جوزي كذب على امه وقالها

يا بشمهندس كريم! المية بتاعة الخلاطة قطعت، شوف لنا حل! زعق واحد من عمال المحارة.
كريم مسح عرق جبهته بضهر إيده، إيده اللي بدأت تخشن وتطلع فيها علامات من مسك الخشب والحديد. حس في اللحظة دي بالظبط باللي كانت دينا بتحسه. افتكر لما ماسورة المية انفجرت في الصوبة ورجعت جاكتها مبلول، وهو كل اللي عمله إنه قالها طب غيري بسرعة عشان تعملي لنا عشا.
حس بنغزة في قلبه. نغزة ندم حقيقي. لأول مرة يفهم يعني إيه شقا، يعني إيه ضهر يوجع من الوقفة، يعني إيه قرش بيجي بطلوع الروح.
لما رجع البيت بالليل، رمى نفسه على الكنبة من التعب. الحاجة فاطمة دخلت عليه ومعاها كباية شاي ميرمية. حطتها قدامه وبصت له بحنان أم بس بحزم: تعبان يا كريم؟
كريم بص لأمه وعينيه مدمعة: تعبان أوي يا أمي.. ضهري هيموتني، ورجلي ورمت من الوقفة.
الحاجة فاطمة قعدت جنبه وطبطبت على رجله: أهو التعب ده يا بني، دينا كانت بتشوفه كل يوم وتيجي تلاقيك قاعد حاطط رجل على رجل ومستنيها تدلعك. البيوت مبتمشيش كده. الراجل هو السند، هو اللي بيشيل برة عشان مراته ترتاح جوة. وإنت كنت عاكس الآية.
كريم حط راسه على ركبة أمه وبكى: أنا كنت غبي يا أمي.. كنت فاكر إن الحياة سهلة وإن طالما هي بتشتغل يبقى عادي نشيل سوا، مكنتش فاهم إني كنت بظلمها وبستغلها.
الحاجة فاطمة هزت راسها: الفهم غالي يا بني.. والمهم إنك تفهم وتتصلح. أبوك مش هيكبرك في السوق إلا لما يشوفك بقيت راجل يعتمد عليه. ومرأتك مش هترجع لك إلا لما تحس إنك بقيت الحيطة اللي تسند عليها، مش الحمل اللي شايلاه على ضهرها.
مرت شهور.. والوضع استمر زي ما هو. دينا ركزت في شغلها في المشتل، لدرجة إن صاحب المشتل رقاها وبقت مديرة قسم النباتات النادرة كله، ومرتبها زاد. اشترت غسالة أطباق جديدة بالتقسيط من مرتبها، وعملت صيانة لكل مواسير الشقة اللي كانت بتعاندها. الشقة بقت جنة صغيرة، كلها زرع أخضر وورد من اللي بتجيبه معاها من الشغل.
أما كريم، فبقى دراع أبوه اليمين في المقاولات. اتعلم أصول الصنعة، وبقى يعرف يفاصل في الحديد والأسمنت، ويحسب الميزانيات بدقة. مش بس كده، بالليل كان بيقعد على اللاب توب بتاعه يشتغل في البرمجة وتصميم المواقع، بس المرة دي بجد.. مبقاش يعمل مواقع ببلاش لأصحابه، بقى ياخد مقدم وعقود حقيقية.


