ديون لا ترد
مصطفى فتح الدوسيه وإيده بتترعش، أول ورقة كانت كشف حسابات بنكية، وتحتها عقود وشهادات تحويلات مالية بأرقام مهولة، لكن اللي صدمه بجد إنه شاف اسم مدحت الهواري متكرر في كل ورقة، ومعاه اسم تاني خلا الدم يتجمد في عروقه… جيجي الشهاوي. فضل يقلب الصفحات بسرعة وعينه مش مصدقة، وكل صفحة كانت بتكشف خيانة أكبر من اللي قبلها. اتضح إن مدحت مكانش بيسرق لوحده، وإن جيجي كانت عارفة كل حاجة من سنين، بل وكانت شريكة في جزء من المؤامرة.
المحامي كمال قعد جنبه وقال بهدوء: “إحنا بقالنا سنين بندور على الأدلة دي يا أستاذ مصطفى، لكن مكانش ينفع نتحرك غير لما نلم الملف كامل”.
رفع مصطفى عينيه وهو حاسس إن الأرض بتميد بيه وسأل: “إزاي؟ وإنتوا جبتوا الحاجات دي منين؟”
هنا بصت له ستوتة وقالت: “من بنتي يا بيه”.
اتفاجئ أكتر، فابتسمت وهي تمسح دمعة نزلت من عينها وقالت: “فاكر البنت الصغيرة اللي كانت عيانة؟ البنت دي اسمها ياسمين… وكبرت”.
ساعتها لمح عربية حديثة بتقف قريب منهم، ونزلت منها بنت في أواخر العشرينات، لابسة بدلة رسمية وشكلها يوحي بالثقة والنجاح. قربت منهم وقالت: “إزيك يا عمو مصطفى”. معرفهاش في الأول، لكن لما عرفت نفسها افتكر الست الصغيرة اللي كانت نايمة على كرسي بلاستيك جنب عربية الأكل من عشر سنين.
ياسمين بقت محاسبة قانونية كبيرة في شركة مراجعة عالمية، وبعد سنين من الدراسة والتعب كانت اشتغلت في مراجعة ملفات شركات مرتبطة بمدحت. في البداية مكانتش تعرف إن الراجل ده هو نفسه الشخص اللي أنقذ أمها، لكن لما شافت اسمه في بعض الأوراق القديمة وربطت الأحداث ببعضها، بدأت تشك. ومع الوقت اكتشفت شبكة كاملة من التزوير وغسيل الأموال وتحويل الأصول. جمعت الأدلة واحدة واحدة من خلال مستندات قانونية ومصادر رسمية، وكل ما كانت تكتشف حاجة جديدة كانت تتأكد إن مصطفى اتظلم ظلم عمره.
المحامي كمال بدأ إجراءات التقاضي فورًا، واتقدمت البلاغات للجهات المختصة، وبعد أسابيع قليلة بدأت الحقيقة تطفو على السطح. الصحف اللي كانت بتهاجم مصطفى زمان بدأت تنشر أخبار جديدة عن الاحتيال اللي تعرض له، والناس اللي كانت بتشتمه في المجالس بقت تتكلم عن خيانته من أقرب الناس ليه.
مدحت حاول يهرب برا البلد لكنه اتمنع في آخر لحظة، واتحفظ على جزء كبير من أمواله وممتلكاته. أما جيجي فكانت مصدومة إن الأسرار اللي فضلت مستخبية سنين بدأت تخرج للنور. حاولت تتواصل مع مصطفى أكتر من مرة، لكنه كان بيرفض حتى يسمع صوتها. كانت أول مرة في حياتها تكتشف إن الفلوس لوحدها متكفيش، وإن الإنسان لما يخسر احترام الناس بيخسر أكتر بكتير من أي رصيد في البنك.
وبعد شهور طويلة من التحقيقات والمحاكم، صدر الحكم اللي قلب حياة الجميع. ثبت رسميًا إن مصطفى كان ضحية احتيال منظم، وتم رد اعتباره قانونيًا، واترفع الحجز عن جزء كبير من الأصول اللي ثبت إنها اتاخدت بناءً على بيانات مزورة.
يومها خرج من المحكمة والناس واقفة برا تستقبله، لكن المفاجأة إنه مكانش فرحان بالفلوس قد ما كان فرحان إن اسمه رجع نضيف. الصحفيين جريوا عليه يسألوه عن شعوره بعد الانتصار، لكنه بص ناحية ستوتة وياسمين وقال: “الفضل بعد ربنا للناس دي”. ستوتة دموعها نزلت وهي واقفة وسط الزحمة، أما ياسمين فكانت مبتسمة بفخر.
بعدها بفترة، عرض عليه مستثمرين كتير يرجعوا يشتغلوا معاه، لكنه قرر يبدأ من جديد بطريقة مختلفة. أسس شركة أصغر، هدفها بناء مساكن اقتصادية للأسر البسيطة، وخلى جزء من الأرباح يروح لدعم المشروعات الصغيرة للسيدات المكافحات. وأول مشروع موّله كان مطعم كبير باسم ستوتة. الست اللي كانت بتزق عربية أكل في الشارع بقى عندها مطعم مشهور، والناس بتيجي من أماكن بعيدة عشان تاكل عندها وتحكي قصتها.
وفي يوم الافتتاح، وقفت ستوتة قدام الميكروفون وقالت: “من عشر سنين راجل اشترى مني رغيفين وسابلي أمل أعيش بيه أنا وبنتي… والنهاردة ربنا رجعله الخير أضعاف”. ساعتها صفق كل الموجودين، لكن مصطفى كان واقف في آخر القاعة ودموعه في عينيه. لأول مرة من سنين حس إنه غني بجد، مش عشان الفلوس رجعت، لكن عشان عرف إن المعروف عمره ما بيضيع.
بعد سنة، كان ماشي في نفس الحديقة اللي نام فيها ليالي طويلة وهو مكسور، وقف قدام نفس الكنبة اللي شهدت أسوأ أيام عمره. قعد عليها شوية وافتكر كل حاجة، الخيانة، الإفلاس، الجوع، الوحدة، والوجوه اللي اختفت أول ما ضاع منه المال. وبعدها افتكر ستوتة، والعلبة السخنة اللي حطتها قدامه، والكلمة البسيطة اللي قالتها: “عشان أنت أكلتني يوم ما مكنتش عارفة هتعشى إيه أنا وبنتي”.
ابتسم وهو بيبص للسماء، لأنه أخيرًا فهم درس عمره كله… إن الفلوس ممكن تضيع، والشهرة ممكن تختفي، والناس ممكن تتغير، لكن الخير الحقيقي بيفضل ماشي في الدنيا سنين طويلة لحد ما يرجع لصاحبه، حتى لو بعد عشر سنين كاملة. وفي اللحظة دي بالذات، حس مصطفى الشهاوي إنه كسب أكتر بكتير مما خسره يومًا ما.
بعد مرور سنة كاملة على رجوع اسم مصطفى الشهاوي للسوق من جديد، كانت شركته الصغيرة كبرت أسرع مما أي حد توقع. الناس اللي زمان كانت بتخاف تتعامل معاه بسبب الشائعات، بقت هي نفسها بتدور عليه عشان توقع عقود معاه. لكن مصطفى اتغير… بقى أهدى، وأقل كلام، ومبقاش يثق بسهولة في أي حد مهما كانت مكانته. كان دايمًا يقول: “الضربة اللي متكسركش… بتعلمك تبص حواليك كويس”.
وفي صباح يوم شتوي هادي، كان قاعد في مكتبه الجديد، مكتب بسيط جدًا مقارنة بالقصور الإدارية اللي كان بيملكها زمان، لما سكرتيرته دخلت عليه وقالت: “في شاب برة يا فندم، بيقول إنه لازم يقابلك ضروري”.
مصطفى وافق يدخله.
دخل شاب في أوائل الثلاثينات، هدومه نضيفة لكن باين عليه التعب، وعينيه مليانة قلق. وقف قدامه وقال: “أنا اسمي محمود الهواري”.
أول ما سمع اسم الهواري، وش مصطفى اتغير. الهواري… نفس اسم مدحت.
الشاب نزل عينه للأرض وقال: “أنا ابن أخو مدحت”.
ساد الصمت في المكتب. مصطفى سند ضهره على الكرسي وبصله من غير ما ينطق.
محمود كمل بصوت مكسور: “أنا عارف إن حضرتك ممكن تطردني دلوقتي… ويمكن معاك حق. بس أنا جيت عشان أقول حاجة واحدة”.
- ”اتفضل”.
- ”أنا مليش ذنب في اللي عمي عمله”.
مصطفى فضل ساكت.
- ”ومن يوم القض..ية ما ظهرت، الناس كلها بقت تبص لنا على إننا عيلة حرامية. أبويا مات من القهر، وأمي بقت مريضة، وأنا اتفصلت من شغلي مرتين لمجرد إن اسمي الهواري”.
كانت الكلمات طالعة من قلبه. مش تمثيل. مش استجداء. وجع حقيقي.
- ”وأهو أنا واقف قدامك النهاردة… لا بطلب فلوس ولا مساعدة… بطلب فرصة”.
مصطفى افتكر نفسه. افتكر لما كان بيمشي والناس بتبصله على إنه نصاب ومجرم وهو بريء. افتكر نظرات الاحتقار. افتكر الوحدة. وساعتها قال: “إنت خريج إيه؟”
محمود رفع راسه بسرعة: “هندسة مدنية”.
- ”اشتغلت قبل كده؟”
- ”أربع سنين”.
مصطفى ضغط على الجرس. دخلت السكرتيرة. قال لها: “اعمليله عقد تدريب من النهاردة”.
محمود اتجمد مكانه: “بجد؟”
مصطفى ابتسم لأول مرة: “أنا بعاقب المذنب… مش ولاده”.
انفجر محمود في البكاء. وبعد شهور قليلة أثبت الشاب إنه يستحق الثقة. كان أول واحد يدخل الموقع وآخر واحد يخرج. لدرجة إن مصطفى بدأ يعتمد عليه في ملفات مهمة.
لكن في يوم من الأيام حصل شيء محدش كان متوقعه. ياسمين بنت ستوتة كانت راجعة من اجتماع مهم في القاهرة الجديدة، وفجأة فرامل عربية نقل خانتها على الطريق. العربية كانت جاية بسرعة مرعبة. ثواني قليلة وكانت هتحصل كارثة.
لكن محمود لمح الموقف وهو خارج من موقع قريب. من غير تفكير جرى بعربيته ولف قدام عربية ياسمين. الصدام كان عنيف جدًا. الحديد اتكسر. الزجاج اتناثر. والناس اتلمت تصرخ.
ياسمين خرجت بإصابات بسيطة. أما محمود… فاتنقل المستشفى بين الحياة والموت.
لما مصطفى وصل وشافه على سرير العناية المركزة، وقف قدامه وسرح في وشه. ابن عيلة الراجل اللي دمر عمره… هو نفسه اللي خاطر بحياته عشان ينقذ بنت الست اللي أنقذته من الضياع.
لحظتها فهم حاجة غريبة؛ إن الخير والشر مش بيتورثوا. كل إنسان بيتحاسب على أفعاله هو.
قعد مصطفى جنب محمود طول الليل. وأول ما فاق الشاب بعد أيام من الغيبوبة، لقى مصطفى ماسك إيده.
قال محمود بصوت ضعيف: “ياسمين كويسة؟”
ابتسم مصطفى: “كويسة”.
أغمض محمود عينيه وهو مرتاح.
بعد الحادثة دي، العلاقة بين العيلتين اتغيرت تمامًا. ستوتة بقت تعتبر محمود ابنها. وياسمين بدأت تشوف فيه إنسان مختلف عن أي حد قابلته قبل كده. إنسان عرف قيمة الشرف والتعب بعد ما دفع تمن أخطاء غيره. ومع مرور الوقت، بدأت مشاعر جديدة تكبر بينهم بهدوء. مشاعر اتبنت على الاحترام قبل الحب، وعلى المواقف قبل الكلام.
وفي يوم من الأيام، دخل محمود مكتب مصطفى وهو متوتر: “ممكن أطلب منك طلب؟”
مصطفى ضحك: “لو قرض مرفوض”.
ابتسم محمود وقال: “أنا عايز أتجوز ياسمين”.
سكت مصطفى ثواني، وبعدين انفجر ضاحكًا: “يا راجل! ده أنا مستني الطلب ده من شهور”.
وفي ليلة الخطوبة، كانت ستوتة قاعدة تبكي من الفرحة. مش قادرة تستوعب إن البنت اللي كانت نايمة جنب عربية الأكل في الشارع، بقت مهندسة ناجحة وخطبتها معمولة في أكبر قاعة في المحافظة.
أما مصطفى، فكان واقف بعيد يراقب كل حاجة. وفجأة افتكر الورقة القديمة. الورقة اللي كتب فيها زمان: “الأكل كان يساوي أكتر من كده بكتير… وده باقي الحساب”.
ابتسم وهو يهز رأسه، لأن الحساب فعلًا لسه مخلصش. كل مرة كان يعمل خير فيها، كان ربنا بيرجعهوله في صورة أجمل من اللي يتخيلها.
وكان لسه القدر مخبي له مفاجآت أكبر بكتير… مفاجآت هتبدأ يوم ما ظهر شخص غريب قدام باب الشركة يحمل ظرفًا أصفر قديمًا، وقال جملة واحدة قلبت حياة الجميع من جديد: “أنا معايا أمانة تخص والد مصطفى الشهاوي… ومتأخر في تسليمها أكتر من ثلاثين سنة”.




