فرحة لم تكتمل بقلم: منى السيد
## قصة: فرحة لم تكتمل
### بقلم: منى السيد
عديت على مكان شغل جوزي، وفجأة اتسمرت مكاني على عتبة الباب.. كان قاعد بيأكد لصاحبه بكل ثقة إني خلاص هتنازل له عن الشقة برضايا وبأقرب وقت!
بدأت الحكاية لما فريدة اتعرفت على إبراهيم في معرض للفنون التشكيلية. كان لقاء عادي جداً؛ وقفوا يتكلموا قدام لوحة من اللوحات، وتبادلوا الآراء، واكتشفوا إن في بينهم اهتمامات مشتركة. إبراهيم ظهر لها وقتها في صورة الراجل المثقف، اللبق، صاحب دم خفيف. كان شغال مدير مبيعات في شركة تجارية ودخله مستقر. أما فريدة فكانت شغالة أخصائية تسويق في وكالة إعلانات؛ مرتبها كان متوسط بس كان مكفيها ومكتفية بيه.
فضلو يخرجوا مع بعض تمن شهور، لحد ما إبراهيم عرض عليها الجواز. قال لها إنه لقى فيها الست اللي عايز يكمل معاها بقية عمره. فريدة وافقت من كل قلبها؛ ده كان جوازها الأول، وكانت مصدقة إن علاقتها بالراجل ده هتبقى الأساس لبيت هادي وعيلة سعيدة.
الفرح كان بسيط؛ الأهل والأصحاب القريبين، وفي قاعة صغيرة على النيل. ليلة جميلة من غير بهرجة وزحمة مالهاش لازمة. بعد الفرح، إبراهيم نقل حاجته وعاش في شقة فريدة؛ شقة تلات أوض وصالة في منطقة راقية في القاهرة. فريدة كانت وارثة الشقة دي عن جدتها من قبل ما تتعرف على إبراهيم أصلاً.
الشقة كانت مكتوبة باسم فريدة وبس. وقتها إبراهيم قال لها إن الموضوع ده مش فارق معاه، وإن الأهم إنهم مع بعض. فريدة كانت طايرة من الفرحة إن جوزها مش مادي ومش حاطط دماغه في موضوع العقارات ده، وكانت شايفة إن في بيت الزوجية مش مهم مين اللي يملك الحيطة.
السنة الأولى عدت في هدوء تام. كانوا بيبنوا حياتهم يوم بيوم، بيتعودوا على طباع بعض، وبيخططوا للمستقبل. فريدة كانت فاكرة إن جوازهم ده هو النموذج المثالي للتفاهم والانسجام. كل يوم بالليل يقعدوا مع بعض، يتكلموا عن الشغل، يتفرجوا على التلفزيون، أو يتمشوا في شوارع وسط البلد.
### الحلم الضائع والعقدة المفتعلة
الموضوع الوحيد اللي كان بيكدر صفو حياتها هو حلم الخلفة. فريدة كان نفسها تبقى أم، وتكبر طفل بين إيدين جوزها. كانت كتير بتفتح السيرة دي وخصوصاً وقت العشا.
– “إبراهيم، مش حاسس إن جه الوقت اللي نفكر فيه في الأولاد؟”
إبراهيم كان بيسيب الشوكة من إيده، ويبص في الأرض بنظرة حائرة:
– “مش وقته يا فريدة. الشغل مش مستقر، والشركات بتقفل والمشاريع واقفة.”
– “طب والوقت ده هيجي إمتى؟”
– “قدام شوية.. لما نظبط أمورنا المادية الأول.”
فريدة كانت بتحاول متضغطش عليه، بس من جواها كانت الخيبة بتكبر. يمر شهر وتفتح الموضوع تاني، وتسمع نفس الأعذار؛ الشغل، المصاريف، وحاجات تانية لازم تترتب. بالنسبة لفريدة، العيل مكنش مجرد رغبة، ده كان احتياج لروحها. طول عمرها بتحلم بعزوة وعيلة كبيرة؛ كانت بتتخيل نفسها وهي بتودي ولادها المدرسة، ولمتهم كلهم حوالين السفرة في الأعياد، والبيت مليان بضحكهم وحركتهم. كان نفسها في طفلين أو تلاتة، عشان يكبروا في وسط الحب وعمرهم ما يحسوا بالوحدة.
بس إبراهيم في كل مرة كان بيخلق حجة جديدة عشان يأجل القرار.
مرت ست شهور كمان، ولما فريدة بدأت تلاحظ إن نبرة كلامه عن الأطفال بدأت تتغير بشكل غريب؛ إبراهيم بدأ يلمح إنه مش عارف يبني عيلة ويجيب ولاد في بيت هو نفسه مش صاحبه!
استغربت فريدة وسألته: “إيه علاقة ده بده يا إبراهيم؟”
هز كتافه بقلة حيلة وقال: “يعني.. في الأول والآخر أنا ضيف هنا. الشقة باسمك أنتِ. هقول إيه لولادي لما يكبروا؟ إن أبوهم عاش في خير أمهم وعلى قفاها؟”
فريدة مكنتش مستوعبة كلامه: “بس إحنا بيت واحد وعيلة واحدة! تفرق إيه الشقة باسم مين؟”
– “تفرق معايا أنا كراجل.”
– “بس أنا عمري ما عيرتك، ولا عمري حسستك بنقص أو فرضت عليك شروطي!”
اعترف إبراهيم وقال: “عارف إنك معملتيش كده.. بس الحقيقة واضحة، ده بيتك وأنا مجرد مقيم فيه.”
كل كلام عن الخلفة وبكره كان بيتحول لخناقة عن الشقة. فريدة بدأت تحس ب حبل بيتشد ومفيش راحة. مكنتش فاهمة ليه جوزها قفل دماغه على موضوع الشقة ده بالذات، وبقت حزينة بجد إن إبراهيم لسه شايل في نفسه لمجرد إن الشقة التلات أوض دي باسمها، مع إنها ورث من جدتها وعمرها ما شافت إن دي حاجة تخلق خلاف. كانت دايماً شايفة إن الزواج شركة، ومش مهم الأصول باسم مين طالما بيبنوا حياتهم سوا. كان بيصعب عليها إنه مش قادر يقدر النعمة اللي هما فيها.
بدأ إبراهيم يزيد في الكلام ويلح، ويتكلم عن الظلم الإنساني اللي حاسس بيه، وإنه حاسس بالنقص وسط أصحابه.
هنا فريدة بدأ الشيطان يلعب في دماغها وفكرت: “طب وليه لأ؟ ما أنقل له جزء من الشقة؟” فكرت إن الخطوة دي ممكن تطمن قلبه، وتديله الأمان اللي بيدور عليه، ويمكن بعدها يقبلوا على خطوة الخلفة بنفس راضية.
### المفاجأة والصدمة
قررت فريدة تمنحه النص.. نص الشقة، عشان إبراهيم يحس إنه صاحب بيت بجد. وفي يوم من الأيام، خدت إجازة عارضة من شغلها، وقالت لمديرها إن عندها مشوار حكومي ضروري. وراحت لمكتب الشهر العقاري والمحامي عشان تفهم إيه الإجراءات القانونية لعمل عقد هبة أو تنازل عن حصة في الشقة لإبراهيم.
المحامية، ست وقورة في الأربعينات، سمعتها باهتمام، وشرحت لها خطوات عقد الهبة، وكتبت لها الأوراق المطلوبة: بيان صلاحية، كشف رسمي من الضرائب العقارية، بطاقات الرقم القومي للزوجين، وقسيمة الجواز.
وقالت لها: “الموضوع هياخد حوالي شهر يا مدام فريدة، على ما نسجل العقود في الشهر العقاري وندفع الرسوم المستحقة.”
فريدة كانت بتسمع بتركيز وبتكتب وراها كل كلمة. المحامية طبعت لها النماذج الاسترشادية والطلبات اللي هتحتاجها للتقديم الرسمي.
وهي ماسكة الأوراق في إيدها وقلبها مليان فرحة ولهفة، خرجت فريدة من المكتب وبصت في ساعتها; كانت الساعة اتنين ونص الظهر. إبراهيم لسه في شركته، وفكرت تروح له على المكتب وتفاجئه بالخبر. كانت بتتخيل ملامح وشه؛ إزاي عينيه هتلمع من الفرحة، وإزاي هيحضنها ويقول لها إنهم أخيراً جاهزين يبقوا أب وأم.
ركبت تاكسي وطلعت على البرج الإداري اللي فيه شركة إبراهيم في المهندسين. المشوار خد حوالي تلت ساعة. نزلت فريدة قدام المبنى؛ برج زجاجي حديث وضخم.
طلعت الدور التالت، ومشت في الممر اللي حفظت شكله لحد ما وصلت لمكتب جوزها. إبراهيم كان شغال في قسم المبيعات ومعاه في الأوضة اتنين من زمايله.
قربت فريدة من الباب، وللسه هتفتح، سمعت صوت جوزها عالي ونبرته غريبة.. الباب كان موارب شوية، وكان بيتكلم في التليفون. اتسمرت فريدة مكانها.. كأن دمها اتجمد. لزقت ظهرها في الحيطة بدافع غريزي. النبرة اللي بيتكلم بيها إبراهيم كانت غريبة تماماً عليها؛ نبرة فيها كمية تعالٍ، وسخرية بشعة.
كان بيقول: “يا عم كله ماشي حسب الخطة.. فريدة كمان كام يوم هتمضي على التنازل وستسلمني الشقة برضاها وبطوعها.”
إيد فريدة اللي كانت ماسكة الأوراق وقفت في الهوا، ونبضات قلبها بقت زي الطبول.
كمل إبراهيم كلامه وهو بيضحك: “مش قلت لك؟ أنا سايق فيها بالراحة.. بدأت تظبط اهي وبتفكر إزاي ترضيني. هتنقل لي الشقة، وساعتها يبقى المهمة تمت بنجاح.”
فريدة كانت واقفة مش قادرة تاخد خطوة، سندت بكامل جسمها على حيطة الممر الساقعة، وإيديها بتترعش لدرجة إن الورق كان هيقع منها.
ضحك إبراهيم وقال: “وبعدها هطلقها طبعاً! هعمل بيها إيه؟ الشقة هي المكسب الكبير.. شقة تلات أوض في مكان زي ده.. أنت عارف سعرها كام في السوق دلوقتي؟ دخلة على ٢٠ مليون مستريح!”
كل كلمة كانت بتطلع من بقه كأنها س*كين بتدبحها. إبراهيم مبيحبهاش.. عمره ما حبها، كان مجرد صياد مستني الفريسة طول السنين دي.
وتابع كلامه بثقة مقززة: “وعيال إيه اللي أجيبهم؟ هو أنا مجنون! أنا بضغط عليها بالورقة دي مخصوص. هي هتموت على الخلفة ومستعدة تعمل أي حاجة عشان الحلم ده، وأنا بلعب بيها من الحتة دي! أقول لها مش هجيب عيال في بيت مش بتاعي، وهي زي الهبلة بتصدق!”
كان بيتفاخر بذكائه وخطته العبقرية، وبيضحك على التفاصيل مع اللي بيكلمه: “مسكينة وعلى نياتها.. هي اللي هتجيب لي القرشين على طبق من دهب. أنا شايف في عينيها إنها بتدور على رضايا. هتنقل الشقة من هنا، هطلقها من هنا، وأبيع وآخد الفلوس في جيبي.. وأبقى طلعت بقرشين حلوين، قصرت معاك في حاجة؟”
الطرف التاني قال حاجة، فضحك إبراهيم تاني: “طبعاً مش هتطول مليم.. الشقة بتاعتها من قبل الجواز، ولما تنقلها لي هتبقى هبة، يعني مش هتدخل في الحسبة ولا هتبقى مال مشترك. في الطلاق مش هنقسم حاجة.. شغل نظيف وعلى مية بيضا.”
فريدة كانت بتسمع والدنيا بتلف بيها، وحست بغصة في حلقها ودموعها حابساها في عينيها ورافضة تنزلها قدام حد.
سمعته بيقول: “يلا يا صاحبي، رغينا كتير وعندي شغل. نتقابل في الويك إند، نسهر سهرة حلوة ونحتفل.. هانت وأبقى عازب ومليونير!”
قفل السكة. سمعت فريدة صوت الكرسي وهو بيتحرك.. غالباً رجع ضهره لورا وهو حاسس بالانتصار.
منطقتش، ولا استنت تسمع أكتر من كده. لفت وشها في صمت، وبخطوات سريعة ومن غير ما تعمل أي صوت، جريت ناحية الأسانسير والمخرج. دموعها كانت مغمية عينيها، بس رفضت تعيط هناك في الشغل.
نزلت الشارع، وسندت على أول حيطة وقابلتها، وكانت بتنهج كأنها كانت بتجري ماراثون.. وسؤال واحد بيلف في دماغها: “إزاي كنت بالغباء ده؟”
طلبت عربية من الأبلكيشن، وطول الطريق كانت قاعدة ورا زي الصنم، بتبص من الشباك على نقطة وهمية في الفراغ. بتحاول تستوعب حجم الغدر.. تلات سنين عايشة في كذبة كبيرة. إبراهيم مبيحبهاش، إبراهيم عينه على الشقة وبس.
### المواجهة
وصلت البيت، طلعت شقتها، وفتحت الباب وإيديها لسه بتترعش. دخلت الصالة وبصت للمكان.. المكان اللي كان السبب في كل ده. جدتها سابت لها الشقة دي عشان تأمن مستقبلها، ومكنتش تعرف إنها هتبقى السبب في أكبر طعنة هتاخدها في حياتها.
دخلت أوضة النوم، ووقفت قدام الدولاب. فضلت واقفة كام دقيقة بتبص على لبسه. وبعدها، وبحركة أوتوماتيكية وسريعة، بدأت تلم كل حاجة تخص إبراهيم. بدلتها، قمصانه، البناطيل.. كل حاجة بتترمي في الشنط.
كانت بتتحرك بنظام مريب؛ الجزم في أكياس لوحدها، شواحنه، سماعاته، أدوات الحلاقة والحمام في شنطة صغيرة، حتى كتبه اللي على الرف لمتها في كرتونة. كل حاجة كانت بتقول إن إبراهيم كان هنا.. اتمحت.
الدموع كانت نشفت خلاص، والوجع حل محله برود رهيب.. ومعاه غضب.. غضب ساكت بس بيحرق.
فضلت شقبانة في اللم أكتر من ساعتين. تلات شنط سفر كبار، وكام كيس من الشنط القماش الكبيرة. حطت كل حاجة في الطرقة.. مرصوصين جنب باب الشقة بالمسطرة.
دخلت المطبخ، صبت لنفسها كباية ميه وسفتها مرة واحدة. إيديها لسه بتترعش، بس مش من العياط.. من الغل.
بصت في الساعة؛ كانت ستة إلا ربع. إبراهيم متعود يرجع ستة ونص، يعني فاضل حوالي أربعين دقيقة.
قعدت فريدة على الكنبة.. واستنت.
الوقت كان بيمر تقيل وممل، وعينيها متثبتة على الباب وقافلة إيدها بقوة. وصوت المكالمة شغال في ودنها زي الأسطوانة المشروخة:
“فريدة هتنقل لي الشقة برضاها..”
“وبعدين هطلقها..”
“الشقة هي المكسب الكبير..”
كل جملة كانت بتنزِل على قلبها بجرح، بس مع الجرح كان في ركن بيفوق.. فريدة عرفت الحقيقة في الوقت المناسب.. قبل ما تمضي على ورق ضياعها.
أخيراً.. صوت المفتاح دار في الكالون. الباب اتفتح.
دخل إبراهيم، عينه جت على الشنط المرصوصة، واتسمر في مكانه.. وشه خطف ولونه بقى أصفر، وعينيه بقت تروح وتيجي برعب بين الشنط وبين مراته.
بلع ريقه وقال بصوت مرعوب: “فريدة.. في إيه؟ إيه الحاجات دي؟”
قامت فريدة ووقفت في نص الصالة، مربعة إيدها، وملامح وشها كأنها منحوتة من صخر: “دي حاجتك..”
– “مش فاهم.. في إيه اللي بيحصل؟”
– “تاخذ الشنط دي.. وتغور بره بيتي!”
إبراهيم حاول يرسم ابتسامة صفرا على وشه وقال: “فريدة.. أنتِ بتتكلمي بجد؟ ده مقلب صح؟ مبأش فيه مجال للمقالب يا إبراهيم.”
حاول يقرب ويدخل خطوة جوه الصالة: “طب خلينا نتكلم.. إيه اللي حصل لكل ده؟”
بصت له فريدة بنظرة باردة زجاجية وقالت: “أنا عرفت كل حاجة.”
– “كل حاجة إيه؟”
– “خطتك القذرة.. لعبك بيا وبمشاعري، وإنك عمرك ما حبتني.. أنت عينك مكنتش غير على الشقة وبس.”
وش إبراهيم خطفه اللون الأصفر أكتر واهتز: “إزاي.. ومين اللي قال لك الكلام الفارغ ده؟”
– “أنت اللي قلته.. سمعتك بودني وأنت بتتكلم في التليفون.. النهارده.. في مكتبك.”
فتح بقه وعينيه زاغت، ومبقاش عارف ينطق ولا كلمة.
تابعت فريدة كلامها بمرارة: “كنت رايحة لك الشركة عشان أعمل لك مفاجأة.. كنت لسه جاية من عند المحامية عشان أعمل لك عقد هبة بنص الشقة، عشان تتهد وتطمن ونفكر في الخلفة!”
طلعت فريدة الأوراق والمستندات المطوية من جيبها، ورمتها بكل احتقار تحت رجليه: “أهو.. دي نماذج العقود والطلبات والأوراق المطلوبة.. كنت خلاص هبقى المغفلة اللي هتجيب لك الشقة على طبق من دهب زي ما كنت بتقول لصاحبك.. ارمي حاجتك دي بره وغور من حياتي.”
حاول إبراهيم يلم الموضوع ويخترع عذر: “فريدة.. اسمعيني بس.. أنتِ فهمتِ غلط..”
– “فهمت غلط؟!”
انفجر صوتها في الممر زي الرعد: “فهمت غلط وأنت بتقول له فريدة هتنقل لي الشقة برضاها وبعدها هطلقها؟! فهمت غلط وأنت بتقول دي مغفلة وعلى نياتها وسهل ألعب بيها؟! إيه بالظبط اللي أنا فهمته غلط؟!”
تراجع إبراهيم خطوة لورا وقال بلجلجة: “ده.. ده كان كلام مجالس.. كنت بتباهى قدام صاحبي وبتمنظر عليه مش أكتر..”
– “عشت معايا تلات سنين! تلات سنين بتمثل فيهم الحب! تلات سنين بتذبح في حلم أمومتي وبتساومني بيه.. كل ده عشان حتة شقة؟!”
– “فريدة.. اهدي بس واستعيذي بالله..”
– “اخرس!”
رفعَت إيدها في وشه بحسم: “ولا كلمة زيادة! أنا فعلاً كنت هبلة وعلى نياتها، وصدقت كدبك عن البيت والعيلة والحب.. بس الدرس كان غالي وأنا اتعلمته.”
حاول يقرب منها تاني: “طب نفتح صفحة جديدة ونتكلم..”
– “مفيش كلام.. بكره الصبح هرفع دعوى طلاق، ومش هبطول مني مليم واحد، ولا شبر واحد في البيت ده.”
– “بس يا فريدة..”
– “برا!”
مسكت فريدة أول شنطة وزقتها بكل قوتها بره العتبة. حاول يقاوم، بس غضب فريدة وقهرتها ودوها قوة رهيبة؛ زقت الشنطة التانية والتالتة، وخرجت بقية الأكياس.
بقى إبراهيم واقف في طرقة الدور، مذهول ومش مستوعب السرعة اللي انهار بيها كل شيء في دقايق.
– “فريدة.. افتحي ما تبقيش مجنونة!”
بس فريدة رزع الباب بكل ما تملك من عزم، ودارت المفتاح في الكالون، وركبت السلسلة.
بدأ إبراهيم يخبط على الباب بكل جهد، ويرن الجرس باستمرار: “فريدة! افتحي! خلينا نتفاهم!”
كانت واقفة ورا الباب مباشرة، بتنهج وصدرها بيعلو ويهبط، بس محركتش ساكن ولا ردت بكلمة. فضل يخبط حوالي عشر دقائق، ولما لقى مفيش فايدة والفضائح هتبدأ في العمارة، سكت. سمعت فريدة صوت جري الشنط على السلم، وصوت خطواته وهي بتبعد، لحد ما قفل باب المدخل الرئيسي للعمارة. ساد السكون.. سكون تام.
### البداية الجديدة
دخلت فريدة الصالة، اترمت على الكنبة وضمت رجليها لصديرها، وفضلت تبص لنقطة في الفراغ. معيطتش؛ لأن دموعها كانت جفت واتحجرت من الصدمة. فضلت قاعدة كده مش دارية بالوقت، لحد ما الدنيا ضلمت تماماً بره وجوه الشقة. قامت دخلت أوضتها، ونامت على السرير بهدومها.
فضلت باصة للسقف.. بتفكر في التلات سنين اللي ضاعوا من عمرها في كذبة كبيرة، في حلم الأمومة اللي اتمزع، وفي الثقة اللي اتدبحت. منامتش غير مع أول خيوط الفجر.. نوم ثقيل ومفيش فيه أحلام.
صحيت على صوت المنبه الساعة سبعة الصبح. يوم عمل جديد. قامت، خدت دوش، لبست، وفطرت.. كل ده بحركات آلية كأنها إنسان آلي.
نزلت وراحت على طول لمحامي عشان ترفع قض*ية الطلاق. المحامي استلم منها الأوراق وطلب منها الحضور في أول جلسة.
سألها المحامي: “تفتكري جوزك هيعمل مشاكل أو هيرفض؟”
ردت فريدة بكل ثبات: “يعمل اللي يعمله.. أنا هطلق يعني هطلق.”
بعدها راحت شغلها، وقالت لزمايلها إنها غابت إمبارح عشان تعب مفاجئ، ومحدش سألها في تفاصيل. ركزت في شغلها بكل طاقتها عشان تمنع عقلها من التفكير في إبراهيم.
تليفونها ميرنش.. إبراهيم اتصل أكتر من خمسطاشر مرة في اليوم، وبعت رسايل استعطاف ورغبة في الكلام، بس فريدة عملت له حظر من كل حتة.
رجعت البيت بالليل.. الشقة كانت باينة واسعة وفاضية من غير كراكيب إبراهيم وحاجته، بس مع الفراغ ده، دخل البيت راحة بال ونوع من الس*كينة.
قعدت في المطبخ ومعاها كباية شاي، وبصت من الشباك على شوارع القاهرة المليانة زحمة وحركة؛ الدنيا ملقفتش، والحياة مستمرة.
تخيلت فريدة لو كانت اتأخرت ساعة واحدة بس.. لو مكنتش راحت الشركة.. كانت زمانها ضيعت شقة عمرها وبقت ضحية لنصاب محترف. حست إن ربنا أنقذها في آخر لحظة.. كانت مجرد عناية إلهية ولطف كبير.
مر شهر.. إبراهيم حاول بكل الطرق يوصل لها؛ وقف تحت العمارة، واستناها قدام الشركة، بس كانت بتتجاهله كأنه هوا.
في المحكمة، حاول إبراهيم يقدم أعذار للقاضي، ويقول إن الموضوع سوء تفاهم وإن مراته فهمت كلامه غلط. القاضي سمع الطرفين، وبص لفريدة وسألها: “هل مصممة على الطلاق يا مدام فريدة؟”
ردت بكل قوة وثقة: “أيوه يا فندم.. مصممة.”
وحكمت المحكمة بالطلاق. إبراهيم مطلعش بمليم واحد؛ الشقة فضلت باسم فريدة لأنها ورث ومن قبل الجواز، وحاجتهم المشتركة مكنش ليها قيمة لأنهم معملوش أي أصول جديدة طول التلات سنين، وإبراهيم مكنش بيحوش باسمها حاجة.
خرجت فريدة من باب المحكمة، وحست بنسمة هوا باردة بتدخل صدرها.. أخيراً الكابوس انزاح، وكل حاجة انتهت.
مرت شهور.. والحياة بدأت ترجع لمجراها الطبيعي. فريدة مبقتش تتخض لو الجرس رن، ومبقتش تبص وراها وهي ماشية في الشارع. رجعت لشغلها، لبيتها، ولمتها مع أصحابها.. حياة بسيطة وصافية.
حلمها في الخلفة والأمومة منتهش ولا مات، بس بقت مستوعبة إن الواحدة تعيش لوحدها بكرامتها، أفضل مية مرة من إنها تعيش مع خائن ومخادع. يمكن في يوم من الأيام تقابل الراجل اللي يستاهل ثقتها.. ويمكن لأ، بس الأهم إنها حمت نفسها في الوقت المناسب.
في يوم من الأيام، صاحبتها الأنتيم كانت قاعدة معاها وسألتها: “فريدة.. أنتِ ندمانة؟”
فكرت فريدة لثواني وقالت: “أندم على إيه؟ على إني بعدت عن واحد كان جاي يسرقني ويهد حياتي؟”
– “يعني.. قصدي إنكم عشتوا مع بعض تلات سنين..”
قاطعتها فريدة وقالت: “تلات سنين من الكدب.. لأ يا حبيبتي، مش ندمانة.”
ودي كانت الحقيقة الحرفية.. فريدة مكنتش ندمانة على فراقه، كانت بس زعلانة على نفسها إنها مشافتش الخداع ده من الأول. بس الحياة علمتها درس العمر: متصدقش الكلام المعسول، وتبص للأفعال والمواقف.. مش للوعود.
وعاشت فريدة حياتها.. في شقتها.. وسط دنيتها.. حرة، ونظيفة من الكدب والغدر.. وده كان كفاية جداً ليها.
**النهاية**




