في عزومة عائلية أختي قدّمتلنا خطيبها الجديد
في عزومة عائلية، أختي قدّمتلنا خطيبها الجديد… لكن الغريب إنه ماكانش بيبطل يبصلي.
سألني بشتغل إيه.
جاوبت.
وفي اللحظة دي… أمي ضربتني بمفتاح حديد في وشي عشان “بترد.” والكل انفجر ضحك.
أختي قالت بسخرية: “بصراحة؟ إنتِ بقيتي أحلى دلوقتي.”
وبعدين بصت لأمي وقالت: “ضربة واحدة مش كفاية.”
أمي رمتلها المفتاح وقالت: “اتفضلي… دورك.”
حاولت أحمي وشي… لكن أبويا مسكني من دراعي. والدنيا اسودّت.
وكانوا واقفين يضحكوا قدام حبيب أختي… كأني نكتة. لكن بعدها بثواني… الضحك اختفى من وشوشهم تمامًا.
الجزء الأول
طعم الدم معدن… ولو دقته مرة، عمرك ما بتنساه. حاد، ساقع، وطاغي على أي إحساس تاني.
العشا ده بدأ بشكل مثالي زيادة عن اللزوم لدرجة تخوف. أمي “نهى” كانت مطلعة الطقم الصيني اللي “ممنوع ألمسه” عشان تبهر “كريم”، حبيب أختي الجديد. أختي “دينا” كانت منورة من الفرحة وهي بتقول بفخر إنه شغال مدير استثمارات في بنك عالمي.
أما أنا… فكنت قاعدة في مكاني المعتاد. آخر الترابيزة. مكان المنفيين. بدزق البسلة في الطبق، وبحاول أبقى أصغر… أهدى… أقل وجود.
لكن كريم ماكانش بيبطل يبصلي. مش بصات فضول. كانت نظرات محسوبة… تقيلة… ومخيفة. وفجأة سأل:
— “إنتِ بقى يا مريم… بتشتغلي إيه؟”
الترابيزة كلها سكتت. قلت بصوت صغير:
— “أخصائية اجتماعية… بشتغل مع المراهقين المعرضين للخطر.”
كريم رجع لورا في كرسيه بابتسامة مستفزة:
— “بجد؟ وليه حد يختار شغل كئيب بالشكل ده؟”
فتحت بقي… وحاجة جوايا ولعت فجأة:
— “لأنه مهم. النظام بايظ، بس إحنا بنفرق فعلًا. الشهر اللي فات ساعدت بنت عندها ١٦ سنة كانت—”
أمي قاطعتني بصوت حاد زي الكرباج:
— “ما تضيعيش وقت كريم بقصصك الكئيبة دي يا مريم. محدش عايز يسمع عن الناس دي وهو بياكل.”
الإهانة كانت حاجة متعودة عليها… لكن المرة دي، حاجة جوايا اتكسرت. يمكن بسبب ابتسامة كريم المتعجرفة، أو بسبب أبويا وهو بيهز راسه موافق. فقلت بصوت بيرتعش لكنه واضح:
— “بالعكس يا ماما… شغلي مهم. بيساعد ناس فعلًا. مش زي تنظيم رحلات غالية للناس الأغنية عشان يصوروا نفسهم على إنستجرام.”
ما لحقتش حتى أستوعب اللي حصل بعد كده. في ثانية… الدنيا انفجرت نور أبيض وألم.
“طاخ!”
مفتاح حديد تقيل كان على الكومود اتخبط بكل قوته في جنب وشي. الكرسي وقع بيا لورا، وخبطت دماغي في الأرض الخشب بصوت مكتوم.
وسط السواد اللي غطى عيني… بصيت لفوق. أمي كانت واقفة فوقي مباشرة، والمفتاح الحديد في إيدها عليه دمي. وشها كان متحول لحاجة مرعبة.
لكن الحاجة اللي كسرتني فعلًا… كانت الضحك. دينا كانت ماسكة بطنها من الضحك:
— “يا نهار أبيض! بصوا على وشها! بقيت شبه لوحة مكعبرة!”
وكريم؟ الرجل المحترم الهادئ؟ كان بيضحك هو كمان. ضحك حقيقي من قلبه، كأن دمي وكسور وشي أحسن نكتة سمعها في حياته.
دينا مسحت دمعة من الضحك وقالت:
— “بصراحة؟ ضربة واحدة مش كفاية.”
الرعب دخل جسمي زي تلج. بدأت أزحف لورا وأنا بتزحلق في دمي، بحاول أحمي دماغي بإيدي. لكن فجأة… ضل كبير وقف فوقي. أبويا. ماكنش جاي يساعدني، ولا يطلب إسعاف. إيده مسكت دراعاتي بعنف وثبتني في الأرض، وقال بهدوء مرعب:
— “اهدي يا مريم.”
بصيت لفوق وأنا مش قادرة أصرخ بفكي المكسور… وشفت أمي بتبتسم وهي بترمي المفتاح الحديد لأختي، وقالت:
— “اتفضلي يا دينا… علّميها الأدب.”
الجزء الثاني والاختيار الحاسم
دينا مسكت المفتاح الحديدي بإيد بترعش من الغل والشماتة، ورفعت إيدها لفوق بكل قوتها عشان تنزل على وشي تاني وأبويا مثبتني في الأرض..
وفجأة.. صرخة رعدية زلزلت حيطان الشقة خلت إيد دينا تتجمد في الهواء والمفتاح يقع من إيدها على الأرض بصوت رنين حاد!
الصوت مكنش صوت حد غريب.. الصوت كان صوت كريم! بس الضحكة المتعجرفة اتمسحت من على وشه تماماً، وحل مكانها برود مرعب وعيون بتطلق شرار وموت صافي هز أركان الصالة بالكامل. كريم وقف بكامل طوله الفارع، وبحركة واحدة سريعة وقوية زق أبويا بعيد عني لدرجة إنه خبط في النيش ودشدش الطقم الصيني الفخم اللي أمي كانت بتتباهى بيه!
انحنى كريم على الأرض، وشالني بين ذراعيه برفق شديد كأنني قطعة أماس غالية وبدأ يمسح الدم عن وشي بمنديله القماش النظيف وهو بيتنفذ بغضب جارف.
كريم بصوت جهوري مرعب:
— “اهدي يا مريم.. إنتي في أمان.. الجحيم اللي عيشتي فيه مع الوحوش دول انتهى الليلة دي ولقطع الرقبة!”
أمي نهى صرخت بذهول ولغبطة وهي بتبص لكريم:
— “كريم بيه؟! إنت بتعمل إيه؟ دي البت الجاحدة قليلة الأدب اللي كانت بتتريق على شغلك وشغل أختها! إحنا كنا بنأدبها عشان تشرفك!”
كريم لف وشه وبص لأمي ولأبويا ولدينا بنظرة احتقار مقرف خلت الدم يهرب من عروقهم، وقال بنبرة حادة كالسيف:
— “تشرفني أنا؟! أنتم عيلة قذرة ومريضة نرجسية! أنا مكنتش بيبص ل مريم البصات دي عشان استعلاء.. أنا كُنت براقب وبشوف حجم الخوف والكسرة اللي زارعينها في قلب البنت دي! أنا مسميش كريم ومدير بنك يا نهى هانم.. أنا المقدم كريم عبد العزيز من الإدارة العامة لحقوق الإنسان وجنايات العنف الأسري بمكتب النائب العام!”
القاعة كلها شهقت، ودينا سقطت على الكنبة وهي بتلطم على وشها برعب، وأبويا وقف شاحب الوجه كالكفن ومش قادر ينطق بكلمة!
كريم طلع من جيب بدلته الكحلي الكارنيه الرسمي وجهاز تسجيل صغير كان شغال من أول دقيقة دخل فيها البيت:
— “المقدم كريم: البنت ال ١٦ سنة اللي مريم أنقذتها الشهر اللي فات من الخطر.. تبقى بنت أختي الكبيرة! ولما البنت حكت لي عن الملاك الرحمة مريم الأخصائية الشجاعة اللي وقفت مع عيلتنا، وفي نفس الوقت عرفت إنها بتتعرض لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي من أفل عيلتها.. قررت أدخل بيتكوا بصفتي خطيب دينا المزيف، عشان أوثق الجري..مة دي بالصوت والصورة المشهودة!”
أشار كريم بصباع واحد، وفي ثانية واحدة، باب الشقة اتكسر ودخلوا أربعة من رجال الشرطة والمباحث الجنائية بملابسهم الرسمية، ومعاهم الدكتورة فريدة من الطب الشرعي!
الضابط تقدم وبحركة واحدة سريعة كلبش إيد أبويا وإيد أمي ودينا وهما بيصرخوا بانهيار وذل ملوش حدود وسط فضيحة رنت في عمارة مصر الجديدة كلها.
المقدم كريم:
— “اتفضلوا على الترحيلات حالا.. أمر ضبط وإحضار مباشر من النيابة العامة بتهم الشروع في القت,,ل العمد، والتعذيب البدني، والعنف الأسري المشهود! والتسجيل ده مع تقرير الطب الشرعي لكسور وش مريم هيبقى هو حبل المشنقة اللي هيلف حوالين رقبتكم!”
دينا بدأت تصرخ وتبكي تحت رجلي مريم:
— “أرجوكي يا أختي سامحيني! أنا كنت بعمل كدة عشان أرضي ماما! بلاش الفضايح والسجن!”
نظرتُ إليها من فوق ذراعي كريم، وبصقت الدم من بوقي وقلت ببرود وعزة نفس هزت الصالة:
— “مريم: شغلي الكئيب اللي كنتوا بتتريقوا عليه.. هو اللي سخر لي ملوك الأرض عشان يجيبوا لي حقي منكم بالمليم.. خذوا الأدب اللي كنتوا عايزين تعلموهولي، واشبعوا بيه في الزنازين!”
تم سحب الأب والأم ودينا بالكلبشات لسيارات الشرطة، وصدر ضدهم حكم جنائي رادع بالسجن المشدد لمدة ٧ سنوات مع الشغل والنفاذ، وتم طردهم من المجتمع وتجريدهم من كل برستيج كذاب عاشوا فيه على حساب دمي وصحتي.
النهاية والعوض
بعد مرور عام كامل على تلك الليلة التاريخية الموعودة في مايو ٢٠٢٦..
الشمس كانت دافية وجميلة تملأ بلكونة الشقة الجديدة بتاعتي في جاردن سيتي، ريحة الياسمين والورد مالي المكان. وشي خف وبقى زي الفل بفضل عمليات التجميل اللي كريم أشرف عليها بنفسه، ورجعت لشغلي كأخصائية اجتماعية وبقيت رئيسة قطاع الدعم النفسي بالوزارة وراسي فوق السحاب.
وفي مساء دافئ، كنتُ واقفة في الصالة الفخمة، ودخل كريم وبست رأسه بحنية وأنا لابس فستاني الأبيض الطويل في حفل كتب كتابنا الحقيقي برضا وعوض ملوش حدود من ربنا.
مسك كريم إيدي وقال بابتسامة تملأ الدنيا أمان:
— “شايفة يا مريم يا ملكة قلبي؟ لولا دمك الصافي وصبرك وطيبتك، مكنش ربنا جابني ليكي عشان أكون ضهرك وسندك طول العمر.. مقامك فوق السحاب.”
ابتسمتُ من كل قلبي ودموع الفرحة في عيني. اتعلمت مريم إن الوجع والكسرة ليهم آخر، وإن ربنا سبحانه وتعالى لما بيقفل باب الظلم، بيفتح وراه أبواب من الرحمة والنور والكرامة العظيمة التي لا تموت للأبد.
تمت.
