سافرت الخليج بعد جوازنا بشهرين

فاطمة بصتلي.. مكنش في عينيها غل، ولا شماتة، ولا حتى عتاب. كانت بتبصلي بنظرة خالية تماماً، كأنها بتبص لحاجة متسواش تلتفت ليها.
لساني نطق بصوت مبحوح ومخنوق بالدموع: “فاطمة.. أنا اتدمرت، الدنيا دارت عليا وخدت كل اللي ورايا وقدامي، ونورهان رمتني في الشارع.. أنا جيت عشان تسامحيني، أبوس إيدك اديني فرصة واحدة أصلح اللي كسرته.”
فاطمة وقفت مكانها بثبات جبل، متهزتش منها شعرة، وابتسمت ابتسامة هادية كلها عزة نفس خلتني أحس إني ذرة تراب قدامها، وقالت بصوت نقي وقوي: “تسامحك مين يا أحمد؟ إنت مش جيت هنا زمان وقولتلي ملكيش قعاد هنا وخدي هدومك وامشي؟.. أنا مخدتش هدومي بس، أنا خدت كرامتي وشقايا وعملت بيهم اسم وشغل ربنا باركلي فيه وفتحها عليا من وسع، بعد ما شيلت أهلك وأبوك اللي مات وهو بيدعيلي وبيتبرى منك.”
بلعت ريقي بصعوبة ونزلت دموعي وأنا بحاول أقرب: “فاطمة، أرجوكي…”
قاطعتني بحركة إيد حاسمة، وطلعت من شنطتها رزمة فلوس، وحطتها بهدوء على التربيزة اللي جنب الباب، وبصتلي بمنتهى الكبرياء: “القرش اللي كان عميك زمان، مبقاش يلزمني منه مليم.. خد دول يمكن ينفعوك في أكل عيشك، إحسان لوجه الله عشان عيش وملح زمان اللي هان عليك.. والباب ده اتقفل من يوم ما نورهان هانم ضحكت، ومش هيتفتح لواحد رخيص باع أصله.”
وقبل ما أرد أو أنطق بحرف، قفلت الباب بهدوء ومن غير عصبية، وسمعت صوت المزلاج وهو بينزل مكانه للمرة الأخيرة..
وقفت على السلم في الضلمة، باصص للفلوس اللي ملمستهاش، وعرفت إن العدالة مش بس إنك تخسر فلوسك، العدالة الحقيقية إنك تشوف اللي ظلمته في أعلى مكان، وإنت عاجز حتى إنك ترفع عينك في عينه.
ضربة فاطمة كانت القاضية لروحي، بس القدر مكنش لسه خلص حسابه مع نورهان اللي شافت نفسها على خلق الله.
الغرور عماها تماماً بعد ما عزلتني واستولت على كل أصول الشركة، وافتكرت إنها لوحدها قادرة تدير مشروع استثماري ضخم بالحجم ده في التجمع. دخلت في مضاربات عقارية طائشة ومضت شيكات بنكية بملايين على بياض من غير دراسة جدوى حقيقية ولا استشارة فنية، ومكنتش تعرف إن السوق مش بيرحم، وإن العلاقات اللي كانت بتتباهى بيها كانت مجرد مصالح وقتية بتنتهي مع أول هزة.




