دخلت “مريم” من باب الشقة على الساعة واحدة

مريم عدت من جنبي ناحية المطبخ، حافية دلوقتي، وجزمتها لسه متعلقة في صوابعها. وقالت: “أنا واقعة من الجوع.. شلت لي أكل؟”. كنت باصصلها وهي بتفتح التلاجة كأن مفيش أي حاجة اتغيرت في الدنيا. ست سنين وأنا عارف أصغر تفاصيل حياتها.. الدندنة بتاعتها وهي بتدور على أكل.. حركتها وهي بترجع شعرها ورا ودانها لما بتكون تعبانة. بس الليلة دي، كانت باين عليها إنها فايقة ومبسوطة. طلعت علبة مكرونة وبصتلي: “بتبصلي كده ليه؟”.

لجزء من الثانية، كنت هقولها. كنت هرفع تليفوني في وشها وأسألها مين الاتنين دول، وهل هي فاكراني غبي عشان أصدق أي حوار ألفته في الطريق؟ بس الغضب صوته عالي، والأدلة صوتها واطي. وأنا اتعلمت إنك أول ما بتواجه حد، بتديله فرصة يرتب كلامه.

فبلعت كل الأسئلة وقلتلها: “يوم طويل”. فضلت باصالّي للحظة أطول من اللازم، وبعدين هزت كتافها وحطت الأكل في الميكروويف وابتسمت تاني: “أه والله.. أنا هاكل وأخد دش وأنام على طول”.

الابتسامة دي ما وصلتش لعينيها المرة دي. قمت، مشيت لحد عندها وبست راسها، شفايفي كانت منملة. وقلتلها: “تصبحي على خير”. هزت راسها وقالت بصوت واطي: “وإنت من أهله”. وفضلت باصصلها وهي طالعة السلم.

أول ما اختفت، مسكت تليفوني تاني. ما رديتش على المسدج. ما اتهمتش حد. وما بعتتش لمريم كلمة واحدة تزعلها وهي نايمة تحت سقف واحد معايا. بدل ده، فضلت قاعد في الصالة الضلمة أسأل نفسي: افرض الزميلة دي غلطانة؟ افرض مريم خرجت لسبب تافه والتفاصيل اتحرفت؟ كنت متمسك بالاحتمالات دي، لأنها لو كدبت عليا، يبقى أنا مش قدام ليلة سودا واحدة؛ أنا قدام كارثة إن الست اللي بنيت معاها بيت كانت عايشة جنبي ومخبية جزء من حياتها عني.

الصبح، رجعت لطبيعتها تماماً. نزلت ببنطلون رياضي وشعرها منعكش، تسألني عايز قهوة ولا لأ. باسته من خدي، واشتكت من الصداع عشان سهرت، وقالتلي إن الحفلة طولت وكل الناس مشيت متأخر.

كل الناس. بصيتلها من فوق مج القهوة وسألتها: “إنتي مشيتي مع مين؟” إيديها وقفت في الهوا فوق الرخامة.. لثانية واحدة بس. بس أنا شفتها. “مشيت مع مين؟” كررت سؤالي.. “من الحفلة.” لفت ناحية مكنة القهوة كأنها فجأة مهتمة تصب لنفسها: “مش عارفة.. ناس كتير كانت داخله وطالعة.. بتسأل ليه؟” كان ممكن أضغط عليها وأقولها: عشان في حد قالي إنك اختفيتي مع اتنين رجالة. بس هزيت راسي بهدوء وقلتلها: “مجرد سؤال”. ملامحها ارتاحت بسرعة أكتر من اللازم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *