قصيت شعري

قلت من غير ما أفكر: “دورها تاني.” تامر بصلي باستغراب: “نعم؟” قلت: “دورها تاني.”
لف المفتاح. الموتور اشتغل. صوت الموتور كان عالي، لكن وسط الصوت كله كان فيه تلعثم بسيط جدًا. ثانية واحدة… وبعدين اختفى. قربت من العربية وبدأت أفك أجزاء منها. تامر وقف يتفرج عليا. بعد حوالي عشر دقايق، كنت لاقيت شرخ رفيع جدًا في خرطوم فاكيوم قديم مستخبي تحت مجموعة السحب.
رفعت الخرطوم قدام تامر: “هو ده.” بصلي تامر كأنه مش مصدق. وبعدين قال: “يا نهار أبيض… إنت لقيتها إزاي؟”
ابتسمت غصب عني. ابتسامة صغيرة. لكنها كانت غلطة. لأن في نفس اللحظة… الورشة كلها سكتت.
صوت خطوات تقيلة بدأ يقرب على الأرضية الأسمنت. خطوة… ورا خطوة… وكل الصنايعية فجأة بقوا مشغولين بأي حاجة قدامهم. تامر كان أول واحد وشه اتغير. بص ورايا. وشفت الدم بينسحب من وشه.
قلبي وقع. لأني عرفت مين اللي دخل.
قبل ما ألف حتى… صوت رجالي هادي قال: “إيه اللي حصل هنا؟” لفيت ببطء. وكان عز الدين المغربي واقف ورايا مباشرة.
ولأول مرة من سبع شهور… الراجل اللي كل اللي حواليه بيخافوا منه بصّ لـ آدم راضي نظرة مختلفة. نظرة كأنه… أخيرًا شافني. مش الميكانيكي الهادي. مش الشاب اللي ملوش أهل ولا ماضي. لأ. كأنه لأول مرة حس إن ورا الوش ده… فيه سر كبير. وساعتها، لأول مرة من يوم ما هربت… خفت إن هويتي الحقيقية تكون على وشك إنها تنكشف.
سحب سيجارته ببطء، والدخان الطالع منها غطى على ملامح وشه القاسية لثواني، قبل ما يرميها على الأرض ويدوس عليها بجزمته الجلد. المكان حوالينا كان ساكت سكون يرعب، حتى صوت الكوريك الحديد اللي كان شغال هناك وقف مرة واحدة.
قرب مني خطوتين، وعينيه السمرا زي الليل كانت بتدرس كل إنش في وشي. النظرة مكانتش مجرد تفحص ميكانيكي شاطر، كانت نظرة راجل متعود يقرا الناس زي الكتب المفتوحة.
“اسمك إيه؟”
صوته كان واطي، بس كان فيه نبرة تقيلة تخلي أي حد يترعش. بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت بكل قوة عندي أطلع الصوت الخشن اللي اتدربت عليه سبع شهور. “آدم… آدم راضي يا باشا.”
عز الدين ما ترمش له عين. حط إيده في جيب بنطلونه، ومال براسه ناحية الموتور المفتوح، وبعدين رجع بصلي تاني، والمح لمح البصر حاجة غريبة في عينيه… كأنه بيشوف خطوط وشي المقصوصة بعناية، أو النعومة اللي بحاول أخبيها تحت هباب الزيت والسناج اللي حطاه على خدي.



