من تسعتاشر سنة، ربيت ابن اختي اللي أمه رمته كأنه ابني، بس يوم تخرجه دخلت ماسكة تورتة مكتوب عليها “مبروك من أمك الحقيقية

لثانية واحدة، الصالة كلها بقت غباش قدام عيني، والدنيا اتهزت بيا. مش لأني كنت بعيط، لأ, ده عشان الصدمة خبطتني بقوة غريبة كأنها حاجة مادية صلبة. أم حقيقية. مش الست اللي فضلت حاضنة دياب وهو عنده نوبات مغص متواصلة في شقة أوضة وصالة بتلج في الشتاء. مش الست اللي سابت منحة دراسية كاملة ومستقبل باهر وهي عندها اتنين وعشرين سنة عشان طفل مولود جديد كان محتاج حضن دافي، وكل الكبار التانيين قرروا بدون تردّي إن الحد ده هيكون أنا لوحدي. مش الست اللي كانت عارفة أنواع حساسيته بالظبط، وعاداته العصبيّة لما يتوتر، وسخونيته، وخوفه بالليل، والصوت الحنون اللي كان بيستخدمه لما كان يحاول يبقا شجاع قدام أصحابه. أم حقيقية مكتوبة بحروف من الكريمة الوردية الباردة.

فاتن شافتني وأنا باصصة لها وابتسمت بكل برود وغرور. ما كانش فيه أي نقطة إحساس بالذنب في عيونها، كان فيه بس لمعة الانتصار الرخيص. قبل ما الحفل يبدأ بشكل رسمي، مشيت علطول وبخطوات واثقة ناحية مكان وقوف المتخرجين على جنب. دياب كان واقف هناك بالروب والقبعة الكحلي الغامقة، طويل وثابت، والشرشوبة الذهبية بتخبط في خدديه مع كل حركة. لثانية غريبة، حسيت إنه عنده تسعتاشر سنة راجل كامل، وفي نفس الوقت هو لسه نفس المولود الجديد اللي شلته زمان. فاتن فتحت دراعاتها على الآخر وبوسع، وقالت بصوت عالي كفاية عشان كل العائلات اللي حوالينا تسمع بوضوح شديد: “دياب يا حبيبي، يا ضنايا.” وحضنته بقوة وافتعال.

دياب ما حضنهاش قصادها خالص. دراعاه فضلوا نازلين جنب جنبه بثبات غريب ومخيف. بعدين عيونه سابوها ولقوني أنا جوه الصالة واقفة ومصدومة. بص لي بنظرة طويلة مليانة معاني وقال لي بعيونه: اصبر. فاستنيت وأنا حابسة نفسي مكاني. فاتن مشيت ناحيتي بعد كده بخطوات دلوعة وحطت إيدها اللي معمولها أحدث مانيكير على كتفي كأنها بتبارك لخدامة متأجرة أو بتشكرها على خدمة أدايتها بفلوس. قالت بصوت عالي جداً لكل اللي حوالينا: “ميرة، شكراً أوي بجد إنك خدتي بالك من ابني السنين دي كلها.” جسمي كله تلج ومبقاش فيه نقطة دم واحدة. كملت وقالت بابتسامة سمجة: “كنتِ مربية ممتازة وكويسة، بس أنا جيت خلاص ووقته خلص. أنا هاخد الموضوع من هنا ورايح بكل تفاصيله.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *