جوزي طلقني من فترة
من يوم ما أحمد طلقني، وأنا حاسة إن حياتي اتقلبت فوق دماغي.
مش عشان كنت بموت فيه، لكن عشان فجأة بقيت لوحدي.
لوحدي بعد سبع سنين جواز.
سبع سنين كنت فيها شايلة البيت، ومستحملاه في عصبيته، وسهره، وضغط شغله، وحتى ديونه اللي فضلت سنين تتراكم فوق كتافنا.
وفي الآخر؟
صحيت في يوم لقيته بيقولي بمنتهى البرود:
“أنا تعبت ومحتاج أبدأ من جديد.”
الجملة وقعت عليا كأن حد كب عليّ مية ساقعة.
وقتها كنت فاكرة إن السبب ست تانية.
الكل كان فاكر كده.
خصوصًا بعد ما ظهرت ريم في شركته.
بنت جديدة، صغيرة، شاطرة، وكل اللي يشوفها ياخد باله منها فورًا.
كانت دايمًا حواليه، لكن عمري ما شكيت إنه بيخوني.
لأن أحمد، رغم كل عيوبه، ماكنش من النوع اللي بيلعب بديله.
لكن بعد شهور من التوتر والخناق والصمت الطويل، قرر يطلقني.
من غير فضايح.
من غير سبب واضح.
حتى أمه اتصدمت.
فاكرة اليوم اللي صرخت فيه قدامه:
“هتخرب بيتك ليه يا أحمد؟”
لكنه قال وهو بيبص في الأرض:
“مش قادر أكمل.”
وبس.
خرجت من المحكمة يومها وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
الناس ماشية طبيعي، العربيات بتعدي، البياعين بيزعقوا، والدنيا كلها مكملة كأن حاجة ما حصلتش.
إلا أنا.
أنا بس اللي كنت واقفة في النص تايهة.
بعد الطلاق، أحمد نقل من المنطقة كلها تقريبًا.
راح سكن قريب من شغله في التجمع.
والكلام بدأ يزيد.
ناس تقول إنه مرتبط بريم.
وناس تقول إنها السبب في كل حاجة.
لكن الغريب إن محدش شاف بينهم أي حاجة فعلًا.
لا صور، ولا خروج، ولا حتى كلام واضح.
ومع الوقت بطلت أسأل.
لأن السؤال كان بيوجع.
المشكلة إن الوجع لوحده ماكانش كفاية.
الحياة كان لازم تمشي.
الإيجار بيتدفع.
الفواتير بتتراكم.
وأنا أصلًا كنت سيبت شغلي زمان بطلب منه.
“اقعدي ارتاحي وأنا مسؤول عنك.”
قالها زمان بحب.
ضحكت بمرارة وأنا ببيع خاتمي الدهب عشان أقدر أكمل الشهر.
وفي ليلة كنت قاعدة فيها لوحدي، قدامي كوباية شاي باردة، تليفوني رن.
رقم غريب.
رديت بتردد:
“ألو؟”
صوت هادي قال:
“حضرتك مدام سلمى؟”
“أيوه.”
“إحنا من شركة النور للتسويق، حضرتك كنتي مقدمة عندنا، وحابين نحدد معاكي انترفيو.”
افتكرت إني فعلًا كنت ببعت CV لأي مكان ألاقيه.
وافقت فورًا.
تاني يوم وصلت الشركة.
المكان كان ضخم بشكل يرعب.
مبنى إزاز كبير، موظفين داخلين خارجين، وكل حاجة منظمة زيادة عن اللزوم.
حسيت إني غريبة وسطهم.
كنت قاعدة مستنية دوري، ماسكة شنطتي القديمة، لما سمعت صوت بنت جنبي بيقول:
“سلمى؟”
بصيت باستغراب.
بنت شيك جدًا، شعرها مربوط بعناية، وعينيها ثابتة بطريقة غريبة.
ابتسمت وقالت:
“أنا داليا.”
هزيت راسي بعدم فهم.
قالت:
“إحنا ما اتقابلناش قبل كده، بس أنا كنت بشتغل مع أحمد.”
اسمه خلى قلبي ينقبض فورًا.
لكن قبل ما أتكلم، كملت بسرعة:
“متقلقيش، أنا مش جاية أضايقك.”
سكتت شوية، وبعدين قربت مني وهمست:
“بصي، اللي حصل في جوازك ماكانش بسبب خيانة.”
رمشت باستغراب.
قالت وهي باصة قدامها:
“أحمد كان بيحاول يحميكي.”
ضحكت بسخرية موجوعة:
“يحميني؟ بالطلاق؟”
داليا بصتلي نظرة غريبة، نظرة حد عارف حاجة تقيلة.
وقالت:
“إنتي فاكرة ريم مجرد موظفة جديدة، لكن الحقيقة إن في ناس في الشركة كلها بتخاف منها.”
اتشد جسمي كله.
“ليه؟”
قبل ما ترد، باب المكتب اتفتح، والسكرتيرة نادت:
“مدام سلمى، المدير مستني حضرتك.”
وقفت بسرعة، لكن داليا مسكت دراعي للحظة.
كانت إيديها ساقعة بشكل مخيف.
همست:
“لو اتقبلتي هنا، متقوليش لحد إنك تعرفيني.”
وسابتني ومشيت بسرعة وسط الممر الطويل.
دخلت مكتب المدير وقلبي بيدق بعنف.
لكن أول ما رفعت عيني وشفت الراجل اللي قاعد ورا المكتب، اتجمدت مكاني.
لأن الصورة اللي كانت محطوطة وراه على الحيطة كانت صورة قديمة جدًا لأحمد.
واقف وسط مجموعة موظفين.
وجنبه ريم.
لكن اللي خلاني أحس بالرعب فعلًا إن كل الوجوه في الصورة كانت متشطبة بالقلم الأسود…
إلا وش ريم.
ووش أحمد.
فضلت واقفة قدام المكتب ثواني، مش قادرة أستوعب اللي شايفاه.
الصورة قديمة باين عليها بقالها سنين متعلقة.
لكن أحمد ما اشتغلش في الشركة دي غير من سنة ونص.
بلعت ريقي بالعافية وأنا ببص للمدير اللي كان بيتابع نظراتي بهدوء غريب.
راجل في أواخر الخمسينات، شعره أبيض بعناية، وبدلته أغلى من إني حتى أتخيل تمنها.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
“اتفضلي يا مدام سلمى.”
قعدت قدامه وأنا بحاول أخبي توتري.
لكن عيني كانت كل شوية تروح للصورة.
لاحظ ده طبعًا.
قال وهو بيشبك صوابعه:
“واضح إن الصورة شدت انتباهك.”
اتلعثمت:
“أصل الشخص اللي فيها… أحمد؟”
قلبي دق بعنف.
هزيت راسي ببطء.
المدير سكت لحظة، وبعدها قال:
“يبقى فعلًا اختاروكي صح.”
حسيت ببرودة تسري في ضهري.
“يعني إيه؟”
لكنه تجاهل سؤالي تمامًا، وبدأ يتكلم عن الشغل.
مرتب كبير بشكل صادم.
تأمينات.
شقة تبع الشركة لو احتجت.
كل حاجة مثالية زيادة عن اللزوم.
وده كان أكتر شيء مقلق.
في نص الكلام، سألته فجأة:
“هو أحمد كان شغال هنا؟”
ابتسامته اختفت للحظة.
وبعدين قال بهدوء:
“كان.”
“وساب الشغل؟”
رد بسرعة:
“أحمد اختفى.”
الكلمة خبطت في دماغي بقوة.
“اختفى؟!”
رجع يسند ضهره على الكرسي وقال:
“من شهرين بالضبط خرج من الشركة وما رجعش تاني.”
حسيت إن قلبي وقف.
بس أنا كنت بكلمه!
المدير بصلي نظرة طويلة:
“إنتي متأكدة إن اللي كان بيرد عليكي هو أحمد فعلًا؟”
اتجمدت.
افتكرت المكالمات القليلة بعد الطلاق.
كان دايمًا صوته متوتر.
مختصر.
كل مرة أطلب أشوفه يتحجج.
مرة سفر.
مرة شغل.
مرة تعبان.
وفجأة، من أسبوعين تقريبًا، رقمه اتقفل نهائي.
افتكرت إني اتمنعت أو اتغير الرقم.
لكن دلوقتي بدأ الخوف يدخل قلبي ببطء.
قبل ما أتكلم، الباب اتفتح فجأة.
ودخلت ريم.
بنفس الثقة ونفس الهدوء المخيف.
لكن أول ما شافتني، وقفت مكانها.
ولأول مرة، الخوف ظهر على وشها.
بصت للمدير بسرعة وقالت:
“مين دخلها هنا؟!”
المدير رد ببرود:
“أنا.”
قربت خطوة، وعينيها مثبتة عليا بشكل خلاني أتوتر.
وقالت بحدة:
“كان المفروض تبعدوها.”
المدير رد:
“ما ينفعش نهرب للأبد.”
أنا بقيت ببص بينهم زي المجنونة:
“حد يفهمني في إيه؟!”
ريم قربت مني فجأة.
ولأول مرة لاحظت حاجة غريبة جدًا…
إيديها كانت بتترعش.
همست بصوت منخفض:
“أحمد لو كان لسه عايش، عمره ما كان هيسمحلك تدخلي المكان ده.”
الهواء اختفى من حواليا.
“إيه يعني لو كان لسه عايش؟!”
لكن قبل ما حد يرد، كل نور الشركة طفّى مرة واحدة.
المكتب غرق في ضلمة كاملة.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت حاجة تقيلة جدًا بتخبط في آخر الممر الخارجي.
خبطة.
وراها خبطة تانية أقوى.
وبعدين صوت رجل مكتوم بيصرخ:
“افتحوا الباب… هي رجعت!”
اتجمدت مكاني، وقلبي بقى يدق بعنف لدرجة حسيت إنهم سامعينه.
الضلمة كانت خانقة.
والصوت اللي برا بيتكرر بعنف أكتر.
دبدبة تقيلة كأن حد بيخبط بجسمه كله على الباب.
وفجأة اشتغلت لمبة الطوارئ الحمرا.
نور خافت غرق المكتب بلون دموي مرعب.
بصيت ناحية ريم لقيتها شاحبة بشكل مخيف.
أما المدير فقام بسرعة وقفّل باب المكتب بالمفتاح، وبعدها ضغط زر صغير تحت المكتب.
في نفس اللحظة سمعنا صوت صفارات إنذار مكتومة في الشركة كلها.
صرخت:
“في إيه؟! حد يفهمني!”
لكن محدش رد.
ريم كانت واقفة تبص لباب المكتب وكأنها مستنية حاجة تقتحمه.
همست:
“ماكانش المفروض يعرف مكاننا.”
اتعصبت:
“مين؟!”
قبل ما تجاوب، جالنا صوت من السماعات الداخلية للشركة.
صوت راجل متقطع من الرعب:
“الدور السادس اتفتح… كرر… الدور السادس اتفتح!”
المدير شتم بصوت واطي، بينما ريم غمضت عينيها كأنها فقدت آخر أمل.
أنا بقيت أبص بينهم بعدم فهم:
“يعني إيه اتفتح؟!”
المدير أخيرًا بصلي وقال:
“في حاجات في الشركة دي كان لازم تفضل مقفولة.”
ضحكت بعصبية:
“إنتوا مجانين؟!”
لكن فجأة التكييف وقف.
والمكتب بقى ساقع بشكل مرعب.
مش برد طبيعي.
برد خلا نفسي يطلع قدامي أبيض.
وفي اللحظة دي سمعت صوت مألوف جدًا ورايا.
صوت أحمد.
“سلمى…”
شهقت ولفيت بسرعة.
مفيش حد.
لكن الصوت اتكرر أقرب:
“سلمى، اوعي تبصي وراكي.”
جسمي كله اتجمد.
أنا فعلًا كنت لافة ناحية الباب، يعني الصوت جاي من ورا ضهري.
ببطء شديد حسيت نفس بارد جدًا قريب من رقبتي.
وإيد ريم مسكت إيدي بعنف.
همست وهي مرعوبة:
“ما تبصيش.”
لكن غصب عني، عيني اتحركت ناحية الزجاج الأسود اللي ورا المكتب.
وانعكس عليه شيء خلاني الدم يهرب من وشي.
كان فيه راجل واقف حرفيًا ورايا.
طويل بشكل مبالغ فيه.
هدومه غرقانة مية.
ووشه متشوه كأنه متحرق.
لكن عينيه…
كانت نفس عيون أحمد بالظبط.
وفجأة ابتسم.
صرخت واتلفت بسرعة، لكن مفيش حد.
المكان ورايا كان فاضي تمامًا.
رجعت أبص على الزجاج بارتعاش، الانعكاس اختفى.
لكن أثر المية كان لسه على الأرض.
خطوات مبتلة خارجة من ورا الكرسي ومتجهة ناحيتي مباشرة.
قهقهة خافتة اتسمعت في المكتب.
قهقهة راجل مخنوقة وموجوعة.
رجعت لورا بخوف:
“إيه ده؟! ده إيه؟!”
ريم كانت حرفيًا بتعيط.
أما المدير ففتح درج مكتبه بسرعة، وطلع منه مفتاح قديم لونه أسود، وقال بعصبية:
“لازم ننزل البدروم حالًا.”
صرخت:
“أنا مش هتحرك خطوة غير لما أفهم!”
لكن فجأة كل شاشات المكتب اشتغلت لوحدها.
صور كاميرات الشركة ظهرت بسرعة.
ممرات فاضية.
أبواب بتخبط.
موظفين بيجروا مرعوبين.
وفي آخر شاشة ظهر أحمد.
واقف في الدور السادس.
هدومه مبلولة بالكامل، ووشه شاحب بطريقة مرعبة.
لكن الغريب إن الكاميرا كان باين فيها تاريخ السنة اللي فاتت.
يعني التسجيل قديم.
ورغم كده، أحمد في الفيديو رفع عينه فجأة وبص مباشرة للكاميرا.
وبعدين قال بوضوح:
“سلمى… ما تثقيش في ريم.”
اتحبس نفسي.
ريم انهارت فورًا:
“أنا ماكنش قصدي! والله ما كان قصدي!”
جريت ناحيتها:
“إنتوا عملتوا فيه إيه؟!”
قبل ما تجاوب، الشاشة بدأت تشوش.
وصوت أحمد اتحول لصريخ مرعب.
وبعدين الصورة قطعت.
المكتب كله اهتز فجأة، كأن حاجة ضخمة خبطت في الحيطان من بره.
والأنوار الحمرا بدأت تطفي وتنور بشكل هستيري.
المدير زعق:
“هو طلع!”
وفي اللحظة دي سمعنا صوت خطوات تقيلة جدًا في الممر.
بطيئة… لكنها قريبة.
خب.
خب.
خب.
وكل خطوة كان معاها صوت مية بتنقط على الأرض.
وقفنا كلنا نبص للباب.
تحت الباب مباشرة، بدأت مية سودا تدخل ببطء لجوه المكتب.
ريحة عفن خانقة انتشرت فورًا.
وريم رجعت لورا وهي بتترعش:
“لا… لا… مستحيل يكون وصل هنا.”
الخطوات وقفت تمامًا قدام الباب.
صمت.
صمت مرعب لدرجة إني سمعت صوت أنفاسي.
وفجأة اتسمع صوت أحمد من الناحية التانية.
هادئ جدًا:
“ريم… افتحي.”
ريم صرخت وهي منهارة:
“أنا آسفة! والله ما كنت أعرف إنه هيحصل كده!”
صوت أحمد ضحك ضحكة بطيئة مخيفة.
وبعدين قال:
“بس أنا عرفت.”
الضلمة كانت خانقة، والمية السودا بتدخل أكتر تحت الباب.
ريم وقعت على الأرض وهي بتعيط بهستيريا:
“أنا ماقتلتوش! والله ما قتلته!”
صرخت فيها:
“يعني إيه قتلتيه؟!”
لكن المدير قاطعها بعنف:
“اسكتي!”
في نفس اللحظة، الباب اتهز هزة قوية جدًا.
الزجاج كله ارتج.
وبعدين صوت أحمد جه من بره تاني، أهدى من الأول.
وده كان المرعب أكتر.
“سلمى… ابعدي عن الباب.”
مش عارفة ليه، لكني سمعت كلامه فورًا.
رجعت لورا خطوتين.
ثانية واحدة بس، والباب اتخلع بالكامل.
اتفتح بعنف لدرجة إنه خبط في الحيطة.
وظهر أحمد.
أو الحاجة اللي كانت شبه أحمد.
هدومه غرقانة مية، جلده شاحب، وعينيه سودا بالكامل تقريبًا.
لكن رغم الرعب، أول ما بصلي ملامحه هديت للحظة.
أما أول ما بص لريم، الهواء نفسه بقى تقيل.
ريم كانت بتصرخ:
“أنا آسفة! ماكنتش أعرف إنهم هيحبسوك هناك!”
اتجمدت مكاني.
“يحبسوه؟”
المدير حاول يجري ناحية الباب، لكن أحمد بصله بس.
وفجأة الراجل وقع على الأرض وهو بيصرخ ماسك رقبته، كأن حد بيخنقه بإيد خفية.
ريم كانت بتنهار:
“هو اللي طلب مني أقنعك بالطلاق! قال إنك لو فضلتي قريبة منه هتتأذي!”
بصيت لأحمد بعدم استيعاب.
ريم كملت وسط شهقاتها:
“الشركة دي كانت بتجرب على الموظفين مشروع سري… تجارب نفسية وتحكم عصبي… وأحمد اكتشف إنهم بيستخدموا الناس كفئران تجارب.”
المدير كان بيزحف على الأرض وهو يصرخ:
“اسكتي!”
لكن ريم كملت:
“لما حاول يفضحهم، حبسه المدير في الدور السادس بعد حريق المعمل.”
دموعي نزلت بدون ما أحس.
بصيت لأحمد:
“إنت كنت بتحاول تبعدني؟”
أحمد قرب خطوة.
وكل لمبة حواليه كانت بتطفي.
صوته خرج متقطع وموجوع:
“ماكنتش عايزهم يوصلولك.”
افتكرت فجأة كل بروده وقت الطلاق.
كل مرة رفض يشوفني.
كل مرة كان بيزقني بعيد.
ماكنش بيكرهني…
كان بيحميني.
انهرت في العياط:
“طب ليه ماقولتليش؟!”
ابتسم ابتسامة حزينة جدًا:
“ماكنش فيه وقت.”
وفجأة المدير طلع مسدس من ورا ضهره ووجهه ناحية أحمد.
لكن قبل ما يضرب النار، كل الشاشات انفجرت مرة واحدة.
الأنوار طفت.
وصوت صريخ المدير ملّى المكان.
ولما نور الطوارئ رجع، كان المدير اختفى تمامًا.
أما ريم فكانت قاعدة على الأرض منهارة، تبص لأحمد برعب.
أحمد لف ناحيتها.
قالت وهي بتترعش:
“أنا غلطت… بس كنت خايفة.”
فضل باصلها ثواني طويلة.
وبعدين قال بهدوء:
“الخوف مش مبرر إنك تبيعي حد.”
الهواء بقى أبرد.
وريم بدأت تصرخ فجأة وهي بتبص حواليها، كأن في حاجات بتشدها.
صرخت:
“أحمد! لا أرجوك!”
لكن بعد ثانية اختفت هي كمان.
وكأن الأرض بلعتها.
المكتب سكت تمامًا.
بقيت أنا وهو فقط.
بصلي أحمد للمرة الأخيرة.
ولأول مرة من شهور شوفت نفس النظرة القديمة في عينيه.
الحب.
قرب مني ببطء، ومد إيده يلمس وشي، لكن صوابعه مرت من خلالي زي الضباب.
ابتسم بحزن وقال:
“عيشي يا سلمى.”
وبعدين جسمه بدأ يختفي تدريجيًا.
صرخت وأنا بحاول أمسكه:
“لا! ما تسبنيش!”
لكن آخر حاجة سمعتها كانت صوته وهو بيهمس:
“أنا عمري ما سبتك.”
واختفى.
بعدها الشركة اتقفلت بالكامل.
الشرطة قالت إن حصل حريق قديم واتدارى عليه، وإن عشرات الملفات اتمسحت.
الدور السادس اتملى أسرار محدش عرف حقيقتها كاملة.
أما أنا، رجعت أبدأ من جديد.
اشتغلت.
وقفت على رجلي.
لكن في كل ليلة مطر، كنت بصحى أحيانًا على صوت مية بتنقط في شقتي.
ولما أبص ناحية المراية، ألاقي انعكاس راجل واقف بعيد ورايا.
هادئ.
بيبتسم.
بعيني أحمد.

