على ارتفاع تلاتين ألف قدم فوق الأرض، وفي رحلة طيران رقم 405 المتجهة من الإسكندرية إلى أسوان

على ارتفاع تلاتين ألف قدم فوق الأرض، وفي رحلة طيران رقم 405 المتجهة من الإسكندرية إلى أسوان، فهمت مريم بوضوح تام أن حياتها الزوجية التي أمضت سنوات طويلة تبنيها وتخلص لها، لم تكن سوى قصر من بطاقات اللعب المَبني على الأكاذيب والخداع. قبل دقائق معدودة من تلك اللحظة الفارقة، كانت مريم مجرد مسافرة متعبة ومجهدة تحاول التقاط أنفاسها على متن طائرة عمل مزدحمة بالركاب ورجال الأعمال. ولكن فجأة، ودون أدنى إنذار مسبق، وجدت عينيها تستقران على مشهد دمر كل شعور بالأمان كانت تعيشه؛ رامي، زوجها، كان قاعداً بكل راحة ودلال في مقاعد الدرجة الأولى، وإلى جواره امرأة أخرى تسترخي بميل واطمئنان عليه كأن المكان كله ملك لهما وحدها.

كانت مريم في الثانية والثلاثين من عمرها، امرأة مركزة، ناجحة بكل المقاييس، وتحظى باحترام وتقدير واسعين بكونها مديرة العمليات في إحدى شركات المقاولات الكبرى في مصر. أما زوجها رامي، فكان في الخامسة والثلاثين، ويعمل مسؤول مبيعات جذاب وذو كاريزما عالية لشركة لوجستيات عالمية قريبة من منطقة الزمالك الراقي. من الخارج، كان يبدو للجميع أن حياتهما معا هي الصورة المثالية للسعادة الزوجية التي لا تشوبها شائبة. شقة أنيقة ومفروشة بذوق رفيع في أحدث التجمعات السكنية، سيارات فارهة تليق بمستواهما الاجتماعي، إجازات شتوية تقضى بترف في الجونة، وصور صيفية مبهجة على شواطئ الساحل الشمالي، تتبعها دائماً ابتسامات واسعة ولامعة على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي. كل من يعرفهما كان يجزم بلا تردد أن مريم ورامي يمتلكان الزواج المثالي الذي يحسدهما عليه الجميع.

لكن بعيداً عن أضواء السوشيال ميديا ومظاهر السعادة المزيفة، كانت مريم قد بدأت بصمت تلاحظ علامات التغير والفتور طوال الفترة التي سبقت تلك الرحلة بفترة طويلة. خلال الأشهر الستة الماضية، تحولت رحلات عمل رامي المفاجئة إلى ظاهرة مبالغ فيها ومرعبة. في بدايتها، كانت تبدو طبيعية ومتقطعة، تفرضها ظروف العمل الكبرى. لكنها تقريباً بين عشية وضحاها، أصبحت متكررة لدرجة أنه كان يختفي طوال أسبوع كامل لعدة أيام متتالية دون انقطاع. المبررات والأعذار التي كان يقدمها كانت دائماً تبدو سالكة ومقنعة للغاية؛ طوارئ عاجلة مع عملاء لا يمكن تأجيلهم، عقود ضخمة يجب توقيعها في اللحظات الأخيرة، واجتماعات مصيرية تحدد مستقبله المهني والشركة.

مريم بطبيعتها كانت امرأة تثق بزوجها عمياء، ولم تكن يوماً من النوع الذي يميل إلى التجسس على شريك حياته أو تتبع خطواته بشك مرضى. ورغم ذلك، ظل هناك اسم واحد يتردد ويثير في نفسها شعوراً خفياً بعدم الارتياح والقلق المستمر؛ نور. نور كانت سكرتيرة رامي الجديدة في الشركة. فتاة في مقتبل العمر، فائقة الجمال، هادئة بشكل مريب في التعامل مع الآخرين، ودائماً ما كانت تنظر إلى رامي نظرات خاصة تجعله يبدو كأنه محور الكون والمركز الوحيد لعالمها. تذكرت مريم جيداً ما حدث في تجمع عائلي واجتماعي للشركة أقيم في مدينة رأس البر، حيث فضلت نور أن تظل طوال الأيلة تحوم حول رامي كالظل، تضحك بصوت مسموع على أبسط نكتة يلقيها، وتخلق الأعذار الواهية لكي تلامس ذراعه أو تقترب منه مراراً وتكراراً، وتراقبه بإعجاب فاضح لا يمكن لأعمى ألا يلاحظه.

عندما واجهت مريم رامي بذلك بعد عودتهما، سارع بإغلاق الموضوع فوراً وبحدة مصطنعة محاولاً إرهابها معنويات لتصديقه، فقال لها بنبرة جافة: “إنتي بتبالغي في تفسير الأمور وتخلقي مشاكل من مفيش.” ثم أتبعها بالجملة المسمومة التي أصبحت الآن تبدو وكأنها مدربة ومحفوظة بعناية فائقة لتبرير أي خطيئة: “إنتي دايمًا عندك عقدة نقص وشكاكة.”

في ذلك الصباح المبكر من يوم الثلاثاء، اضطرت مريم لركوب طائرة مبكرة في تمام الساعة السابعة صباحاً متجهة إلى أسوان بسبب أزمة طارئة ومشكلة معقدة مع أحد الموردين الأساسيين في الشغل والتي تهدد سير العمل بالشركة. كانت مريم غارقة في التعب والإرهاق نتيجة ليل طويل قضته بدون نوم تقريبًا، فتحركت ببطء عبر إجراءات التفتيش الأمني المعتادة، واشترت كوباً من قهوة المطار باهظة الثمن لتساعدها على الاستيقاظ والتركيز قبل صعود الطائرة. قبل ذلك، كان رامي قد أخبرها بكل بساطة واطمئنان أنه مسافر في رحلة عمل عاجلة إلى الإسكندرية. وقبل أن تخطو قدمها داخل ممر الطائرة، أرسلت له رسالة نصية قصيرة تعبر فيها عن حبها: “توصل بالسلامة يا حبيبي.. بحبك.” وجاءها الرد منه فوراً ودون تأخير تقريبا: “وأنا بحبك كمان يا قلبي.. بطلع الطيارة للإسكندرية دلوقتي.”

اطمأنت مريم لكلماته، وأدخلت هاتفها في حقيبتها، ثم توجهت نحو مقعدها المخصص في الصف الرابع عشر. جلست بجوار النافذة وأسدلت جفنيها لتستريح من شدة الإرهاق. وفجأة، ترددت في أذنها نبرة صوت مألوفة جداً لدرجة جعلت قلبها يخفق بقوة: “اقعدي على الكرسي اللي جنب الشباك يا حبيبتي.” تجمد جسدها بالكامل في مكانه، وانسحب الدم من وجهها. ببطء شديد وحذر، ملت برأسها نحو الممر الفاصل ورفعت عينيها لتتطلع بذهول نحو قسم الدرجة الأولى. كان رامي واقفاً هناك بكل ثقة، يساعد نور على رفع حقيبتها الثقيلة ووضعها في الدولاب العلوي المخصص للأمتعة فوق المقاعد، تماماً مثل زوج صالح ومخلص يساعد زوجته باهتمام وحنو بالغين. كانت نور ترتدي بالطواً بيج أنيقاً تعرفت عليه مريم في ثوانٍ معدودة، فقد رأته من قبل في صورة جماعية من إحدى المناسبات الخاصة بالعمل قبل أشهر طويلة. أما الابتسامة التي وزعتها نور على رامي فلم تكن بأي حال من الأحوال ابتسامة موظفة لمديرها، بل كانت ابتسامة تملك وهيمنة واضحة وساطعة تفضح طبيعة العلاقة الآثمة بينهما.

حست مريم بأن الهواء انقطع عن صدرها وكأن صخرة هائلة هبطت عليها، لكنها في تلك اللحظة بالذات أظهرت رباطة جأش وقوة إرادة مذهلة. لم تصرخ، لم تنهار بالبكاء، ولم تندفع نحوهم بغضب أعمى لتفعل فضيحة على متن الطائرة. بدلاً من كل ذلك، قررت أن تمنح نفسها فرصة للمراقبة الصامتة والباردة. ظلت متماسة ومتابعة لكل حركة، فرأت رامي يجلس بجوار نور بكل أريحية، وشاهدت نور وهي تخلع حذاءها وتتطوى براحة ودلال في المقعد المجاور له كأنها في بيتها الخاص، وشاهدت رامي يمد يده بكل عفوية وثقة ليضعها فوق كفها بتناغم طبيعي يفضح ألف ليلة وليلة من الخيانة المستمرة. وبعد إقلاع الطائرة وارتفاعها في الجو، وضعت نور رأسها برقة على كتف رامي، وبعد قليل أزاحت رأسها لتستقر مسترخية تماماً على حجره، بينما كان رامي يمرر أصابعه بحنان بالغ وناعم ليزيح خصلات شعرها عن وجهها بعناية ورقة لم تحظَ مريم ولو بواحدة منها طوال الأشهر الماضية.

ثم جاءت القاضية والضربة النهائية التي قطعت حبل الصبر وأنهت كل ذرة أمل في إصلاح ما يمكن إصلاحه. اقتربت مضيئة الطيران بابتسامة مهذبة وسألت بصوت هادئ: “يا فندم، هل المدام زوجتك تحب أن أجلب لها بطانية؟” التفت رامي بابتسامة واسعة ومألوفة ورد دون تردد: “آه، لو سمحتِ، شكراً.” لقد نسي تماماً أو تناسى عمدًا أن يصحح للمضيفة تلك المعلومات، بل إنه قبل بامتنان أن تُعامل خليلته وعشيقته على أنها زوجته الشرعية أمام الجميع.

في تلك اللحظة بالتحديد، انكسر شيء ما داخل مريم، وتوقفت كل آلام القلب والمشاعر الدافئة عن النبض، لتتحول حوائط قلبها إلى كتل من الجليد الصلب والبارد. وقفت من مكانها ببطء وهدوء تامين، وعدلت هيئة جاكيت القماش الذي ترتديه، وبخطوات ثابتة وواثقة تحركت مochi ناحية مقاعد الدرجة الأولى، بينما كانت أعين بعض الركاب القريبين تتابعها في فضول وترقب صامت لما سيحدث. لم يلاحظها رامي في البداية إلا عندما أصبحت واقفة مباشرة بجانبه وجانب عشيقته. في تلك اللحظة، هربت كل ألوان الحياة والدم من وجهه وكأنه رأى شبحاً مخيفاً، وارتعبت نور حتى أنها كادت تقفز من مقعدها من شدة الرعب والهلع المفاجئ. ساد صمت مطبق ورهيب بين الثلاثة، صمت ثقيل يكاد يُسمع صريره. ثم انحنت مريم قليلاً إلى الأمام وابتسمت ببطء شديد، ابتسامة باردة كالجليد ومخيفة، من تلك التي تدرك تماماً أنها ستجعل الشخص المذنب يستوعب بعد فوات الأوان وبطريقة كارثية حجم الحماقة التي ارتكبها في حق نفسه وفي حق من كانوا يخلصون له.

همست مريم بصوت منخفض لكنه كان أصلب من الفولاذ وأوضح من الصاعقة: “يا واطية.. مراتك البديلة أصغر وأنعم بكتير مما كنت متوقعة يا رامي.” حاول رامي أن يفتح فمه وينطق بكلمة واحدة تبرر الموقف أو تنقذ ما يمكن إنقاذه، لكن صوته خانه ولم يخرج منه سوى حروف مبهمة ومخترقة. أما نور فكانت تتجمد في مكانها من شدة الخوف والفضيحة المحدقة. وفي نفس اللحظة، وبكل هدوء وبرود أعصاب يحسد عليه، أدخلت مريم يدها في حقيبة يدها الجلدية، وأخرجت هاتفها المحمول، وضغطت على زر الاتصال لتجري المكالمة الوحيدة والقاتلة التي ستتولى بدقة وهندسة محكمة تدمير وتقطيع كل تفاصيل الحياة المريحة والوهمية التي قضاها رامي طوال سنوات عمره الماضية، لتنتهي اللعبة التي بدأها بخيانته بالطريقة الأكثر قسوة واستحقاقاً.

كانت ثواني الصمت بين الثلاثة أثقل من الجبال، ولم يكن الصمت مسيطراً على رامي ونور وحدهما، بل بدا وكأن ركاب الدرجة الأولى والصفوف القريبة قد أدركوا تماماً أن دراما حقيقية ومرعبة تقع أمام أعينهم مباشرة. رامي كان عاجزاً عن التفكير، وابتلاعه لريقه أصبح عملية صعبة وشاقة، فكل أعذاره الكذوبة وكل مهاراته في الإقناع التي استمر لسنوات يمارسها ببراعة سقطت دفعة واحدة أمام حقيقة مكشوفة لا تقبل التأويل. أما نور، فقد انكمشت على نفسها في المقعد الفاخر، تحاول عبثاً إخفاء وجهها بيديها المرتجفتين بعد أن أدركت أن غرامياتها السرية وسعيها للسيطرة على متزوج قد أسفرت عن كارثة لا يمكن احتواء عواقبها بأي شكل من الأجزاء.

مريم لم تمنحهما فرصة أخرى لاستعادة الوعي أو تجميع الأفكار. الهاتف كان قد أجرى الاتصال المنشود بالفعل، وعلى الطرف الآخر أجاب الصوت المألوف لوالدها، الحاج محمود، الرجل القوي والمهندس البارز الذي كان له الفضل الأكبر في تأسيس وضخ الاستثمارات الكبرى في شركة المقاولات التي تعمل بها مريم، بل وله الكلمة العليا والعلاقات الأوسع في قطاع الأعمال بأسره. بنبرة هادئة وثابتة تخلو تماماً من أي انكسار أو ضعف، تحدثت مريم بصوت وضح لكل من حولها: “بابا.. أنا في الطائرة المتجهة لأسوان، وموقف العمل هناك هخلصه فوراً، بس فيه موضوع شخصي لازم تعرفه دلوقتي حالاً.. رامي جوزي قاعد جنبي هنا في الدرجة الأولى، ومعاه سكرتيرته نور في رحلة غرامية.. وأنا عاوزك تقفل كل حاجة باسمه في الشركة فوراً، وتبلغ المحامي يبدأ إجراءات الخلع والطلاق بشكل فوري ونهائي.”

ارتجف رامي رعباً حين سماع اسم والدها ومضمون الكلمات القاتلة التي ألقيتها بكل برود وثقة. لقد كان يعلم تماماً، بل وكان يدرك يقيناً، أن نجاحه كله ومكانته المهنية الواسعة وشقته الفاخرة وكل حساباته البنكية لم تكن سوى ثمرة لرضا هذا الأب ونفوذه الواسع الذي أدخله عائلة الأعمال من أوسع أبوابها. بوعي مفاجئ وصعوبة بالغة في التنفس، قفز رامي من مقعده محاولاً إيقافها، ومد يده نحوها برجاء وذل ظاهرين، وقال بصوت مكسور: “مريم.. ارجعي في كلامك.. اسمعيني.. والله العظيم هحكي لك كل حاجة.. دي غلطة مش مقصودة.. أرجوكِ بلاش تدخلي أبوكي في النص، دي هتخرب بيتنا وتنهي كل اللي بنيناه مع بعض!”

نظرت إليه مريم نظرة واحدة فقط، نظرة حملت من الاحتقار والازدراء ما يكفي لقتله معنوياً. قالت بابتسامة ساخرة ونبرة حاسمة كالسييف: “البيت ده اتخرب من لحظة ما اخترت تكون خائن ورخيص يا رامي.. ودلوقتي، اقعد مكانك واستعد تدفع الثمن غالي قوي.. لأن اللعبة خلصت، وفلوسك وشغلك ومكانتك رايحين لنقطة الصفر في أقل من دقيقة.”

لم تكد تحس بانتهاء كلماتها حتى أضاء شاشة هاتفها باتصال عاجل من الشئون القانونية والمالية لشركة والدها، لتبدأ الفاتورة الحقيقية للخيانة بالوصول في التوقيت الأصح والأقسى. انكمش رامي تماماً على مقعده الفاخر، بينما أجهشت نور بالبكاء بصوت منخفض خائف وسط ذهول الركاب جميعاً، لتدرك طليقة المستقبل أن الكرامة حين تُصان، تسقط معها كل أقنعة الخداع في ثوانٍ معدودة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *