فقدت ريم توأم بناتها بعد الولادة مباشرة كما أخبروها في المستشفى

وقفت ريم في نص الحضانة ويديها بترتعش، وعينيها معلقتين في الصورة اللي وصلت على موبايلها. الصورة كانت قديمة فعلًا، باين فيها حضّانة المستشفى يوم ولادتها، وفي آخر الصورة ظهر جزء من وش جوزها وهو واقف بيبص ناحية الحضانة، وتحتها الجملة اللي قلبت قلبها نار:

 

“بناتك لم يمتن… زوجك وقّع على تسليمهن.”

 

حست إن نفسها بيتقطع. بصت للبنتين اللي مستخبيين وراها وبيبكوا، وبعدها رفعت عينيها ناحية الممرضة اللي وشها بقى أصفر كأن الدم اختفى منه.

 

قالت ريم بصوت مبحوح:

“قولي الحقيقة… دلوقتي.”

 

الممرضة حاولت تمسك البنتين وتمشي، لكن واحدة منهم صرخت وهي متعلقة في هدوم ريم:

“ماما متسبناش!”

 

الصوت دخل جوا قلب ريم زي الس*كينة. مسكت إيد البنت الصغيرة وبصت للممرضة بعين كلها خوف وغضب:

“لو قربتي منهم هبلغ الشرطة حالًا.”

 

الست بصت حواليها بتوتر، وكأنها بتفكر تهرب، لكن مشرفة الحضانة كانت واقفة عند الباب بعد ما سمعت الصريخ، فمنعتها تخرج.

 

بعد دقائق وصلت الشرطة، واتاخدوا كلهم على القسم. ريم كانت قاعدة والبنتين لازقين فيها بطريقة غريبة، كأنهم عارفينها فعلًا من سنين، وكل شوية واحدة منهم تمسك وشها وتبص فيه وتقول:

“إنتِ وحشتينا.”

 

أما الممرضة فكانت منهارة بالكامل. في الأول أنكرت كل حاجة، لكن لما الضابط جابلها صورة من كاميرات المستشفى القديمة بعد طلب رسمي، ظهر فيها جوز ريم وهو بيخرج من مكتب الإدارة ومعاه نفس الممرضة.

 

هنا بدأت الحقيقة تطلع بالتدريج.

 

اتضح إن جوز ريم كان غرقان في ديون كبيرة وقت الولادة، وإنه كان عارف إن زوجين أغنيا جدًا من إسكندرية بيدوروا على أطفال للتبني بأي طريقة، لأن الزوجة ما كانتش بتخلف.

 

الممرضة كانت شغالة ضمن شبكة صغيرة بتزور أوراق الأطفال حديثي الولادة، وتبيعهم لعائلات غنية مقابل مبالغ ضخمة.

 

ولأن ريم كانت تعبانة جدًا بعد الولادة، استغلوا حالتها. أقنعوا جوزها إنهم ياخدوا البنتين، وقالوله إن مراته ممكن تموت أصلًا، وإن البنات “هيعيشوا أحسن من الفقر”.

 

وافق.

 

وافق وباع بنتيه.

 

أما حكاية الوفاة، فكانت ملف مزور بالكامل.

 

لما سمعت ريم الاعتراف حسّت إن الدنيا بتلف حواليها. كانت متخيلة ألف احتمال… إلا إن أبوهم بنفسه يكون السبب.

 

فضلت تبكي بشكل هستيري وهي بتقول:

“إزاي يعمل كده؟! دول بناته!”

 

لكن الصدمة الأكبر لسه ما خلصتش.

 

الضابط قال إن الزوجين اللي اشتروا البنتين ماتوا فعلًا من سنتين في حادث عربية، وبعدها الممرضة أخدت البنتين تعيش معاهم لأنها كانت حلقة الوصل الوحيدة.

 

يعني البنات كانوا طول الوقت قريبين منها… وهي مش عارفة.

 

البنتين اتعمل لهم تحليل DNA، والنتيجة ظهرت بعد أيام.

 

تطابق كامل.

 

ريم فضلت ساعات تبص في الورقة وهي مش مصدقة إن الحلم اللي كانت الناس بتقول عليه “هلاوس” طلع حقيقي.

 

لكن البنتين، رغم إنهم رجعوا لها، كانوا خايفين جدًا. كانوا بيتكلموا عن حاجات غريبة بتحصل في البيت اللي عاشوا فيه مع الممرضة.

 

إحدى البنتين قالت:

“الست كانت كل ليلة تقفل علينا الأوضة وتقول لو قولتوا لحد الحقيقة مامتكم هتموت.”

 

والتانية قالت وهي مرعوبة:

“وكان في راجل بييجي كل شوية يبصلنا ويقول إحنا تمنّا غالي.”

 

الكلام خلّى الشرطة توسّع التحقيق.

 

وبعد أسبوع اتكشف إن الشبكة أكبر بكتير من مجرد ممرضة. كان فيه دكاترة وموظفين وسماسرة بيتاجروا في الأطفال من سنين.

 

الق*ضية قلبت الرأي العام.

 

أما جوز ريم، فكان مختفي.

 

اختفى من يوم ما الحقيقة بدأت تطلع، كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.

 

لكن بعد شهر كامل، ريم سمعت خبط على باب شقتها الجديدة في إسكندرية.

 

فتحت الباب… فاتجمدت مكانها.

 

كان هو.

 

واقف قدامها بشعر أبيض أكتر من سنه الحقيقي، وعينيه كلها خوف وتعب.

 

قال بصوت مكسور:

“أنا عارف إنك هتكرهيني… بس لازم تسمعيني.”

 

قبل ما يكمّل، خرجت واحدة من البنتين من الأوضة، ولما شافته اتسمرت مكانها.

 

هي عمرها ما شافته قبل كده… لكن بطريقة غريبة قربت منه وهي بتبص في وشه.

 

الراجل نزل على ركبته وبدأ يعيط:

“أنا أبوكي…”

 

البنت بصتله ثواني طويلة، وبعدها استخبت ورا ريم فورًا.

 

ريم كانت نفسها تطرده وتقفل الباب في وشه، لكنها كانت عايزة تعرف ليه.

 

دخل وهو بيترعش، وحكى إن العصابة هددته وقتها. قالوله لو رفض يسلم البنات هيتلفق له ق*ضية مخ*درات وهيتحبس، وإن ريم أصلًا كانت على حافة الموت.

 

لكن مهما كانت المبررات، الحقيقة فضلت واحدة:

هو وافق.

 

قال وهو بيعيط:

“كل يوم كنت بموت ألف مرة… وكل سنة كنت بروح أشوفهم من بعيد.”

 

ريم بصتله بكره عمرها ما حسّت بيه قبل كده:

“إنت مش أب… إنت بعت روحك.”

 

وفجأة، واحدة من البنتين قالت جملة خلت الكل يسكت:

“هو الراجل ده اللي كان واقف بعيد عن المدرسة كل مرة؟”

 

وشه شحب فورًا.

 

اتضح إنه فعلًا كان يراقبهم طول السنين دي من بعيد بدون ما يقرب.

 

لكن النهاية الحقيقية للقصة بدأت بعدها بأيام.

 

في ليلة مطر، رجعت ريم البيت لقت ظرف تحت الباب.

 

جواه فلاشة صغيرة.

 

ولما شغلتها على اللابتوب، ظهر تسجيل كاميرات قديم من المستشفى يوم الولادة.

 

ريم كانت نايمة على السرير، والممرضة واقفة جنب حضّانة الأطفال، لكن اللي ظهر بعدها جمّد الدم في عروقها.

 

الدكتور نفسه… كان شايل طفلة واحدة بس.

 

طفلة واحدة.

 

ريم قرّبت الشاشة وهي مش قادرة تتنفس.

 

فين التانية؟

 

فضل الفيديو يشتغل، وبعد لحظات ظهر شخص تاني داخل الأوضة… ست كبيرة لابسة أسود بالكامل.

 

خدت الطفلة التانية ومشت.

 

الملف انتهى هنا.

 

ريم حست إن قلبها وقف.

 

يعني واحدة من البنات اللي رجعوا لها… ممكن أصلًا ما تكونش بنتها؟

 

اتعملت التحاليل مرة تانية بشكل أوسع.

 

والنتيجة كانت الصدمة الأخيرة.

 

واحدة فقط من الطفلتين هي بنت ريم الحقيقية.

 

أما الثانية… فكانت طفلة أخرى مسروقة من أم مختلفة في نفس الليلة.

 

ريم انهارت تمامًا، لأنها خلال شهور حبت البنتين بنفس القدر، والبنت الصغيرة كانت متعلقة بيها بشكل جنوني.

 

لكن المفاجأة إن أم الطفلة الثانية كانت لسه عايشة… وبتدور على بنتها من خمس سنين هي كمان.

 

وفي اليوم اللي جت فيه الست عشان تستلم بنتها، الطفلة رفضت تمشي.

 

فضلت متعلقة في ريم وهي بتصرخ:

“إنتِ ماما!”

 

حتى الأم الحقيقية نفسها بكت، لأنها كانت شايفة قد إيه البنت متعلقة بريم.

 

وفي النهاية، بعد شهور من القضايا والدموع، حصل اتفاق غريب لكنه إنساني.

 

الطفلتان فضلوا يعيشوا سوا.

 

الأم الثانية وريم بقوا يدخلوا ويخرجوا على حياة بعض، لأن البنتين اعتبروا نفسهم أخوات مهما حصل.

 

أما الممرضة والدكتور وباقي الشبكة، فاتحكم عليهم بأحكام قاسية هزّت البلد كلها.

 

وفي آخر ليلة قبل ما الق*ضية تتقفل رسميًا، ريم صحيت من النوم على صوت البنتين وهم بيضحكوا في الأوضة.

 

وقبل ما تقوم لهم، سمعت واحدة منهم بتقول للتانية بصوت واطي:

“أنا قلتلك ماما هترجع تاخدنا.”

 

وقتها فقط… ريم بكت للمرة الأولى بدون خوف.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *