من تسعتاشر سنة، ربيت ابن اختي اللي أمه رمته كأنه ابني، بس يوم تخرجه دخلت ماسكة تورتة مكتوب عليها “مبروك من أمك الحقيقية

 

من تسعتاشر سنة، ربيت ابن اختي اللي أمه رمته كأنه ابني، بس يوم تخرجه دخلت ماسكة تورتة مكتوب عليها “مبروك من أمك الحقيقية” — ولما ابني طلع عشان يقول كلمة الأوائل، بص لي كويس وطبق الورقة اللي في إيده.

من تسعتاشر سنة، ما طلبتش من حد يقول عليّ بطلة ولا استنيت كلمة شكر من مخلوق. كنت بقوم ببساطة أول ما دياب يعيط بالليل، وأروح الشغل التاني والتالت وعلى قميصي أثار ترجيع واضحة، وأغلف هدايا عيد الميلاد بورق الجرائد القديم، وأمضي على أي ورقة للمدرسة بنفس الاسم الثابت في كل السجلات: ميرة جمعة، الوصية. الوصية، مش أم. عمرها ما كانت أم على الورق الرسمي. بس الورق مش هو اللي بيصحى الساعة اتنين بالليل لما طفل صغير ما يقدرش يتنفس من مناخيره المسدودة، والورق ما بيتعلمش إيه السريلاك اللي بيخليه يبتسم ويهدي، ولا إيه الكحة اللي معناها سخونية عالية وخطيرة، ولا إيه السكوت التام اللي معناه إن قلبه الصغير بيتقطع من حاجة.

الصالة المغطاة كانت ريحتها واكس أرضيات، وفل، وبرامج بلاستيك متطوية كويس ومشدودة في إيدي الأمهات القلقانين على ولادهم. النور الأبيض اللي فوق كان بيزن فوق يفتات الباسكت القديمة، وبالونات بلونين أزرق وأصفر كانت محوطة البيبان الجانبية من كل حتة عشان تدي شكل احتفالي. قعدت في الصف التالت وكنت لابسة بلوزة أنيقة وبنطلون هادي، وده كان أول طقم جديد أشتريه لنفسي من تلات سنين كاملين ضحكت فيهم على نفسي وعلى مصاريف البيت. صاحبتی المقربة كريمة قعدت جنبي على الكرسي، وكانت بتعيط خلاص من كتر التأثر والفرحة بيا وبدياب. همست لي بصوت مهتز وقالت: “إنتي كويسة؟” هزيت رأسي بصعوبة، عشان ابني كان خلاص هيدخل يتخّرج الأول على الدفعة كلها، وكنت عايزة اليوم ده يعدي ويكون فيه طعم الفخر أعلى وأوضح بكتير من ريحة التعب والسهر.

بعدين فجأة الباب اتفتح على مصراعيه ودخلت هي. فاتن جمعة دخلت القاعة كأنها استنت تسعتاشر سنة بحالهم عشان تلاقي الجمهور المثالي اللي هيصفق لها. فستان زمردي غالي ولامع. شعر بني ناعم ونازل في تموجات منسدلة بعناية. كعب عالي وغالي بيعمل صوت طقطقة واضحة وهو ماشي على أرضية الصالة الخشبية. جنبها كان ماشي حاتم شفيق، المستثمر العقاري الشهير اللي شكلها قررت إنه لازم يشهد على اللحظة الدرامية لعودتها الكبيرة لعالم الأمومة. وراهم جه أبويا وأمي، رشدي ونجاة، وشكلهم كان ناشف ومهم ومترتب، كأنهم قضوا السنين دي كلها بيعيدوا كتابة الماضي على مزاجهم وأخيراً بقوا جاهزين يمثلوا النسخة المزيفة منه قدام الناس. وفي إيد أمي كانت التورتة الكبيرة. كريمة بيضاء ناصعة. حروف وردية بارزة وواضحة. مبروك من أمك الحقيقية.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *