رجعت البيت وفي جيبي ورقة قيمتها مية مليون جنيه

لفيت ضهري ومشيت في ضلمة الليل، وخطوتي كانت سريعة وقوية، وصوت أمي كان جاي من بعيد وهي بتصرخ بغل: سيبها تغور في داهية! لو هي شاطرة وقادرة كده، متورناش وشها تاني هنا! مبصيتش ورايا ولا حتى فكرت.

وصلت لأول البلد، وكان دكان البقالة الصغير بتاع الست أم محمد لسه فاتح، دخلت وكانت قاعدة بتتفرج على تليفونها. بصتلي باستغراب وقالت: فريدة؟ إيه اللي ممشيكي لوحدك في وقت متأخر كده يا بنتي؟ في حاجة؟ ابتسمت ببرود وقلت لها: أهلاً يا طنط، معلش ممكن أخد التليفون أعمل منه مكالمة مهمة؟

أديتني التليفون، كتبت الرقم اللي حافظاه صم في دماغي، وفضل التليفون يرن يرن.. لحد ما الخط فتح وجالي الصوت: ألو؟ صوت مستر مدحت مدير الشركة في التليفون كان باين عليه النعاس والتقل.. سندت ضهري على قفص خشب جنب تلاجة البيبسي في دكان الست أم محمد، وغمضت عيني بتعب وقلت: يا مستر مدحت.. أنا فريدة.

الخط سكت تماماً لثواني، وبعدين سمعت كركبة حركة وصوت السرير وكأنه اتعدل وقعد على حيله: فريدة؟ بتكلميني في وقت زي ده؟ خير يا بنتي في حاجة حصلت؟ خير؟ لا مفيش أي خير خالص! جوزي لسه مطلقني حالا قدام العيلة كلها، وأمي تبرت مني وطردتني من غير ما تقول الكلمة صريحة، وإخواتي واقفين يتفرجوا عليا..

قلتله والنبرة طالعة من بوقي من غير ما أفكر أو أرتبها: هو حضرتك لسه محتاج مدير لمشروع إسكندرية الجديد؟ مستر مدحت سكت ثواني ومستغرب: أكيد طبعاً.. ده أنا بقالي ست شهور بحايل فيكي عشان توافقي. أنا موافقة، وهستلم من بكرة.

الخط سكت تاني.. سكوت طويل أوي المرة دي، لحد ما قال هادي: بس يا فريدة.. المشروع ده محتاج نقل وإقامة هناك. عارفة. إقامة دايمة يا بنتي. عارفة. طيب وجوزك والبيت؟ احنا بنطلق.

المرة دي السكوت طول أكتر وأكتر، لحد ما قال بنبرة فيها تقدير واحترام: تبدأي من إمتى؟ من حالا.

قفلت السكة ووقفت مكاني باصة على الطريق الضلمة اللي برة الدكان.. الغريب في وجع القلب إنه مش ديماً بيجي بصريخ وزيطة، ساعات بيجي هادي أوي، زي قميص كنت بتلبسه سنين وفجأة صِغر عليك ومبقتش قادرك تطيقه ولا ينفع تقعد جواه ثانية واحدة.

أجرت أوضة في لوكاندة صغيرة على الطريق السريع ليلتها.. الأوضة كانت ريحتها مسحوق غسيل وبوية قديمة. الساعة جت تلاتة الفجر وأنا عيني مغمضتش، ورقة اللوتاري كانت محطوطة قدامي على الكومودينو. مية مليون. أبص لها.. وأدور وشي الناحية التانية.. وبعدين أرجع أبص لها تاني. مش عشان شاكة إنها حقيقة، لأ.. عشان بدأت أفهم حاجة تانية مرعبة أوي ومخيفة؛ لو كنت فتحت بوقي وقلتلهم على الفلوس دي أول ما دخلت البيت.. كان كل حاجة هتتشقلب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *