سافرت الخليج بعد جوازنا بشهرين

فاطمة في اللحظة دي اتنفست نفس طويل، وصوت شهقتها المكتومة قطع سكون المكان. وطت ببطء شديد، مش عشان تلم الفلوس، لكن عشان تسند على الباب الموارب اللي كان شاهد على ليالي بكاها وسهرها عشاني. رفعت وشها بهدوء غريب ومرعب، عينيها اللي كانت بتبكي نشفت منها الدموع فجأة، وبصت لنورهان بنظرة خلت ابتسامة نورهان الساخرة تتهز لثانية واحدة.
وبصوت واطي بس كان بيزلزل العمارة من قوة ثباته، قالت: “الفلوس دي تشتري بيها راجل زيه، راجل يتباع ويشترى في سوق الهوان.. لكن أنا؟ أنا كنت شايلاه يوم ما كانش يسوى في سوق الرجال تلاتة مليم، شيلته بكرامتي وبدهبي وبصحتي. انتي مخدتيش مني حاجة يا هانم، انتي خدتي قشرة بني آدم، خدتي الراجل اللي باع شرفه وأصله عشان يركب عربية وياكل لقمة من عرق غيره.”
لفت وشها ناحيتي، وبصت في عيني مباشرة، نظرة حسستني إني بتجرد من هدومي ومن كل قرش عملته في الغربة، وقالت بنبرة قطعت كل حبل كان رابطنا: “أما إنت يا أحمد.. فـ حسبي الله ونعم الوكيل فيك، ربنا مش هيسيبك، والقرش اللي بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك. من اللحظة دي، إنت ميت في عيني وفي قلبي.”
رزعت الباب في وشنا بصوت زلزل السلم القديم كله، وقفلته بالمفتاح من جوة بجمود حاسم. نورهان حاولت تداري ارتباكها ورجعت تضحك بتصنع وقالتلي: “يلا يا بيبي.. ملكش دعوة بالبيئة دي، خلينا نمشي”، لكن أنا رجلي مكنتش قادرة تتحرك، ودقات قلبي كانت بتدق برعب حقيقي.. حسيت إن باب الشقة ده مقفلش في وشي بس، ده قفل معاه كل باب رحمة وستر كان مفتوحلي في الدنيا.
صوت الترباس وهو بيتقفل من جوة كان عامل زي طلقة رصاص استقرت في نص دماغي، ورزع الباب نزل صوته يرن في منور العمارة وعلى السلم المفتوح زي الرعد.
نورهان مسكت إيدي بقوة، ضوافرها غرزت في جلدي وهي بتشدني وراها، وصوت كعبها العالي لسه بيخبط على درجات السلم المكسرة بانتصار مستفز. وإحنا نازلين، لاحظت إن أبواب الشقق في الأدوار اللي تحت كانت مواربة.. حس الفضيحة كان عالي، واليمين اللي رميته بأعلى صوتي مع زعيق نورهان وتعييرها لفاطمة كان كافي جداً يسمّع العمارة كلها من ساسها لراسها، ويفهمهم إن ابن حتتهم رجع من السفر بواحدة تانية، طلق الست اللي شالت أهله ومرمطها على عتبة بيتها.

