تيته حكايات صافي هاني

  • ​الحاجة زينب كانت عاملة حساب استثماري قديم جدًا، والحساب ده محدش يعرف عنه حاجة. تيتة قالت:
  • ​أنا فاكرة الحساب ده، كنت بحط فيه فلوس من شغلي زمان. المحامي ابتسم وقال:
  • ​الحساب ده قيمته دلوقتي أكبر بكتير مما تتخيلي. أبويا بصله وقال:
  • ​يعني فيه فلوس تانية؟ المحامي قال:
  • ​أيوه، بس الفلوس دي مش لمحمود، ومش من حق أي حد يقرب منها. وبعدين مد الورق لتيتة وقال:
  • ​إنتي من سنين عملتي وصية موثقة، والفلوس دي خصصتي جزء كبير منها لرعاية كبار السن والأيتام. تيتة ابتسمت وقالت:
  • ​كنت عارفة إن ربنا هيديني فرصة أعمل حاجة تنفعني بعد عمري.

​بصيت لأبويا لقيته ساكت، فقالت له:

  • ​يا محمود، أنا مش هحرمك من حقي كأم، لكن مش هديك فلوس تاني عشان تسدد ديونك بالطريقة دي. لو عايز تصلح، اشتغل وسدد اللي عليك، وأنا هقف جنبك كأم بس من غير ما آخد حق حد. أبويا انهار في العياط ونزل قدامها وباس إيدها وقال:
  • ​سامحيني. تيتة سكتت شوية وبعدين قالت:
  • ​أنا مسامحاك، بس السماح مش معناه إن اللي حصل يتنسي. أمي قربت منها وقالت:
  • ​وأنا؟ تيتة ردت:
  • ​إنتي كمان ربنا يسامحك، لكن الثقة لما بتتكسر بتاخد وقت عشان ترجع.

​بعدها بشهرين، البيت فضل باسم تيتة، والفلوس اللي اتاخدت رجعنا جزء كبير منها بعد ما اتباع حاجات كان أبويا شاريها بفلوسها، وأبويا بدأ يسدد باقي المبلغ بالتقسيط.

أما أمي، ففضلت تزور تيتة كل أسبوع من غير ما تلمس ورقة ولا حساب ولا حتى درج من أدراجها.

أما أنا، ففضلت أكشف معاها حساباتها وأوراقها بنفسي.

​وفي يوم كنا قاعدين في البلكونة، تيتة شربت الشاي وقالتلي:

  • ​عارف يا أحمد أنا ليه طلبت منك تروح معايا المحكمة؟ قلت لها:
  • ​ليه؟ قالت:
  • ​لأني كنت محتاجة حد من العيلة يشوف الحقيقة بعينه، عشان لما أضعف يوم محدش يقدر يقنعه إني كنت بتخيل. ابتسمت وقلت:
  • ​بس إنتي أقوى واحدة في العيلة يا تيتة. ضحكت وقالت:
  • ​لا يا ابني، أنا مش قوية، أنا بس اتعلمت متأخر إن الطيبة من غير حدود ممكن تخلي أقرب الناس يطمعوا. وبعدين بصت للشارع وقالت:
  • ​بس الحمد لله، ربنا كشفهم قبل ما يضيع البيت. سألتها:
  • ​ولو الزمن رجع؟ هتدي بابا التوكيل؟ بصتلي وضحكت وقالت:
  • ​أدي ابني ثقتي آه، لكن التوكيل؟ أبدًا! وضربتني على إيدي وقالت:
  • ​الفلوس تتعوض يا أحمد، لكن الأمانة لما تضيع مش سهل ترجع.

​ومن يومها، اتغيرت حاجات كتير في بيتنا؛ أبويا بطل يعيش فوق إمكانياته، وأمي فهمت إن السكوت عن الغلط مشاركة فيه.

وتيتة زينب فضلت قاعدة في بيتها بنفس الكرسي ونفس فنجان الشاي، لكن المرة دي مفتاح البيت كان في إيدها، وحساب البنك كان باسمها، وكرامتها كانت فوق أي فلوس في الدنيا.

وأنا كل ما أفتكر اليوم اللي لقيتها فيه قاعدة لوحدها في المستشفى، أفتكر جملتها: “خدني الأول على المحكمة”.

وأقول لنفسي: يمكن ربنا خلاهم يسيبوها في المستشفى عشان أنا ألاقيها، ويمكن لو كانوا رجعوا ياخدوها يومها ماكناش عرفنا الحقيقة أبدًا.

​النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *