اكتشفت بالصدفة أن عائلتي كانت تعيش كأنني غير موجودة… والسبب حطّم قلبي بالكامل
في تلك الليلة لم أصنع مشهدًا.
لم أنتظر عودتهم حتى أعاتبهم.
لم أكتب رسائل طويلة.
ولم أبكِ أمام أحد.
حفظت المال الذي حولته أمي لي في ملف منفصل، كأنه دليل.
ثم أخرجت حقيبة من الخزانة، وفتحتها فوق السرير القابل للطي في الشرفة، وبدأت أضع فيها ما كان يخصني فعلًا.
بنطالان.
ثلاث قمصان.
سترتي الرمادية.
الدفتر الذي كنت أكتب فيه أفكاري.
الشاحن.
السماعات.
الملف الذي فيه أوراقي.
وصورة جدتي من جهة أمي، الإنسانة الوحيدة التي نظرت إليّ يومًا وكأنني لا أحتاج أن أكسب مكاني داخل البيت.
توقفت لحظة والصورة في يدي.
كانت جدتي تقول بهدوء أشياء تؤلم لأنها صحيحة:
“عندما تجعلك العائلة تتنافسين على الحنان، فهذا لم يعد حبًا، صار توزيعًا للمشاعر.”
لم أفهمها وأنا صغيرة.
لكن في تلك الليلة فهمت.
دخلت الحمّام، غسلت وجهي، ربطت شعري، وعدت أكمل ترتيب الحقيبة.
من الصالة كانت تصلني الأصوات المعتادة.
التلفزيون يعمل.
ضحكات برنامج سخيف.
خلاط من بيت الجيران.
كلاب تنبح في الشارع.
كل شيء كان طبيعيًا.
إلا أنا.
عند العاشرة والنصف تقريبًا، سمعت الباب الرئيسي يُفتح.
دخلوا يتكلمون بصوت عالٍ، ورائحتهم تحمل أثر مطعم وحلوى غالية.
عرفت صوت مريم قبل أن أراها.
وعرفت ضحكة أخي علي أيضًا، تلك الضحكة التي كانت معي غالبًا تتحول إلى سخرية.
— سارة، رجعنا.
نادت أمي وكأنهم عائدون من زيارة عادية، لا من عشاء أخفوني عنه.
لم أرد.
أطلّ عليّ أخي إلى الشرفة، وعبس عندما رأى الحقيبة مفتوحة.
— وأنتِ الآن ماذا تفعلين؟
واصلت طيّ قميص.
— سأغادر غدًا.
— لا تبدئي بمسلسلاتك.
قالها ثم ذهب.
ظهرت أمي بعد ثوانٍ، وهي تمسح يديها بقطعة قماش.
— ماذا يعني هذا؟
— سأذهب إلى أربيل.
— لماذا؟
— للمشروع الذي أخبرتكِ عنه منذ أسابيع.
نظرت إليّ كأنني أتحدث عن بلد آخر.
— ظننته مجرد فكرة.
— لا، كانت فرصة. لكن هنا لا أحد يسمع إلا عندما تكون الواحدة على وشك الرحيل.
شدّت أمي شفتيها.
وخلفها وقفت مريم عند باب الشرفة بذلك الوجه القلق الهادئ الذي كان ينجح معها دائمًا أمام الجميع.
— سارة…
قالت أمي بصوت أخفض:
— لا تفعلي شيئًا غبيًا بسبب سوء فهم.
ضحكت ضحكة قصيرة.
— سوء فهم؟ رأيت المجموعة. رأيت الرسائل. رأيت الصور.
تغير وجهها قليلًا.
ليس إلى شعور بالذنب.
بل إلى ضيق.
— يا سارة، فعلنا ذلك حتى لا نجرحك.
— عدم دعوتي كان حتى لا تجرحوني؟
لم تجب فورًا.
وفي ذلك الصمت فهمت أنها لم تعد حتى تريد أن تتعب نفسها في التمثيل.
وصل أبي من خلفها، وهو يفك حزامه.
— ماذا حدث الآن؟
قالت أمي:
— ابنتك تكبر الموضوع لأننا خرجنا نتعشّى.
نظر أبي إلى الحقيبة، ثم تنهد كأنني أفسدت عليه ليلته.
— لن تعملي قصة من هذا الشيء، صحيح؟
نظرت إليه.
كانت أول مرة أشعر بوضوح أن ألمي يزعجهم أكثر من غيابي.
— لا، القصة أنتم تعيشونها منذ سنوات. أنا فقط تعبت من البقاء داخلها.
تقدمت مريم خطوة.
— سارة، صدقيني، لم أكن أريد أن تشعري أنك خارجنا. إذا نشرت ذلك، فكان… لا أعرف… خرج مني فقط. أنا أحبك كثيرًا.
نظرت إليها بهدوء لم أكن أعرف أنه موجود داخلي.
— أنتِ لا تحبينني. رتبت لكِ السرير، أعرتكِ ملابسي، غطيت أكاذيبك، تحملت دخولك إلى أغراضي، ومع ذلك جعلتِني أبدو كأنني المجنونة كلما حاولت أن أتكلم. أنتِ لا تحبينني… أنتِ فقط يناسبك أن أسكت.
امتلأت عينا مريم بالدموع فورًا.
كانت تعرف كيف تبكي بسرعة.
قال علي من الصالة:
— شايفين؟ بدأت تهاجمها مرة ثانية.
وهنا حدثت.
الجملة.
الجملة التي أخرجتني من ذلك البيت إلى الأبد.
عقدت أمي ذراعيها، ونظرت إليّ من رأسي إلى قدميّ، وقالت ببرود لم تحاول إخفاءه:
— إذا أنتِ منزعجة لهذه الدرجة، اذهبي. أصلًا أنتِ دائمًا كنتِ مختلفة عن هذا البيت.
لم يكن صراخًا.
ولا شتيمة.
ولا كلمة جارحة بصوت عالٍ.
ومع ذلك، لم يضربني شيء في حياتي بقوة تلك الجملة.
لأن كل القطع تركبت فجأة.
السرير في الشرفة.
الملابس التي أطويها لغيري.
الأطباق التي تُقدَّم من دوني.
الخروجات التي كانوا يخفونها.
الأعمال التي لا يستطيع أحد غيري فعلها.
والطريقة التي ينتهي بها كل خلاف وأنا المذنبة.
لم أكن أتخيل.
لم أكن حساسة زيادة.
لم أكن أفكر أكثر من اللازم.
كنت مختلفة عن هذا البيت لأنني الوحيدة التي ما زالت تنتظر حبًا، بينما لم يبقَ هناك إلا عادة.
أبي لم يعارضها.
وأخي لم يعترض.
ومريم، بعد أن تظاهرت بالمفاجأة لثانية، أنزلت عينيها كأنها سمعت حقيقة تعرفها من قبل.
شيء داخلي هدأ تمامًا.
لم أعد أحتاج أن أقنعهم.
ولا أن أذكّرهم بشيء.
ولا أن أسأل لماذا.
فقط أغلقت الحقيبة.
قلت:
— شكرًا.
رمشت أمي بحيرة.
— شكرًا على ماذا؟
— لأنك قلتِها أخيرًا بلا لف ودوران.
دخلت، أخذت صورة جدتي، واللابتوب، وسترتي.
ضحك أخي بتوتر.
— يا الله، لا تعيشي دور الضحية.
نظرت إليه بثبات.
— المؤلم أنك فعلًا تعتقد أن الضحية هنا أي شخص غيري.
نهض من الأريكة وكأنه يريد أن يتحداني، لكن أبي وضع يده على صدره.
لم يفعل ذلك دفاعًا عني.
بل تعبًا من المشهد.
— كافي يا علي.
عادت أمي إلى نبرة العقل التي تستخدمها عندما تريد أن تبدو جيدة دون أن تتحمل المسؤولية.
— اسمعي، إذا تحتاجين مساحة، خذيها. لكن لا تخرجي هكذا وأنتِ غاضبة.
قلت لها:
— أنا لا أخرج غاضبة. أنا أخرج مستيقظة.
نمت بملابسي.
أو تظاهرت بالنوم.
في الحقيقة قضيت الليل أسمع أصوات البيت كمن يسمع آخر مرة مكانًا لم يكن له بالكامل.
باب الثلاجة.
خطوات نحو الحمّام.
سعال أبي.
حركة أمي في آخر الليل.
وصوت إشعار قصير من هاتف مريم داخل الغرفة التي كانت غرفتي.
في الخامسة والنصف رنّ المنبه.
في السادسة كنت قد انتهيت من الاستحمام.
وفي السادسة والنصف طلبت سيارة.
في البداية لم يخرج أحد ليودعني.
سحبت الحقيبة إلى الباب الرئيسي وحدي.
ضربني هواء الصباح على وجهي، وشعرت بوخزة غريبة في صدري.
لم تكن شكًا.
كانت حزنًا.
كنت أرفع الحقيبة إلى السيارة عندما سمعت من يناديني.
— سارة.
كان أبي.
وقف عند الباب، قميصه مفتوح من الأعلى، وعيناه متعبتان من قلة النوم.
لم يقترب تمامًا.
— حقًا ستذهبين؟
فكرت أن أجيبه بسخرية، لكن لم يعد الأمر يستحق.
— نعم.
قال:
— أمك لم تقصدها هكذا.
— لا. قالتها كما تقصدها بالضبط.
خفض عينيه.
— لم نكن نريد أن تشعري بهذا.
حزنت من الجملة أكثر مما غضبت.
لأن من يؤذيك ثم يختبئ خلف النية، ينتظر منك أن تشكره على المحاولة.
قلت:
— ومع ذلك نجحتم جدًا.
تنفس أبي بعمق.
للحظة بدا كأنه يريد أن يقول شيئًا مهمًا.
شيئًا ربما لم يجرؤ على قوله منذ سنوات.
لكنه اختار الطريق السهل مرة أخرى.
— على كل حال، هذا سيبقى بيتك دائمًا.
نظرت نحو الباب.
نحو الشرفة التي نمت فيها شهورًا.
نحو نافذة الغرفة التي تنام فيها مريم الآن.
نحو الحوش الذي طويت فيه الملابس مرات كثيرة وهم يتعشّون في الخارج أو يجلسون لمشاهدة الأفلام من دوني.
قلت له:
— لا. بيتي سيكون المكان الذي لا أحتاج فيه إلى إذن حتى أكون موجودة.
ركبت السيارة.
لم أبكِ عندما تحركت.
بكيت بعد ثلاث شوارع، عندما شغّل السائق الراديو، وملأت أغنية عادية الصمت، كأن العالم لا يعرف أن حياة كاملة كانت تنكسر داخلي.
استقبلتني أربيل بحرارة جافة، وضجيج، وشعور غريب بأن لا أحد يعرفني، وهذا أراحني.
كانت صديقتي دانية تنتظرني خارج الموقف، تحمل قهوة باردة وكيس معجنات.
لم تسألني فورًا ماذا حدث.
ثم حملت إحدى حقائبي.
وفقط عندما ركبنا السيارة قالت:
— هنا لن تبقي زائدة عن أحد، مفهوم؟
كانت جملة بسيطة.
لكنني شعرت أن شيئًا داخلي ارتخى لأول مرة منذ شهور.
كان المشروع أصعب مما توقعت.
ساعات طويلة.
عملاء متعبون.
مواعيد شبه مستحيلة.
لكن كان هناك شيء يرممني في أن أتعب من أجل شيء يعيد لي اسمي.
لا أحد يطلب مني طي ملابس غيري.
لا أحد يجعلني أعتذر لأنني أحتاج مساحة.
لا أحد يرسلني لجلب الماء بينما الآخرون يرفعون الكؤوس.
استأجرت أنا ودانية شقة صغيرة قرب مكان العمل المؤقت.
هي كانت تطبخ بشكل سيئ.
وأنا كنت أجيد القهوة.
وبيننا بدأنا نبني روتينًا لا يشبه بيت الكرادة أبدًا.
في البداية كنت أعتذر عن كل شيء.
آسفة لأنني استخدمت الحمّام طويلًا.
آسفة لأنني تركت كوبًا على الطاولة.
آسفة لأنني تأخرت.
آسفة لأنني حزينة.
آسفة لأنني لا أريد الكلام.
وفي يوم، رمت دانية وسادة على وجهي وقالت:
— افهميها يا سارة، لا أحد هنا يتحملك. نحن نحبك.
ضحكت حتى بكيت.
مرّ أسبوعان قبل أن تكتب لي أمي.
لم تسألني كيف أنا.
ولم تقل إنها آسفة.
أرسلت صورة فاتورة الكهرباء، وتحتها كتبت:
— ممكن تحولين حصتك؟ حتى لو لستِ هنا، أنتِ ما زلتِ جزءًا من البيت.
بقيت أنظر إلى الهاتف عدة ثوانٍ.
ثم أجبتها بجملة واحدة:
— لم أعد كذلك.
اتصلت فورًا.
لم أرد.
كتب لي علي.
لم أجب.
ثم أرسلت مريم تسجيلًا طويلًا تبكي فيه، وتقول إنها تشعر بالذنب، وإنها لم تكن تريد أن تفرقهم، وتتمنى أن أفهم أنها هي أيضًا عانت كثيرًا.
حذفته قبل أن أكمله.
ليس لأنني لا أصدق أنها عانت.
بل لأنني فهمت لأول مرة أن ألم الآخرين لا يبرر المكان الذي وضعوني فيه.
بعد ثلاثة أشهر حصلت على عمل ثابت في أربيل.
لم يكن مثاليًا.
لكنه كان لي.
وقّعت العقد يوم الثلاثاء، وفي تلك الليلة اشتريت سريرًا مفردًا من أول مبلغ ادخرته كاملًا.
عندما وصل إلى الشقة، جلست فوق الفراش الجديد، وبقيت أنظر إلى السقف مثل طفلة.
لم يكن سريرًا فاخرًا.
لم تكن له خلفية.
ولم تكن عليه شراشف جميلة بعد.
لكنه كان داخل غرفة.
وكان لي.
في تلك الليلة بكيت طويلًا.
مع الوقت، ظلت عائلتي تحاول سحبي للعودة بطرق غريبة.
أبي يرسل صورًا لأشياء عادية.
علي يكتب: “كبّري عقلك.”
أمي تتظاهر بالهدوء في رسائل الأعياد.
ومريم تتفاعل مع قصصي كأن الثقة ما زالت موجودة بيننا.
كنت أرد أقل كل مرة.
ليس عقابًا.
بل حفاظًا على نفسي.
أحيانًا يظن الإنسان أن الرحيل هو لحظة إغلاق الباب.
لكنه ليس كذلك.
الرحيل الحقيقي يبدأ بعد ذلك، عندما تقاوم رغبتك في العودة إلى مكان تعرف أنه يكسر شيئًا فيك.
بعد قرابة سنة، عدت إلى بغداد فقط من أجل معاملة.
لم أخبرهم أنني سأبقى أيامًا.
نزلت عند قريبة بعيدة كانت دائمًا لطيفة معي، وعندما رأتني قالت جملة هزتني:
— وجهك مرتاح.
لم يستخدم أحد هذه الكلمة لوصفي من قبل.
في اليوم الأخير، قبل أن أعود إلى أربيل، مررت بالشارع الذي كبرت فيه.
لم أنزل من السيارة.
فقط نظرت إلى واجهة البيت.
نفس الطلاء المتعب.
نفس الأصيص المكسور.
نفس الشرفة التي نمت فيها وأنا أشعر بالامتنان للفتات.
لم أشعر برغبة في الدخول.
ولا حتى بالكراهية.
فقط وضوح كبير.
اهتز هاتفي في تلك اللحظة.
كانت رسالة من دانية.
صورة لنبتتي عند شباك الشقة، مائلة قليلًا لكنها حيّة، وتحتها كتبت:
— بيتك ينتظرك. والقهوة أيضًا، حتى لو طلعت سيئة.
ابتسمت.
أغلقت الهاتف.
نظرت مرة أخيرة إلى ذلك البيت.
وفهمت أخيرًا أن رحيلي لم يكن تخليًا عن عائلتي.
كان توقفًا عن التخلي عن نفسي.


