سافرت الخليج بعد جوازنا بشهرين

نزلنا للشارع، وكان في كام راجل من كبار الحارة واقفين عند دكان البقالة اللي قدام البيت، وشباب الحتة ملمومين على أول الحارة. أول ما شافوني خارج ولابس البدلة النضيفة وجنبي نورهان بكامل شياكتها والعربية الفارهة راكنة وسط الشارع المترب، سكتت أصواتهم فجأة. بصاتهم كانت كلها لوم وعتاب تقيل يكسر الضهر، بصة للي لسه سامعينه فوق وبصة تانية ليا، كأنهم بيقولولي من غير ولا كلمة: “خسارة تربيتك وسطنا، وخسارة العيش والملح اللي هانوا عليك في لحظة.”
حاولت أهرب بعيني منهم، وركبت العربية بسرعة وأنا حاسس بصغر وخزي عمري ما عيشته. نورهان قفلت الباب، خدت نفس عميق، وبصت في مراية الصالون تعدل الروج بتاعها وهي بتقول باستهزاء وبرود: “شوفت بقى؟ الموضوع مكنش محتاج الدراما والتردد بتاعك ده كله.. شيلنا الهم وخلصنا منها، ومن هنا ورايح مش عايزة اسمع اسمها تاني على لسانك ولا حتى تفكر تبص وراك للبيئة دي.”
دورت العربية وانطلقت بينا في شوارع القاهرة متجهة للكومباوند الفخم في التجمع. طول الطريق كنت ساكت تماماً، باصص على الطريق السريع بس مش شايف غير مشهد فاطمة ودموعها المكسورة، وصوتها وهو بيرن في ودني: “القرش اللي بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك.”
الكلمة كانت بتلف في عقلي زي الدوامة، وكل ما نورهان تفرك في التليفون وتتكلم عن الفيلا الجديدة وديكوراتها، كنت بحس ببرودة غريبة بتسري في جسمي، كأن العز ده كله اتبنى على رمال متحركة هتبلعني في أي ثانية.. خلاص، القناع وقع، وأنا بعت أهلي وأصلي برضايا، وبدأ العداد يعد عليا تمن كل دمعة وقهرة سبتها ورايا.
الأيام الأولى بعد المشهد ده كانت ماشية في دوامة سريعة وكأن الدنيا بتحاول تعميني عن اللي عملته. نورهان خدتني في رجلها على المكاتب العقارية، بنمضي عقود الفيلا وبنختار أحدث التشطيبات، وكانت بتتعامل بمنتهى السيطرة، هي اللي بتدير، هي اللي بتدفع، وهي اللي بتحدد مين يدخل حياتنا ومين يخرج. وأنا؟ كنت مجرد تابع، شريك بالاسم وواجهة بتمشي في ضلها.
كنت كل ما أحط راسي على المخدة بالليل في الأوتيل الفخم، أسمع صوت رنة الكعب وصوت المفتاح وهو بيقفل باب فاطمة. حاولت أكلم أمي عشان أطمن، بس أول ما سمعت صوتي، ردت عليا بنبرة كلها وجع وقالتلي: “أبوك مريض يا أحمد، ومكناش لاقيين حق الدوا لولا فاطمة اللي باعت مكنة الخياطة بتاعتها ووقفت معانا.. انت بعت الأصيلة عشان الفلوس، بس الفلوس هتروح والندم هيفضل لازق في توبك ليوم الدين.”
