قصيت شعري

سحبت إيدي ببطء والمفتاح في قبضتي، كان دافي من مسكته. نظرتي كانت متثبتة على المفتاح النحاس الصغير، وبعدين رفعتها لوشه. عز الدين المغربي مكانش مجرد راجل بيحمي حد في ضائقة، كان فيه في عينيه هدوء مريب… هدوء الراجل اللي دخل حرب وعارف إنه هيكسبها قبل ما تبدأ أساسًا.
“الشنطة بتاعتك فين؟” سأل وهو بيمشي ناحية باب المكتب. “في الأوضة اللي ورا المخزن… الشنطة الصغيرة.” صوتي كان لسه بيطلع مبحوح، ناعم زي ما نسيت إنه كان.
عز الدين ما لفش، بس هز راسه. “هتطلعي من الباب الخلفي للمكتب، فيه سلم حديد طالع ل الشقة فوق. الميكانيكية مش هيشوفوكي. تامر هو الوحيد اللي هيفهم إن آدم مشي، وهجيب لك حاجتك لحد عندك.” “وعز الدين بك…” ناديت عليه قبل ما يفتح الباب. وقف وإيده على المقبض، ولَف نص لفة. “حسام مش عبيط… وهيرجع لماجد. ماجد الشناوي نفوذه مش بس في الجيزة أو التجمع، ده عنده ناس في…”
قاطعني بابتسامة صغيرة، دافية بس مليانة ثقة تخوف. “ماجد الشناوي بيلعب في الطين يا ملك… وأنا اللي بيبني المباني اللي هو بيمشي تحتها. الشناوي لو فكر بس يرمي طوبة ناحية الورشة دي، أنا ههدم عليه كل المخازن والشركات اللي حاطط إيده عليها في السوق. العبي غيرها… واطلعي فوق.”
فتح الباب وخرج، وسابه موارب. مشيت بخطوات مسروقة ناحية الباب الخلفي. السلم الحديد كان ضيق ونازل منه ريحة الصدأ والرطوبة. طلعت درجة درجة، وجسمي كله كان بيترعش من الفكرة: بعد سبع شهور من نومة الأرض في زنقة المخزن، وربط صدري اللي كان بيخنق نفسي كل ليلة، وأفرول الميكانيكا المليان شحم… أنا رايحة مكان أقدر أتنفس فيه كـ ملك.
فتحت باب الشقة فوق بالمفتاح. المكان كان واسع، حيطانها خشب دافي، وفيه شبابيك كبيرة بتبص على الشارع الوراني البعيد عن الورشة. كانت نظيفة كأن فيه حد بيعديها بانتظام، وفيها سرير كبير، وكنبة جلد، وشباك بيبص على النيل من بعيد. قعدت على طرف السرير، وحطيت إيدي على وشي. لأول مرة من سبع شهور، بكيت. دموع نزلت حامية، مسحت معها هباب الزيت والسناج اللي كان على خدي. بكيت على ملك اللي ضاعت، وعلى السبع شهور اللي عشتهم كخيال راجل، وعلى الخوف اللي جالي مع دخول حسام.

