برطمان المخلل القديم متكسرش لما هبد في الأرض

برطمان المخلل القديم متكسرش

برطمان المخلل القديم متكسرش لما هبد في الأرض.. دي كانت أول حاجة مريم لاحظتها، وبعدين لما الناس كانت بتسألها حكايتك مع جوزك انتهت إمتى، مكنتش بتقول إنها انتهت في محكمة، ولا على ترابيزة المطبخ، ولا في الليلة اللي رجع فيها وشايل شنطة سفره وراه زي مجرم بيجر ج..ثة داراها! كانت دايماً بتقول إن كل حاجة انتهت الساعة اتنين وستاشر دقيقة الضهر في يوم إتنين عادي جداً، لما برطمان مخلل قديم ومترب اتدحرج على أرضية الشقة الخشب، وخبط في طرف جزمتها الكوتشي، وكشف وراه علبة حديد مصدية كانت متدارية في عمق الدولاب.

العلبة هبدت على الأرض وطلعت صوت عالي ومكتوم قوي على شقة بالهدوء ده. مريم اتجمدت وهي واقفة فوق السلم الخشب الصغير اللي بتنظف عليه، ولتلات ثواني كاملة مأخدتش النفس. اللمبة السهاري بتاعة خزانة الكراكيب كانت بتزن فوق راسها، وبتطلع نور أصفر ضعيف وميت فوق العِدد القديمة، والبرطمانات المغلوشة، والكراتين، والمكركبات اللي شريف جوزها قضى سنين وهو بيقول عليها: “ده نظامي ومحدش يمد إيده فيه”.

بره في الشارع، عربية الزبالة كانت بتعدي بصوتها المزعج، وفي الشقة اللي تحتهم كلب بيهوهو مرتين.. أصوات طبيعية، ليوم إتنين طبيعي، لست بيت طبيعية بتمسح وتنظف وبيتها غايب في مأمورية شغل بره المحافظة.

فجأة، قفل العلبة الحديد اتهز واتفتح، والصور بدأت تتدفق وتقع منها على الأرض؛ بنت صغيرة لابسة طرطور أحمر بتاع الكريسماس، وست سمراء بغمازات، وشريف.. جوز مريم، واقف وبيضحك ضحكة راجل عمره ما كدب كدبة واحدة في دنيته!

مريم نزلت من على السلم براحة قوي، ركبها كانت غريبة، مش بتترعش بس كأنها سابت ومش حاسة بيها، كأن جسمها جاله أمر بالسكوت من مكان بعيد قوي.

ركعت في الأرض جنب العلبة ومسكت أول صورة؛ شريف كان واقف قدام شجرة حنة وزينة عمرها ما شافتها، في صالة شقة ما تعرفهاش، ولابس التيشرت الرمادي اللي مريم كانت فاكرة إنه ضاع من سنين في الغسيل. كان حاطط دراعه حوالين وسط ست أصغر منها، وفي الدراع التاني شايل بنت صغيرة، ييجي عندها خمس أو ست سنين، بشعر كيرلي بني وضحكة بسنتين واقعين.

على ظهر الصورة، ومكتوب بحبر جاف أزرق بخط إيد ناعم:

“حبايب بابا.. ليلة العيد”.

مريم قرأت الجملة مرة، وبعدين قرأتها تاني، والكلام ما تغيرش!

مدت إيدها وأخدت صورة تانية؛ كانت لشريف في جنينة عامة، قاعد مقرفص جنب نفس البنت الصغيرة قدام نافورة مية، والطفلة باصة في وشه بكل أمان وثقة عمياء.

شريف كان بيضحك من قلبه، مش الضحكة المجاملة ولا نص الابتسامة الباهتة والتعبانة اللي بيرميها لمريم وهو قاعد معها على السفرة بياكل؛ ده كان شريف القديم، شريف الحنين اللي كان زمان بيجري تحت المطر عشان يلحق يشتري لمريم حتة بسبوسة بعد أول خناقة بينهم ويقولها: “دي راية الصلح بتاعتي”.

الراجل ده طلع لسه عايش ومماتش.. بس مش معاها هي.

مريم حطت الصورة في الأرض وأخدت ورقة كشكول متطبقة مرتين؛ كانت رسمة عيل صغير؛ بيت بشبابيك معوجة، وشمس صفراء منورة، وتلات أشخاص مرسومين بخطوط وبيمسكوا إيد بعض.

وتحت الرسمة، بألوان شمع موف وبخط عيل لسه بيتعلم الكتابة، كانت مكتوبة جملة من أربع كلمات خلت بطن مريم تقلب وزي التلج:

“أنا بحب بابا شريف”.

نور الخزانة رعش وطفى وثانية واشتغل.

مريم قعدت على حيلها في الأرض؛ بقالها تسع سنين كاملين مراته وعلى ذمته، وفي آخر ست سنين منهم، كانت مفهمة نفسها إنهم يادوب بيمروا بالفترة الصعبة اللي بتيجي لكل المتجوزين؛ شغل كتير، ومصاريف مبتخلصش، وليالي تعب هلكانة فيها واحد قاعد باصص في تليفونه على الكنبة والتاني بياكل لقمته لوحده في المطبخ.

كانت بتقنع نفسها إن الجواز مش دايماً بيبقى حب وكلام متزوق، ساعات بيبقى غسيل، ومصاريف، وطلبات سوق، وسكوت.

بس اللي شافته ده مكنش سكوت.. ده كان تخطيط وبُنا!

في حياة تانية كاملة اتبنت في مكان قريب منها لدرجة إنها تقدر تلمسه، مكان يبعد مسافة عربية بعد العشاء، وشريف كان بيسرق طوبة طوبة من بيتها ومن شقاها عشان يبني بيها البيت التاني هناك!

سحبت ورق تاني من العلبة؛ عقد إيجار شقة أوضتين وصالة، الدور الثالث، في منطقة في أطراف القاهرة بتبعد عشرين دقيقة بس عن هنا.

اسم المستأجر: شريف عز الدين.

والعقد اتجدد في يناير اللي فات.

مريم بحلقت في التاريخ؛ أول عقد اتوقع كان من ست سنين فاتوا.. ست سنين كاملين!

زورها اتشد ووجعها بس مفيش صرخة ولا صوت طلع منها.

بعدها ظهرت الفواتير والوصولات؛ جزمة شتوي لبنت صغيرة، شنطة مدرسة عليها رسمة باربي، علبة ألوان مية، وكارت معايدة عليه ورد مرسوم من بره، وجوه الكارت مكتوب بخط ست تعبانة وناعم:

“مستنيينك ترجع بالسلامة يا حبيبي، فريدة مشتاقة لك قوي وأنا كمان.. بحبك، ناهد”.

مريم حطت الكارت في الأرض بحرص رهيب، كأن أي حركة غلط ممكن تفجر الشقة وتطيرها.

شريف كان لسه مسافر ليلة الأحد بشنطة سفرة كحلي صغيرة، اللي يدها مقطوعة ومريم خيطتهاله بإيدها في عيد جوازهم الثالث.

باس خدها من غير ما يبص في عينها وقالها إنه راجع الجمعة ويمكن قبل كده، وقال إنه مسافر إسكندرية عشان مؤتمر مقاولات وشركات بنا.

مريم هزت راسها يومها ومطلبتش تشوف التذكرة ولا ورقة المؤتمر؛ هي أصلاً بطلت تسأل من سنين، ودلوقتي بس فهمت هو ليه كان بيفضلها تسكت وما تسألش.

لمت الصور، والرسمة، وعقد الإيجار، والوصولات والكارت، ورصتهم على ترابيزة المطبخ في صفوف مظبوطة بالمسطرة.

مريم كانت شغالة محاسبة في مستشفى عام، ولما الخوف والقلق بيمسكوها، كانت بتلجأ للتنظيم؛ الأرقام، والورق، والتواريخ.. الورق دايماً بيقول الحقيقة لما البني آدمين بيكدبوا.

على أذان المغرب، كانت قرأت كل ورقة مرتين.

وعلى نص الليل، كانت فهمت أول الكدبة من آخرها.

ومع أول ضوء للفجر، كانت ماسكة في إيدها مفتاح نحاس برأس بلاستيك زرقاء كان مستخبي تحت عقد الإيجار.

الساعة تمانية وأربع دقائق الصبح يوم الثلاثاء، مريم كانت واقفة قدام مراية الطرقة؛ لابسة جينز، وبلوزة بيضاء، وجاكت كحلي، ولمة شعرها لورا نفس اللمة العادية اللي بتروح بيها الشغل كل يوم.

وشها كان هو وشها.. بس عينيها مكنتش هي.

عينيها كانت عينين ست فتحت ضلفة دولاب كراكيب.. فلقيت وراها باب لجهنم!

حطت المفتاح بوجهه الأزرق في جيبها، وطلبت عربية عشان تروح للعنوان المكتوب في عقد الإيجار.

بس الصدمة الحقيقية مكنتش في الشقة ولا في مراته التانية؛ الصدمة كانت في ورقة صغيرة منسية في قاع العلبة الحديد، ورقة بخط محامي بيكشف إن الفلوس اللي شريف بيبني بيها حياته التانية ويدلع بيها بنته فريدة، هي الفلوس والورث الذهب اللي سابتهولها جدتها في البنك، والشر اللي ناوي يعمله فيها لما يرجع يوم الجمعة عشان يخلص من وجودها خالص وياخد كل حاجة!

وصلت مريم للعنوان الساعة تسعة إلا ربع الصبح.

العمارة كانت قديمة شوية، مطلية بلون بيج باهت، وفي مدخلها زرع ذابل محتاج مية من زمان.

وقفت قدام باب الشقة رقم 3، وإيديها باردة رغم حر يونيو.

طلعت المفتاح الأزرق من جيبها، وبصت له ثواني طويلة.

كان معاها حق تفتح الباب.

لكنها مردتش.

خبطت.

مرة.

واتنين.

وبعد لحظات سمعت خطوات خفيفة من جوه.

الباب اتفتح.

وقفت قدامها ست سمراء في أواخر التلاتينات، شعرها مربوط بعشوائية وعينيها فيها إرهاق سنين طويلة.

ناهد.

الاتنين فضلوا باصين لبعض كام ثانية.

مريم كانت متخيلة إنها هتشوف شيطانة سرقت جوزها.

لكن اللي شافته كان ست مرهقة، لابسة هدوم بيت بسيطة، وعلى وشها نفس علامات الخداع اللي كانت عايشة بيها هي.

قبل ما ناهد تتكلم، رفعت مريم صورة من الصور اللي جابتها معاها وقالت بهدوء:

“أنا مرات شريف”.

لون وش ناهد اختفى مرة واحدة.

وكأن حد سحب الدم من جسمها.

رجعت خطوة لورا وهي بتهمس:

“إيه؟”

دخلت مريم الشقة.

كانت الشقة صغيرة ونظيفة.

وفي الركن كانت طفلة قاعدة على سجادة ملونة بترسم.

رفعت رأسها وابتسمت:

“ماما، مين دي؟”

مريم بصت للبنت.

فريدة.

البنت اللي كانت سبب انهيار عالم كامل.

لكنها كانت مجرد طفلة بريئة.

قعدت مريم وناهد قدام بعض على السفرة.

وبدأ الكلام.

بعد ساعة كاملة من الصور والعقود والتواريخ، اكتشفوا الحقيقة كاملة.

شريف كان متجوز مريم رسمي.

ومتجوز ناهد بعقد عرفي أقنعها إنه هيوثقه أول ما تنتهي مشاكل الميراث.

كل واحدة كانت فاكرة إنها الزوجة الوحيدة.

كل واحدة كانت بتصدق نفس الأكاذيب.

والمصيبة الأكبر إن ناهد نفسها كانت بتشتغل خياطة من البيت وبتصرف من شغلها على نفسها وعلى بنتها في شهور كتير، بينما شريف بيحكي لكل واحدة قصة مختلفة عن ظروفه وأزماته.

لكن الصدمة الحقيقية ظهرت لما مريم طلعت الورقة الأخيرة.

ورقة المحامي.

ناهد قرأتها أكتر من مرة.

ثم قالت بصوت مرتعش:

“يعني هو ناوي يسرقك؟”

مريم هزت رأسها.

“أكتر من كده.”

الورقة كانت نسخة من مراسلات بين شريف وأحد السماسرة.

وفيها كلام واضح عن نقل أصول مالية باسمه بعد الانتهاء من إجراءات تخص ميراث مريم.

وفي سطر واحد مكتوب:

“بعد ما نخلص موضوع الزوجة هيبقى الوضع آمن.”

الجملة كانت مرعبة.

خصوصاً إن شريف كان مؤمن على حياة مريم قبلها بسنة بمبلغ ضخم جداً.

هنا فهمت مريم إن الموضوع أكبر من خيانة.

بكتير.

خرجت من الشقة وهي وناهد متفقتين على شيء واحد:

ولا واحدة هتواجهه لوحدها.

خلال الثلاث أيام اللي بعدها، اشتغلوا في صمت.

مريم راجعت حساباتها البنكية.

وأوقفت صلاحيات كانت مديالهالها.

وجمدت إجراءات تخص الميراث.

وراجعت محامي متخصص.

أما ناهد فجمعت رسائل وصور ومكالمات وتسجيلات تثبت علاقتهما وكل أكاذيبه.

يوم الجمعة.

رجع شريف.

نفس الشنطة الكحلي.

نفس الابتسامة الباردة.

دخل الشقة وهو بيقول:

“وحشتيني.”

مريم كانت قاعدة على السفرة.

هادئة بشكل أخافه.

أول مرة.

سألها:

“مالك؟”

قالت:

“اقعد.”

قعد.

وبدأت تحط قدامه ورقة ورا ورقة.

الصور.

العقد.

الفواتير.

رسومات فريدة.

كارت ناهد.

ثم نسخة من ورقة المحامي.

مع كل ورقة كان لون وشه بيتغير.

لحد ما بقى أبيض تماماً.

حاول ينكر.

حاول يكذب.

حاول يصرخ.

لكن كل حاجة كانت موثقة.

وفي اللحظة اللي افتكر فيها إنه يهددها، رن جرس الباب.

فتح.

فلقى ناهد واقفة.

وراها محامي.

وراهم اتنين من رجال المباحث.

لأن المحامي كان بلغ عن شبهة احتيال واستيلاء على أموال ومحررات مزورة.

ساعتها فقط عرف شريف إن اللعبة انتهت.

اتقبض عليه.

واستمرت التحقيقات شهور.

وخلالها ظهرت حاجات أكتر بكتير مما توقع أي حد.

ديون مخفية.

تزوير توقيعات.

وحسابات كان بيحول عليها فلوس من غير علم أصحابها.

القض..ية كبرت.

وأحكام متعددة صدرت ضده.

وفي النهاية خسر كل شيء.

شغله.

فلوسه.

وسمعته.

أما مريم…

فباعت الشقة القديمة بعد سنة.

واشترت شقة أصغر.

أهدى.

أنضف.

وأخف.

وفي أول يوم نقلت فيه حاجتها، لقت برطمان المخلل القديم وسط الكراتين.

نفس البرطمان.

اللي اتدحرج يوم الاتنين الساعة اتنين وستاشر دقيقة.

مسكته بإيديها.

فضلت تبص له شوية.

ثم ابتسمت لأول مرة من شهور.

لأنها فهمت حاجة مهمة.

إن حياتها ما انهارتش يوم البرطمان وقع.

حياتها الحقيقية بدأت يومها.

حطته في صندوق القمامة ونزلت.

من غير ما تبص وراها.

وفي طريقها للباب، كانت الشمس داخلة من الشباك الكبير.

دافية.

وصافية.

وكأنها بتقول لها إن بعض النهايات المؤلمة مش بتكون نهاية الحكاية…

بتكون بداية النجاة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *