من تسعتاشر سنة، ربيت ابن اختي اللي أمه رمته كأنه ابني، بس يوم تخرجه دخلت ماسكة تورتة مكتوب عليها “مبروك من أمك الحقيقية

بعد شوية، الناظر هاني رجع للميكروفون وابتسم بحماس وقال بصوت عالي يهز القاعة: “ودلوقتي، من فضلكوا كلكم، رحبوا بأول الدفعة وحاصل على لقب الطالب المثالي السنة دي، زميلكم دياب جمعة.”

الصالة ولعت بالتصفيق الحاد والصفير وصريخ الفرحة من كل الاتجاهات. دياب طلع بخطوات ثابتة وواسعة، ومسك في إيده مش ورقة خطبة التخرج اللي متعودين عليها، ده طلع بطانية أطفال قديمة جداً ومبرومة ومستهلكة ومخيطة من الجوانب، وطلع بيها قدام نور الصالة الساطع. وقف قدام الميكروفون مباشرة، وبص بعيد خالص وتخطى كل الصفوف، وبص علطول متخطيا التورتة اللي على حجر أمي والست اللي اسمها أمه الحقيقية، وبص لي أنا مباشرة في عينيّ وسط الزحمة دي كلها.

مسك البطانية القديمة وفتحها قدام الناس، وقال بصوت مهتز بس قوي وواضح كحد السيف: “الناس كلها شايفة النهارده روب التخرج والشهادة والقبعة الذهبية، وشايفة ناس جاية تضحк قدام الكاميرات وتدعي إنها جزء من قصتي وتكتب على التورتات كلام كبير مش حقيقي.. بس محدش في القاعة دي ولا براها يعرف مين اللي بنى البني آدم اللي واقف قدامكوا ده من العجز.” القاعة سكتت تماماً وبقت كأنها قبر من كتر الصمت الرهيب والذهول اللي أصاب الكل. فاتن اتجمدت في مكانها والتورتة تهزت على إيد أمي.

كمل دياب بصوت مليان دموع محبوسة وكرامة عالية: “البطانية دي مش حتة قماش مرمية، دي الحاجة الوحيدة اللي فضلت معايا من يوم ما اترمينا أنا وأمي الحقيقية اللي ولدتني وسابتني وأنا رضيع في شقة مظلمة.. الست اللي ربَتني، ونامت وهي جعانة عشان أنا أكل، ولبست القديم عشان أنا ألبس جديد، وسهرت أيام وليالي بتعالجني وهي طفلة زُميلتها في المدارس.. الست دي اسمها ميرة جمعة، وهي واقفة هناك في الصف التالت.. دي أمي اللي خلفتني بالتربية والتعب والسهر والدموع، ومش بالورق ولا بالتورتات اللي فيها كدب رخيص.”

بصت له ودموعي سالت على خدودي لأول مرة بدون إحراج، وكل عيون الصالة اتحولت فجأة عندي وناس كتير بدأت تعيط وتصقف بحرارة شديدة وباحترام حقيقي هز أركان المكان. فاتن وشيها اصفر وبقت ألوانه تتغير من الصدمة والفضيحة قدام المجتمع اللي كانت عايزة تتباهى قدامه، وطلعت تجري من الصالة وهي جارة وراها حاتم وأهلي اللي نزلوا راسهم في الأرض من كسر العين والفضيحة المستحقة. دياب نزل من على المسرح وجري علطول ناحيتي، ركع قدام كرسيّ وحضنني بكل قوته وهو بيبكي في حضني وبيقول لي: “مبروك عليّ أنا كمان يا أمي.. إحنا اللي تخرجنا النهاردة مش أنا لوحدي.” فضلت حاضنته وعارفة إن كل التعب والشقا وسنين المرار اتحولوا في اللحظة دي لذهب خالص وتاج على راس ميرة الوصية، الأم الحقيقية قدام ربنا والقلب والزمن.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *