم العصر، السكرتيرة خبطت على مكتبى وقالتلي: يا فندم، في ناس برة عايزين يقابلوا حضرتك. رفعت عيني وبصيت من الإزاز.. كانوا تلاتة واقفين برة: أمي، وأحمد، وكريم.
محدش فيهم تحرك من مكانه لأول وهلة، وأمي عينيها كانت بتلف في المكتب؛ الحوائط الإزاز، لوجو الشركة الكبير، الموظفين اللي بيعدوا عليا ويسلموا باحترام.. الدور الإداري كله بتاعى. ملامح الفهم والذهول بدأت ترتسم على وشها بالبطء؛ مش عشان شافت عز ولا غنى، عشان فهمت أخيراً إني قدرت أبني كيان واسم لوحدي.. من غيرهم، ومن غير ما أستنى إذن من حد، أو موافقة من مخلوق، ومن غير ما أقعد في الركن أستنى حد يختارني.



