خطط جوزي

كنت فاكرة لحد اللحظة دي إن أسوأ مرحلة في حياتي خلاص عدت وإني أمنت مستقبل عيالي، وما كنتش أعرف أبداً إن اللعب الحقيقي لسه ما بدأش، وإن بعد تلات ليال بس من القعدة دي، مجدي هيوقع في شر أعماله بطريقة ما كانتش على البال ولا الخاطر.

في الليلة التالتة، كانت الساعة قربت على الفجر، والبيت كله نايم وسكون الليل مالك المكان. كنت قاعدة في الصالة بشرب كوباية مية، وفجأة سمعت صوت مفتاح بيتحرك في الباب برا. الباب اتفتح ودخل مجدي وهو راجع من عند عشيقته نجلاء، كان فاقد السيطرة على نفسه من كتر الفرحة والانتصار، وبيضحك بصوت عالي كأن مفيش في الدنيا هم وكأن محدش في البيت صاحي.

رفع عينه وشاف الكارثة قدامه؛ شنطة سفره الكبيرة محطوطة برا قدام باب الشقة ومعاها كراتين صغيرة فيها هدومه. وقف باصص للشنطة ثواني وبعدين بص لي وقال بكل برود وتكبر: “يعني إنتِ عرفتي؟ طالما وصلتك الشنطة يبقا خلصنا.” ومن غير حتى ما يكلف خاطره يعتذر أو ينكر أو حتى يمثل الندم. أنا زحيت ظرف الأوراق القانونية على الترابيزة اللي جنبي ورديت بصوت هادي وبارد أكتر منه: “يبقا تشيل حاجاتك معاك وتمشي من هنا.”

مجدي اتنرفز من برودي وقام صوته يعلى في الصالة ويقول بغرور طفولي: “تمشي مين يا بابا؟ إنتِ شكلك اتجننتِ! البيت ده بتاعي، والشركة بتاعتي، وأبويا كمان كم يوم هيموت وهيكتبلي كل حاجة، أنا اللي قعدت عمري كله أخدم في الشركة وأبني اسم العيلة، مش إنتِ اللي هتيجي تطرديني من ملكي ومن بيتي! فوقي لنفسك يا إيمان واكلي بعقل تانيين حلاوة، والشنطة دي هتدخليها جوه حالا وتعمليلي قهوة عشان ورايا نوم طويل.”

ضحكت بصوت عالي لأول مرة من أيام، وقلت له: “ملكك؟ والشركة بتاعتك؟ طيب كويس إنك فاكر كدة… اسأل نفسك كدة يا مجدي، هو أبوك فين دلوقتي؟ ولا تلاقيك نسيت إن ليه بيت تاني بينام فيه الفترة دي عشان يبعد عن شرك وشغل أسيادك اللي قاعد معاهم ليل نهار.”

ضحك باستهزاء وقال: “أبويا في بيته القديم، نايم وتعبان زي كل يوم، وهيجيله يوم ويصفي كل حاجة ليا لوحده، أصل هيلاقي مين غيري يرثه؟ أنا ابنه الوحيد يا هبلة!”

وفجأة، ومن غير ما أي حد يتوقع، ظهر صوت بطيء وثقيل وخشن جاي من طرقة الصالون الداخلية المظلمة. صوت راجل عجوز بيجر خطواته بصعوبة بالغة بس بكل هيبة وقوة الدنيا. بصينا إحنا الاتنين مذهولين، وطلع الحاج عادل من الظلام وهو ماسك عصايته، وواقف قدامنا مباشرة وباصص لابنه نظرة تخترق الصخر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *