لقاء بعد الفراق
بعد خمس سنوات من الفراق، إلتقينا صدفة بأحد المستشفيات كان جالساً في قاعة الانتظار في قسم أمراض النساء والتوليد. ظللت أراقبه من تحت نقابي وعادت بي ذاكرتي إلى ذلك الزمان حين أتى وخطبني كانت فرحتي لا توصف لأنني كنت دائماً أمر من أمام محله لبيع وإصلاح الالكترونيات في الحي وكان قلبي حينها يدق بأقصى سرعة. كنت مراهقة مهووسة به لم أتردد للحظة في أن أقبل عرض زواجه مني. كان وسيماً بالإضافة لكونه فارس أحلام معظم فتيات الحي.
دامت خطوبتنا لمدة سنتين كان دائماً ما يتصل بي ونتبادل أطراف الحديث أو المحادثات عبر رسائل الواتس اب الصوتية كان أحياناً يتذمر لأنني لا أجد الكتابة ولا القراءة لدرجة أنه كان يداعبني قائلاً “حبيبتي الأمية” لم يكن يدري الى أي مدى كان يشعرني بالإهانة بعبارته تلك.
أيقظني من شرودي صوت الممرضة قائلة: السيدة فاطمة البوريقي ممكن بطاقة الهوية خاصتك هناك معلومة لم تسجل. أعطيتها بطاقة الهوية وغادرت وبعدها ظل يتفحصني بعينيه المرهقتين بعد أن سمع إسمي ربما تذكر تلك الفتاة المراهقة التي أرسل إليها أمه ذات صباح أن تخبرها أنه لم يعد يريد الزواج منها دون أن يقدم أي عذر وليس هذا فقط بل قالت أيضاً أنهم سينتقلون من الحي. لقد كسر قلبي تكسيراً. هل يا ترى استيقظ ضميره هل تمنى أن أكون فعلاً ذلك الشخص الذي في باله لكي يطلب مني السماح؟
مهلاً! إنه يتقدم نحوي:
- السلام عليكم هل يمكنني الجلوس بجوارك من فضلك؟ حركت رأسي بمعنى نعم. وجلس بقي مهلة من الزمن وقال:
- فاطمة أرجوكي سامحيني أنا أعرف أنني أخطأت في حقك كثيراً واعلم أن ما فعلته لا يغتفر سامحيني فالندم يق..تلني يوماً بعد يوم.
امتلأت عيناي بالدموع لم أستطع النطق سوى بكلمة واحدة:
- لماذا؟ تردد كثيراً قبل أن يجيب قائلاً:
- حتى أنا لم أجد أي عذر لنفسي عن فعلتي. قاطعته مستهزأة:
- لأنني أمية أليس كذلك؟ طأطأ رأسه ولم يجب، فأضفت:
- المسامح كريم لقد سامحتك منذ زمن طويل، بالمناسبة ماذا تفعل هنا ولماذا أنت في هذا القسم بالضبط؟ رفع رأسه قائلاً:
- زوجتي في غرفة العمليات تلد.
فكرت للحظة كيف ستكون هذه الأنثى التي فضلها علي ورأى فيها ما لم يره فيّ، فسألته:
- من هو طبيبها؟ رد باسماً:
- الدكتور الفتحي. تسارعت دقات قلبي بعد عبارته:
- جيد أنه أفضل طبيب في المستشفى بشهادة الجميع، أنا أيضاً أتبع حملي عنده. رد قائلاً:
- مبروك، تتبعين الحمل عند طبيب وهل زوجك ليس لديه مشكلة في الأمر؟ (وأضاف) أعتذر لأني تدخلت في خصوصياتك.
نظرت إليه في نوع من الشرود، أهي غيرة أم فضول أم شماتة؟ وقلت:
- لا، زوجي ليس لديه مشكلة في الأمر لأنه يفضل الاطمئنان على ابنه بنفسه. قلت عبارتي الأخيرة وأنا أتفحص بطني، لم أنظر إليه لأرى ملامحه المصدومة، وبعد ثوانٍ من الصمت قال بتساؤل:
- الدكتور الفتحي زوجك؟!
كنت على وشك أن أرد قبل أن ألمح زوجي وهو متجه نحوي ببدلته، اختلطت كلماتي بدموع الفرح والسرور، أجابني:
- نعم إن شاء الله حبيبتي. مسح دموعي وقال بعدها:
- مستعدة لنتعرف على ابننا أو ابنتنا؟ أجبته بفرح:
- مستعدة.
ووضعني فوق سرير الفحص وظل يفحصني بتركيز وأنا أراقبه وأسأله بين الحين والآخر عن جنس الجنين، ثم نظر إلي بفرح:
- ابننا.. ستنجبين ولداً يا حبيبتي. ودموع الفرح ملأت وجنتي:
- ولد يشبهك أليس كذلك! أجابني:
- لا.. أريده أن يشبهك أنتِ. أجبته ضاحكة:
- ألم نتفق مسبقاً إن كان ولداً سيشبهك وإن كانت بنتاً ستشبهني؟ ضحك تلك الضحكة التي أعشقها، حينها قال:
- حسناً سيدتي ولكن الآن يجب عليك أن تنهضي لكي لا تفوتي الامتحان أيتها الجميلة.
شعرت بنوع من الخوف بعد أن تذكرت الامتحان، إنه امتحان البكالوريا! فقال لي:
- لا تخافي وحاولي أن لا يؤثر عليك التوتر كل شيء سيكون على ما يرام. حركت رأسي إيجاباً:
- سترافقني؟ أجابني:
- بكل تأكيد وسأبقى أمام الثانوية إلى أن تنهي امتحانك.
تزوجنا قبل أربع سنوات لم أشعر يوماً بالفرق الثقافي بيننا. كان دائماً حنوناً في كل شيء لم أشعر معه بالنقص قط، كان لي زوجاً صالحاً كما كنت له زوجة صالحة، بعد زواجي منه شفيت من كل الجروح واعتبرت وجوده في حياتي دواء ليس بعده داء.

