خطط جوزي

مجدي كان بيتكلم بصوته الواضح عن أبوه، الحاج عادل مهران، مؤسس شركة التوزيع الهندسية الكبيرة في السادس من أكتوبر اللي كنا كلنا شغالين فيها. الحاج عادل كان مريض سرطان في مرحلة متقدمة، وكان لسه بيتناوب على جلسات العلاج الكيماوي، وبينزل الشركة بنفسه كل ما يقدر عشان يتابع الشغل بإيده. وبينما الراجل الكبير بيحارب عشان يتمسك بالحياة وسط أوجاعه، ابنه الوحيد وقطعة من لُحمه كان قاعد يرسم خطط خبيثة مع عشيقته إزاي هيصرفوا الفلوس وهيشتروا إيه بتركته أول ما يدفنوه في التراب.

سمعت صوت المية في الحمام بتقفل، فسبت التليفون في مكانه بالظبط ورجعت كأن مفيش حاجة حصلت، وعملت نفسي منشغلة جداً بملف الإكسيل قدامي. طلع مجدي من الحمام لابس روبرت وبكل برود قال: “لسه بتشتغلي لحد دلوقتي؟” رديت بصوت ثابت غريب: “بقفل التقرير بس خلاص.” لبس بيجامته، وقعد يتذمر كالعادة على أبوه وبطريقته الاستفزازية: “عايزنا نراجع العقود من أول وجديد بكرة الصبح. بجد لازم الراجل ده يتقبل إنه عيان ويفكنا شوية بقى وما يدخلش في كل كبيرة وصغيرة في الشغل.”

زمان، كنت هسمع الكلمتين دول وأتعاطف معاه وأقول معلش تعبان وخايف على صحة أبوه. لكن في الليلة دي، كل حرف سمعته كان بيترجم جوه دماغي لصوت وارث طماع ومستعجل وعايز الموتة تيجي بسرعة. ما عملتش مشكلة كبيرة، ما صوّتش، وما صحتطش البيت؛ عيالي كانوا نايمين جوه في أمان الله، وما كنتش ناوية أنكد عليهم آخر الليل أو أكسر خاطرهم لمجرد إن أبوهم طلع إنسان تاني خالص دمر حياتنا ببرود أعصاب.

تاني يوم الصبح، مجدي فطر معانا عادي جداً على الترابيزة ولا كأن فيه أي هباب على رأسه. سأل دانة عن امتحان العلوم بتاعها، وفكر يوسف يفكر ياخد لبس الكورة وشنطته، واداني بوسة سريعة على جبهتي وهو نازل لشغله. الساعة خمسة العصر، جالي مسج منه على الموبايل: “أنا مع بابا في البيت التاني، كان تعبان شوية والدكتور عنده. وعندي اجتماع مهم بعده، هتاخر بليل متستنيش العشاء.”

من غير تردد، رفعت التليفون واتصلت بالحاج عادل شخصياَ على خطه الشخصي. رد عليا بصوته التعبان بس الحنون: “ألو يا إيمان يا بنتي؟ خير؟” قلت له بصوت مكبوت: “مجدي معاك يا عمي في البيت؟” جاني صوته مستغرب: “لا يا بنتي، ما شفشهوش من كذا يوم، حتى في الشركة مظهرش.” قفلنا السكة، وفي نفس الليلة، سبت البيت وركبت عربيتي وطلعت على بيته لوحدي والشارع فاضي والضلمة حواليا بتعكس ظلام اللي جوايا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *