قصيت شعري

عز الدين حط إيده في جيب بنطلونه، وقرب مني خطوتين ببطء. النظرة اللي في عينيه مكانتش نظرة راجل خايف، كانت نظرة صياد مستني الفريسة تدخل المصيدة برجليها. “يبص… ويحاول،” همس عز الدين وصوته فيه نبرة تقيلة تخلي الشباك يتزحزح. “ماجد الشناوي فاكر إن الفلوس والنفوذ تخلي أي حد يوطي راسه. بس هو نسي إن فيه فرق بين الراجل اللي بيشتري الناس بفلوسه، والراجل اللي الناس بتمشي وراه بعزها. الورشة دي تحتها أربعين راجل بياكلوا عيش من خيري، والمنطقة دي كلها من أولها لآخرها ما بتتنفسش غير بإذني. الشناوي لو دخل بقلة أدبه… مش هيخرج منها غير وهو مكسور.”

بصيت له وأنا مش قادرة أستوعب. السبع شهور اللي عشتهم في الرعب، الليل اللي كنت ببتديه بالبكاء وأنا بربط صدري بالرباط الضاغط عشان ميبانش، والخوف من كل عربية تقف قدام الورشة… كل ده كان بيتهز قدام الثقة المرعبة اللي بيتكلم بيها عز الدين. “ليه؟” سألته تاني، والدموع جمعت في عيني. “ليه تدخل نفسك في حرب مش حربك؟ عشان كبرياء؟ عشان حسام دخل الورشة من غير ما يستأذن؟”

عز الدين بصلّي لثواني طويلة. عينيه نزلت على وشي المغسول، شعري المقصوص بعشوائية، والإرهاق اللي كان باين في كل خط على جبهتي. قرب أكتر، لدرجة إني حسيت بدفا أنفاسه. “عشان السبع شهور اللي استحملتيهم يا ملك…” قالها بنبرة واطية جدًا، نبرة غريبة خلت قلبي يطرق بين أضلعي بشدة. “عشان البنت اللي تقص شعرها وتعيش في هباب الزيت وترقد على الأسمنت عشان تشتري حريتها وترفض تكون مجرد صفقة… ما ينفعش تتساب لوحدها لما الخطر يوصل لحد بابها.”

سكت لثانية، وبعدين أخد نفس هادي وكمل وهو بيلف ناحية الباب: “نامي ورتاحي. الباب ده مقفول بالمفتاح من جوه. وبكرة الضهر… لما تسمعي صوت عربيات ماجد الشناوي بره، ما تبصيش حتى من الشباك. سيبيلي اللعبة دي… وأنا هوريكي الشناوي ده حجمه الحقيقي إيه.”

خرج وساب الباب يتقفل وراه ببطء. قفلت الباب بالمفتاح، وضهرت عليه وأنا بنزل للأرض ببطء. حطيت إيدي على صدري اللي لأول مرة من سبع شهور بقى يتنفس بحرية من غير رباط ضاغط. الشقة كانت ساكتة، بس الشارع تحت بدأ يتملي بصوت خطوات ورجالة بتتحرك… رجالة عز الدين اللي بدأوا يقفوا على كل مدخل ومخرج للمنطقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *