من تسعتاشر سنة، ربيت ابن اختي اللي أمه رمته كأنه ابني، بس يوم تخرجه دخلت ماسكة تورتة مكتوب عليها “مبروك من أمك الحقيقية

إيد كريمة قفلت على إيدي بقوة وهي بتعصرها عشان تهديني. مربية! تسعتاشر سنة من عمري وروحي وصحتي اتقصوا في ثانية وبقوا مجرد مسمى وظيفي جاف على لسان واحدة ما تستاهلش قطرة عرق نزلت مني عشانه. افتكرت في اللحظة دي كل دور برد جالي بسببه، وكل لانش بوكس كنت بجهزه وأنا مفبركة السعادة، وكل اجتماع أولياء أمور حضرتُه لوحدي وكنت الأم والأب في نفس الوقت، وكل شمعة عيد ميلاد ولعتها له وهو بيضحكة، وكل جاكيت شتاء اشتريته أوسع بدرجتين عشان يكفي سنة كمان ومضطرش أضغط نفسي مادياً. افتكرت كل ليلة كنت بذاكر فيها تحت أباجورة ضعيفة بعد ما دياب ينام لأني كنت لسه لازم أبني لنفسي وليه مستقبل بإيد واحدة وفي نفس الوقت ماسكة إيده التانية بالأمان.
كنت أقدر أقول كل الكلام ده وأطلع اللي جوايا وأفضحهم قدام القاعة كلها، بس ما قلتش ولا حرف. سكت تماماً لأن دياب كان لسه باصص لي من مكانه، ووعيونه الثابتة كانت لسه بتقول لي كلمة واحدة واضحة: اصبر عليا شوية صغيرة.
الحفل بدأ رسمياً على صوت التصفيق. الناظر هاني طلع ورحب بالعائلات بحرارة، والموجه اتكلم كتير وبزيادة عن قادة المستقبل وأهمية العلم والشباب. الطلبة عدوا على المسرح واحد ورا التاني، وأساميهم بترن في أرجاء الصالة الكبيرة. فاتن كانت مصورة كل ثانية وكل حركة على تليفونها الغالي، وكانت بتميل ناحية حاتم كل دقيقتين كأنها بتعلق على فيلم وثائقي درامي عن أم حقيقية بتسترد ملكها الضايع. وأمي فضلت قاعدة مكانها حاطة التورتة على حجرها ومتوازنة بخوف، والكلمات المكتوبة بالكريمة البينك واجهة لكل الناس باينة للبرة بلا استحياء.
في الوقت ده، الناس في القاعة خدوا بالهم من اللقطة وبدأوا يهمسوا. أب محترم قاعد في الصف التاني بص من التورتة اللي على حجر أمي لي أنا، وبعدين رجع بص بعيد بسرعة وبرعب من الإحراج. جدة عجوزة قاعدة قدام ضغطت البروجرام بتاع الحفل على صدرها باهتمام مشفق. واحد من زمايل دياب المقربين فضل باصص ومستغرب لحد ما أمه لمست دراعه عشان تسكته وتبعد عينه. مفيش في الدنيا دي كلها حد عارف يعمل إيه ولا يتصرف إزاي مع قسوة البشر لما توصل وتقتحم مكان وهي لابسة لبس احتفال وتضحك بكل وقاحة.
