قصيت شعري

لبست بنطلون واسع وقميص فلانيل قديم كانوا بتوع أخويا كريم اللي مات من سنتين، وربطت صدري بإحكام، وحلقت جزء من شعري وخبيت الباقي تحت كاب، وغمّقت حواجبي، وفضلت أتدرب على صوت أوطى من صوتي.

وقفت قدام المراية وقلت: “أنا اسمي آدم راضي.” صوتي كان ناعم. جربت تاني. “آدم راضي.” المرة دي كان شكلي مقنع.

الساعة 3:17 الفجر، فتحت شباك أوضة الغسيل ونزلت منه، وأنا شايلة شنطة صغيرة فيها فلوس كانت معايا، حوالي 684 جنيه، ومعايا شنطة العدد القديمة بتاعة كريم وهدوم تكفيني كام يوم. ومقفلتش ورايا الباب. لأني كنت عارفة إن ملك عبدالسلام، من اللحظة دي، انتهت.

مع أول ضوء للنهار… ملك اختفت. وبدأ آدم راضي يعيش.

بعد سبع شهور، كنت شغال في ورشة المغربي لتجديد العربيات في منطقة شعبية ناحية الجيزة. الورشة من بره شكلها عادي جدًا. بوابة حديد كبيرة، عربيات مركونة، ريحة زيت وبنزين، وميكانيكية شغالين طول اليوم. لكن اللي محدش يعرفه إن الورشة دي كانت بتدخلها عربيات محددة جدًا. عربيات قديمة نادرة، عربيات دفع رباعي مصفحة، وعربيات فخمة بمبالغ محدش بيحب يسأل عنها.

وصاحب الورشة كان… عز الدين المغربي.

راجل نص القاهرة كانت بتخاف من اسمه، والنص التاني كان بيحاول بكل الطرق ميتخانقش معاه. كل واحد في الورشة كان عارف قاعدة واحدة: ممنوع الكذب على عز الدين المغربي.

وأنا؟ كل نفس كنت باخده تحت سقف ورشته كان مبني على كذبة.

سبع شهور كاملة عدّت وهو بالكاد خد باله مني. كنت بلبس الأفرول الواسع، بتكلم بصوت واطي، مبدخلش الحمام مع باقي العمال، مبرحش معاهم القهوة، مخرجش معاهم بعد الشغل، ومسمحتش لنفسي أصاحب حد. كنت حاطة حدود حوالين حياتي أعلى من سور. لأن غلطة واحدة… كانت كفاية تدمر كل حاجة.

لحد اليوم اللي عربية عز الدين المغربي القديمة بدأت تعمل مشكلة. كانت عربية موستانج سوداء موديل قديم، وفضلت تقطع وهي شغالة. تلاتة ميكانيكية حاولوا يصلحوها ومحدش عرف. حتى تامر، رئيس الصنايعية في الورشة، كان واقف قدام الموتور بيهز راسه.

وأنا كنت شغال على عربية على بُعد كام متر. سمعت صوت الموتور. وفجأة كل حواسي اشتغلت. كان فيه حاجة غلط. حاجة صغيرة جدًا… بس أنا سمعتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *