جوزي كذب على امه وقالها

الحاج حسن لف له، وبص له بعيون حامية زي الجمر، وقرب منه لحد ما بقى نفسهم في نفس بعض: موقع إيه وشركة إيه يا أبو مواقع؟ إنت من بكرة الصبح نازل معايا الموقع بتاع عمارة الحاج الشربيني. هتستلم الدفاتر، وتقف على دماغ العمال من ستة الصبح، والقرش اللي هتنزله في جيبك هيبقى بعرق جبينك. مفيش قعدة في التكييف، ومفيش ملوخية وفراخ محمرة إلا لما تدفع تمنها من شقاك.
يا بابا أنا مهندس برمجيات! إزاي أنزل أقف في الشمس والتراب؟ كريم زعق وهو حاسس إن برستيجه بيتدمر.
الحاج حسن وطي صوته خالص، وده كان معناه إن الغضب وصل لأخره: ومراتك اللي كنت عايش في خيرها دي مش مشرفة نباتات؟ مش كانت بتنزل في الطين والتراب والمية عشان تجيب القرش اللي بتشتري بيه الجاكت اللي على ضهرك ده؟ الشغل مش عيب يا كريم.. العيب هو القواتة. العيب إنك تاكل لقمة ست وتتبغدد عليها. كلمة زيادة.. وهتلاقيني رامي الشنط دي في الشارع وإنت معاهم، ووريني بقى هتعيش في دبي ولا في المريخي!
كريم سكت، وبلع ريقه، ودخل الأوضة القديمة بتاعته وهو حاسس إن الدنيا اسودت في وشها.
مر الأسبوع الأول على دينا وكأنه حلم. كانت بتصحى الصبح براحتها، تلبس يونيفورم الشغل وهي مبتسمة. المشتل اللي كانت بتروح له وهي شايلة هم البيت، بقت هو مكانها المفضل. أصحابها في الشغل لاحظوا التغيير.
إيه يا دينا؟ وشك منور بقالك كام يوم.. هو كريم بدأ يشتغل ولا إيه؟ سألتها منى، صاحبتها الأنتيم وشغالة معاها في قسم هندسة اللاندسكيب.
دينا ابتسمت وهي بتقص فروع شجرة جهنمية: كريم مشي يا منى. راح طنطا عند أبوه.
منى وسعت عينيها بصدمة: مشي؟ زعلتوا مع بعض يعني؟
دينا قعدت على السور البلاستيك بتاع الصوبة وقالت براحة: لأ، ميزعلش.. أهله جم وأخدوه لما عرفوا إنه مبيصرفش ومقضيها دلع. أبوه راجل صعيدي أصيل ميرضاش بالظلم. بعته طنطا يتربى من أول وجديد.
منى سقفت بإيديها وفرحت: يا بنتي والله العظيم أحسن حاجة حصلت لك! إنتِ كنتِ بتدبلي زي الوردة اللي مابتتسقيش. شوفي نفسك دلوقتي.. ضحكتك رجعت لك.
في نفس الوقت، كان كريم واقف في وسط موقع البناء في طنطا. الشمس حامية، وعفرة الأسمنت والجبس مالية وشه وهدومه. لابس جلابية قديمة ومقمر كمامها. في إيده دفتر كبير بيكتب فيه عدد نقلات الرمل والطوب.

