بنتي باعت كولكشن الليجو بتاعها بـ 112 دولار

بنتي باعت كولكشن الليجو بتاعها بـ 112 دولار عشان تشتري نظارة جديدة لصاحبتها عشان نظارتها كانت متكلفتة ببلاستر عريض—تاني يوم، المدرّسة كلمتني وهي بتعيط، “أهلها عايزينك هنا فوراً”.

الأسبوع اللي فات، بنتي ميا، اللي عندها 9 سنين، رجعت من المدرسة ساكتة بشكل مش عادتي أشوفها بيه—لا فتحت كارتون ولا رغت، سكوت تام عرفت منه إن فيه حاجة غلط. ولما خليتها تتكلم في الآخر، انهارت وحكت لي على كل حاجة. صاحبتها كلوي نظارتها اتكسرت وهي بتلعب طايرة. الشنبر اتقسم نصين، وبقت يادوب ماسكة في بعضها بـ ليرز تقيلة من البلاستر الفضي العريض. وباقي العيال خدوا بالهم علطول—وما رحموهـاش. ميا قالت لي وصوتها بيترعش: “بيضحكوا عليها.. وبيشتموها. ومبارح استخبت في الحمام وقت الفسحة”.

قلبي وجعني أوي، وبعدين همست بحاجة وجعتني أكتر: “أهلها مش قادرين يجيبوا لها نظارة جديدة”. الكلام ده دمرني، بس أنا أم سينجل وبشتغل شغلانتين عشان يادوب أدفع فواتير الكهربا والنور. يادوب كنت ملاحقة على مصاريف الأكل الأسبوع ده، فما بالك إني أشتري نظارة بنظر لعيِّل تاني. عشان كده قلت لها الحقيقة: “أنا آسفة يا حبيبتي.. مش هقدر”. ما جادلتش معايا، هزت رأسها بس ودخلت أوضتها، ولسبب ما، السكوت ده وجعني أكتر من أي حاجة تانية.

تاني يوم بعد الظهر، خدت بالي إن صندوق الليجو بتاعها مش موجود—الصندوق اللي قعدت تجمعه حتة حتة على مدار أربع سنين، وكان حرفياً كل ثروتها في الدنيا. وقبل ما أسألها، جريت عليا وهي بتضحك لأول مرة من أيام وقالت لي: “أنا حليت المشكلة يا ماما.. أنا بعت الليجو بتاعي.. واشتريت لكلوي نظارة جديدة”. كانت باعت الكولكشن كله بـ 112 دولار، وراحت لمحل نظارات قريب، وشرحت له كل حاجة، واشترت لكلوي نظارة بشنبر بينك جميل وجديد. ميا قالت براحة: “هي هتقدر تشوف تاني.. ومحدش هيضحك عليها بعد كده”. أخدتها في حضني وأنا فخورة بيها لدرجة البكاء، وأنا فاكرة إن الموضوع خلص على كده وسلوى الضمير هتكفينا، بس كنت غلطانة تماماً.

تاني يوم الصبح، أول ما نزلت ميا عند المدرسة ورحت على شغلي الأولاني، تليفوني رن. كانت المدرّسة بتاعتها، وصوتها كان باين إنها كانت بتعيط ومرعوبة. قالت لي: “أرجوكي تعالي حالا.. أهل كلوي هنا.. وبيقولوا إنك أنتِ وبنتك هتدفعوا تمن اللي عملتوه، والموضوع قالب بخناقة كبيرة”. إيديا سقعت وأنا بجري على المدرسة، وعقلي بيودي ويجيب.. يا ترى إيه اللي حصل؟ هل النظارة مقاسها غلط وعملت للبنت مشكلة؟ ولا في إيه بالظبط؟

أول ما دخلت الفصل، اتسمرت في مكاني. ميا كانت واقفة في نص الأوضة وموطية رأسها ودموعها على خدها، والنظرة اللي كانت على وش أبو كلوي خلت الدم يتجمد في عروقي.. راجل ضخم ولابس لبس شغل خشن، وملامحه غضبانة جداً وبيتكلم بزعيق هز جدران الفصل. زعقت وقلت وأنا بجري وبحضن بنتي: “أنتم بتعملوا فيها إيه؟! بنتي عملت إيه لكل ده؟!”.

أبو كلوي لفت ليا، وعينيه كانت حمرا من الغضب، بس الغريبة إن كان فيها دموع محبوسة برضه. رفع إيديه اللي كانت بتترعش وكان ماسك فيها علبة النظارة الجديدة وقال بصوت عالي: “بنتك أهانتنا! بنتك راحت تشحت على بنتي وتصعب عليها! إحنا مش شحاتين عشان عيلة عندها 9 سنين تتصدق علينا وتفضحنا قدام الناس ومحل النظارات في المنطقة!”.

في اللحظة دي استوعبت الصدمة.. الأب حس إن كرامته اتهدرت، وإن حركة ميا البريئة كشفت عجزهم المادي قدام الناس وجرحت كبريائه كأب مش قادر يوفر لبنته نظارة. المدرّسة تدخلت وهي بتمسح دموعها وقالت: “يا أستاذ، ميا عملت كده بدافع الحب والزمالة، ما كانش قصدها أي إهانة”. بس الأب ما كانش سامع، وكان معتبر إن دي “إعانة” مهينة من عيلة تانية، وأم كلوي واقفة وراه بتبكي في صمت وضامة كلوي اللي كانت لابسة نظارتها القديمة المتكلفتة بالبلاستر وبتعيط بحرقة وهي شايفة صاحبتها ميا بتتبهدل بسببهـا.

أنا أخدت نفس عميق، وبلعت ريقي، وقررت أهدّي الموقف لأن الغضب مش هيحل حاجة. قربت من الأب، وطلبت من المدرّسة تأخد ميا وكلوي برة الفصل للحظات. بصيت للأب في عينيه وقلت له بنبرة كلها احترام وأمومة: “يا فندم، أنا أم سينجل، بشتغل شغلانتين وبموت كل يوم عشان أوفر لقمة العيش لبنتي، وبنتي لما جت طلبت مني أساعد كلوي، أنا رفضت.. رفضت لأني حرفياً معيش تمنها. ميا ما عملتش كده عشان تتباهى، ميا عملت كده لأنها شافت صاحبتها بتعيط، فقررت تضحي بأغلى حاجة تملكها في الدنيا.. لعبتها اللي شقيت فيها 4 سنين.. عشان تسعد صاحبتها”.

سكتت شوية وكلمت أم كلوي: “دي مش شحاتة.. ده حب نقي ميعرفش الحسابات المعقدة بتاعة الكبار وكرامتهم. الأطفال مبيفكروش في الفلوس والطبقات، بيشوفوا حد بيحبوه زعلان فبيتحركوا بقلبهم. بنتي ما فكرتش إنها بتهينكم، هي فكرت إنها بتنقذ عينين صاحبتها اللي بتحبها”.

الاوضة سادها هدوء تام ومفاجئ. كلمات الأم السينجل والوضع المشترك من الكفاح لمس حاجة جوا الأب الغضبان. ملامحه بدأت تلين، وبص للأرض، وبعدين بص لعلبة النظارة البينك اللي في إيده. أم كلوي قربت منه وحطت إيدها على كتفه وقالت له بصوت واطي: “هي عندها حق.. البنتين بيحبوا بعض، وكلوي كانت بتموت من التنمر كل يوم”.

الأب غطى وشه بإيديه العريضة الخشنة، وبدأ يترعش.. الراجل كان شايل حمل تقيل أوي فوق طاقته، وحس بالعجز كأب، والغضب ده كله كان مجرد قناع للخجل والألم الداخلي. نزل على ركبه وبكى.. بكاء راجل مكسور من الدنيا والظروف.

المدرّسة دخلت البنتين تاني. كلوي جرت على باباها وحضنته، وهو حضنها جامد وقال لها: “أنا آسف يا بنتي.. أنا آسف إني قصرت معاكي”. بعدين بص لميا، اللي كانت واقفة خايفة، وقال لها: “أنا آسف يا ميا.. أنتِ بنت بمليون راجل، وقلبك ده دهب.. شكراً ليكي”.

ميا ابتسمت ودموعها لسه على خدها، وجريت حضنت كلوي. الأب وافق في الآخر إن كلوي تلبس النظارة الجديدة، بس بشرط واحد؛ إنه أول ما ربنا يرزقه بفلوس، هيشتري لميا كولكشن ليجو جديد كهدية ورد للجميل، مش كتمن للنظارة.

خرجنا من المدرسة يومها، وأنا حاطة إيدي على كتف بنتي ميا. الدنيا برا كانت لسه صعبة، ومصاريفنا لسه كتيرة وشغلانتين يادوب بيكفوا، بس وأنا بتبادل النظرات مع أم كلوي وأبوها برة المدرسة، عرفت إننا كسبنا حاجة أغلى بكتير من الفلوس.. كسبنا إنسانية وصداقة حقيقية، وعلمت بنتي إن العطاء الصادق، حتى لو واجه سوء تفاهم في الأول، دايماً بينتصر في النهاية ويغير قلوب الناس.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *