سافرت الخليج بعد جوازنا بشهرين

الصدمة شلتني للمرة التانية، بس المرة دي السك\ينة كانت في ضهري أنا. بصيت للورقة وبصيت لوشها، لقيت نفسي قدام وحش أنا اللي بنيته وغذيته بظلمي وكسرتي لفاطمة.
في اللحظة دي، شريط حياتي كله عدى قدام عيني: تضحيات فاطمة، دهبها اللي راح، مكنة الخياطة اللي باعتها عشان أبويا، وأنا اللي بعت ده كله عشان شوية مظاهر وسراب. الدنيا اسودت في وشي، ولقيت نفسي خارج من الفيلا تايه في شوارع التجمع في نص الليل، ممعاييش غير الموبايل ومفتاح عربية مش بتاعتي، وصوت فاطمة بيصرخ جوا عقلي زي الآذان: “القرش اللي بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك.”
الدايرة لفت بالكامل، والوجع اللي زرعته بإيدي باستهتار، رجع يحصد روحي وكرامتي لحد آخر نفس.
مرت شهور كأنها سنين، ولقيت نفسي على الحديدة، كل اللي عملته في الغربة راح في قواضي ومحاكم خسرانة قدام نورهان ونفوذها ومحاميها الكبار. نورهان مجرد ما ضمنت كل العقود والتوكيلات، رفعت عليا قض\ية طرد من الفيلا، ورمت حاجتي كلها في الشارع ببرود، زي ما عملت زمان بالظبط مع فاطمة، بس المرة دي مكنش في حتى رزمة فلوس تترمي تحت رجلي.
بقيت مكسور، عاطل، وعايش في أوضة فوق سطح عمارة قديمة في أطراف القاهرة، بهرب من عيون الناس ومن نفسي. مكنش فاضل في قلبي غير حاجة واحدة بس بتديني أمل إني أتنفس: إني أرجع لفاطمة، أركع تحت رجليها، أطلب منها تسامحني حتى لو مش هترجعلي، بس أسمع كلمة واحدة تطفي النار اللي بتاكل في صدري.
جمعت شتات نفسي، لابس قميص قديم مبهدل، وركبت المواصلات لحد الحارة الشعبية القديمة. كانت رجلي بتترعش مع كل خطوة بقرب بيها من الشارع. الشارع مكنش اتغير، بس لما دخلت، مشيت مطأطأ الراس عشان محدش من الجيران يلمحني ويفكرني باليوم المشؤوم.
وقفت قدام باب العمارة، طلعت السلم بخطوات تقيلة ومكسورة، وصلت لنفس الباب الخشب القديم. رفعت إيدي اللي كانت بترتعش زي ورقة شجر في ريح، وخبطت تلات خبطات واطيين.
ثواني والباب اتفتح.. بس المشهد اللي شوفته شل حركتي وجمّد الدم في عروقي.
فاطمة كانت واقفة قدامي، بس مكنتش فاطمة المكسورة الدبلانة اللي سيبتها بتعيط على العتبة. كانت لابسة فستان هادي وأنيق جداً، وشها منور ومرتاح ومليان هيبة ورضا، وحواليها عينات قماش حرير وأتواب متفصلة بذوق عالي، والشقة من جوة باين إنها اتجددت وبقت ورشة ومقر شغل مليان حركة وبنات بيشتغلوا على ماكينات حديثة.


