السر اللي اكتشفته بعد جنازة جوزي
جوزي كريم مات في حادثة عربية في ليلة مطر يوم خميس.
وده كان الكلام اللي كل الناس بتقولهولي.
حادثة بشعة.
طريق مزلقان.
كوتشات بايظة.
ومفيش شهود.
٣ أيام كاملة وأنا بكرر نفس الكلام ده لنفسي، عشان كان أهون بكتير من الحقيقة اللي جسمي كان حاسس بيها قبل حتى ما عقلي يستوعبها.
كريم كان حريص جدًا.
كل ليلة يتأكد إن الأبواب مقفولة مرتين. كان دايمًا حاطط كابلات بطارية في شنطة العربية. وعمره ما كان يسيب البنزين ينزل عن النص. من النوع اللي يلاحظ أي مسمار مفكوك أو صوت غريب أو ورقة تأمين قربت تخلص.
عشان كده لما الشرطة قالت إنه فقد السيطرة على العربية في ملف مزلقان برا البلد، هزيت راسي وسكت.
سيبت الناس تعزيني.
سيبتهم يقولوا:
“كان بيعشقك.”
“كان عايش عشان عياله.”
“خسرتي راجل بجد.”
وده كان حقيقي.
ومكنش عندي طاقة أسأل أو أشك في الجملة اللي قسمت حياتي نصين.
أختي نرمين فضلت جنبي طول الوقت.
هي اللي كانت بترد على المكالمات، وتنظم الأكل، وتلبس العيال هدوم العزا بتاعة أبوهم.
ملك كانت عندها ٧ سنين، وآدم ٥.
كانوا لازقين فيا طول الوقت لدرجة إني ساعات كنت بحس إنهم فاكرين إني ممكن أختفي أنا كمان.
بعد العزا البيت بقى ساكت بطريقة تخوف.
كنت بنام في مكان كريم على السرير. وبلبس السويت شيرت الرمادي بتاعه لحد ما ريحته راحت منه. وكل شوية أشغل الرسايل الصوتية اللي كان سايبهالي بس عشان أسمعه بيقول:
“أنا جاي البيت يا حبيبتي.”
بعد دفنه بـ٣ أيام، مديره كلمني.
اسمه أستاذ سامح، ومن أول ما رديت حسيت إن صوته فيه حاجة غلط.
قال بهدوء:
“يا ندى… محتاجك تيجي الشركة.”
قعدت في السرير بسرعة.
“ليه؟”
سكت شوية.
وقال:
“كريم سايب حاجة في خزنة مكتبه… وعليها اسمك.”
صوابعي شدت على الموبايل.
“حاجة إيه؟”
قال:
“مش هينفع أشرح في التليفون.”
لما وصلت الشركة، إيدي كانت بتترعش لدرجة إني بالعافية عرفت أطفي العربية.
سامح كان وشه شاحب وهو بيقابلني عند الباب.
مافتحش أي كلام. طلعني فوق، وفتح مكتب كريم، وبعدها فتح الخزنة اللي ورا المكتب.
كان فيها ظرف كبير وتقيل.
مكتوب عليه بخط كريم:
“يتسلم لندى.”
بصيت لسامح وقلت:
“ليه ماكلمتنيش بدري؟”
فكه شد.
قال:
“كريم طلب مني أستنى لما العزا يخلص… بس كان المفروض أكلمك بدري. خصوصًا بعد ما نرمين جت تسألني إذا كان كريم سايب حاجة في الخزنة.”
بطني اتقبضت.
“نرمين؟”
هز راسه.
وقال:
“وساعتها عرفت إني استنيت أكتر من اللازم.”
فتحت الظرف فورًا.
كان جواه كشوفات بنكية، وصور مطبوعة، وورق قديم يخص الميراث، وجواب مكتوب بخط إيده.
أول سطر فيه وقف قلبي.
“ندى… لو بتقري الكلام ده، يبقى هما وصلولي أخيرًا. أوعي تثقي في نرمين.”
نفسي اتقطع.
وبعدين قريت السطر اللي بعده.
“نرمين كانت بتسرق من الفلوس اللي متشالة للعيال، وحسام عرف إني اكتشفت.”
قريتها مرة.
وبعدين مرة تانية.
وبعدين تالت مرة، لأن عقلي كان رافض يصدق إن الكلام ده عن أختي.
بعد وفاة أمي، نرمين هي اللي كانت ماسكة أغلب إجراءات الميراث. دايمًا كانت تقول إنها أشطر في الورق والحسابات، وأنا صدقتها.
بحسب ملاحظات كريم، كانت بتاخد جزء من فلوسي قبل ما تتحول لحساب تعليم ملك وآدم.
هو اكتشف ده وهو بيساعدني في الضرائب.
وكان كاتب:
“ماكنتش عايز أقولك غير لما أتأكد، لأني عارف إن اتهام أختك هيكسرك.”
وكان فيه صور كمان.
صور لنرمين وهي بتقابل راجل ورا شركة كريم.
حسام.
جوزها السابق.
الراجل اللي كانت بتقول إنه خرج من حياتها من سنين.
لكن كريم كتب إن ده كدب.
حسام كان راجع مفلس بعد صفقة خسرانة، وعليه ديون لناس خطر. نرمين كانت بتديه فلوس وهي مقنعة نفسها إنها بتحمي بنتها من مصايبه.
لكن السطر اللي بعده خلّى إيدي تبرد.
“قبل الحادثة بأسبوع، لقيت ورقة متعلقة تحت مسّاحة العربية مكتوب فيها: ابعد عن الموضوع… وفكر في مراتك.”
وفي آخر الجواب، كريم كتب:
“لو سامح سلّمك الظرف ده، روحي المخزن. صندوق العدة. تحت منه. وما تقوليش لنرمين.”
بصيت لسامح.
قلت:
“هو كريم كان فاكر إن حسام ممكن يأذيه؟”
سامح مرر إيده على وشه وقال:
“كان بيتمنى لأ… بس كان قلقان كفاية إنه يسيب كل ده وراه.”
رجعت البيت وأنا تايهة.
ولما وصلت، شفت نرمين من شباك المطبخ.
كانت بتعمل بان كيك للعيال.
آدم كان بيضحك، وملك قاعدة على الرخامة بتلعب برجليها، ونرمين مبتسمة كأنها أكتر شخص آمن في الدنيا.
وقفت أبصلها وأنا حاسة إني هترجع.
لكن دخلت وابتسمت بالعافية.
قلت:
“مين عايز يخرج يتغدى برا؟”
ملك رفعت راسها فورًا:
“هنجيب بطاطس؟”
ضحكت:
“آه.”
آدم اتنطط كأني وعدته بحصان.
نرمين بصتلي باستغراب:
“بس أنا كنت بعمل—”
قاطعتها بهدوء:
“عارفة… شكرًا، بس محتاجة أخرجهم شوية.”
وديت العيال عند جارتنا سلوى.
ولما فتحت الباب، قلتلها إني عندي مشاوير ولو سألتيني كتير ممكن أعيط في الشارع.
حضنت العيال ودخلتهم.
ومن هناك روحت البنك.
اسمي كان لسه موجود على حساب العيال، فمدير البنك وافق يوريني الملف.
كريم كان موقف الحساب قبل ما يموت بيومين.
مفيش أي سحب من غير وجودي.
وساعتها فهمت ليه نرمين كانت لازقة فيا من وقت العزا.
ماكنتش بتساعدني بس.
كانت مستنية.
بعدها روحت المخزن اللي أنا وكريم مأجرينه من سنين.
المكان كان ريحته تراب وكرتون وحديد قديم.
لقيت صندوق العدة في نفس المكان اللي وصفه.
ومتلزق تحته فلاشة، وظرف تاني، ومسجل صوت صغير.
شغلت التسجيل.
صوت كريم طلع هادي وتعبان:
“عندك أسبوع تقوليلها بنفسك.”
بعدها صوت نرمين وهي بتعيط:
“قلتلك هصلح كل حاجة.”
كريم رد:
“وبأنهي فلوس؟”
وفجأة صوت حسام:
“ابعد عن الموضوع.”
كريم قال بحدة:
“ندى والعيال عيلتي… ومش هسمحلك تلمس حقهم.”
نرمين صوتها بقى مذعور:
“حسام… خلاص.”
وفجأة التسجيل وقف.
قعدت على الأرض وإيدي على بقي.
طول الفترة اللي فاتت، جزء جوايا كان خايف يكون كريم مخبي عني حاجة.
وكان فعلًا مخبي.
بس مش خيانة.
كان مخبي الحقيقة عشان يحميني منها.
ليلتها قررت أوقع نرمين.
قلتلها إني لقيت ورق من مكتب كريم ومش فاهمة فيه حاجة، وإني تعبانة ومش قادرة أتعامل مع أي مشاكل قانونية، وسألتها لو ممكن تبص عليه بعد العشا.
حاولت تبان طبيعية:
“أكيد.”
سيبت نسخ من الورق على السفرة، ووقفت في الطرقة والموبايل بيسجل.
أول ما فتحت الملف، لون وشها راح.
وبعدين مسكت تليفونها بسرعة.
أول ما حسام رد، همست:
“هي معاها الورق… كريم كان محتفظ بنسخ. قلتلك إنه مش هيسيب الموضوع.”
دخلت الأوضة.
نرمين وقعت الموبايل من إيدها.
فضلنا ساكتين شوية.
بعدين قالت بصوت مكسور:
“ندى…”
قلت:
“لأ.”
دموعها نزلت فورًا.
“ارجوكي اسمعيني.”
قلت:
“جاوبي على سؤال واحد… سرقتي فلوس عيالي؟”
قعدت على الكرسي فجأة.
وقالت:
“كنت هرجعها.”
“ده مش سؤالي.”
وشها اتكسر بين الغضب والندم.
قالت:
“حسام رجع وعليه ديون وتهديدات… وقال لو ماساعدتوش هيجر بنتي للمشاكل دي. خفت.”
“فقمتي سرقتيني.”
“كنت بقول لنفسي إني بستلف.”
ضحكت ضحكة مرعبة وقالت:
“عارفة إن شكله وحش.”
قربت منها وقلت:
“قولتي لحسام إن كريم معاه دليل؟”
قفلت عينيها.
“قولتي؟”
همست:
“آه.”
الأوضة كلها بردت فجأة.
نرمين انهارت في العياط.
“قلتله إن كريم معاه نسخ… وقلتله كريم خرج إمتى من الشغل. كنت فاكرة إنه هيخوفه بس ويسكت الموضوع… والله ما توقعت—”
قاطعتها وأنا صوتي بيترعش:
“كريم مات.”
بصتلي بنظرة عمري ما هنساها.
وقالت:
“أنا عارفة.”
قلت:
“لأ… ماتقوليش الكلمة كأنها حالة جو. إنتي اللي بعتيه للموت.”
غطت وشها بإيديها.
وسألتها السؤال اللي كان بياكلني من جوا:
“بعد ما مات… إزاي فضلتي واقفة جنبي وكأنك بتحبيني؟”
بصتلي وسط دموعها وقالت:
“لأني فعلًا بحبك… وبكره نفسي كل ثانية.”
وأسوأ حاجة… إني صدقتها.
وده خلّى الوجع أسوأ.
شورت على الباب.
“اطلعي برا.”
بصتلي برجاء:
“خليني أودع العيال.”
قلت ببرود:
“لأ.”
“ندى أرجوكي.”
“لو فضلتي هنا لحد ما يرجعوا، هكلم الشرطة.”
ومشيت.
تاني يوم أخدت كل حاجة لمحامي كريم كان متواصل معاه قبل ما يموت.
وده وجعني أكتر.
لأنه كان متوقع إنه ممكن مايرجعش البيت.
القضية اتحركت بسرعة بعدها.
المحامي جمد الحسابات، واسترجع جزء من الفلوس من نصيب نرمين في ميراث أمي.
التسجيل لوحده ماكانش كفاية، لكنه أكد كل حاجة: ملاحظات كريم، وتحويلات البنك، واعتراف نرمين.
حسام هرب فترة.
لكن الشرطة لقت كاميرات طريق مظهراه بعربيته ورا عربية كريم قبل الحادثة بدقايق.
وبعدين اكتشفوا آثار خبط على عربية كريم مطابقة لعربيته.
الحادثة كانت باينة كأنها بسبب المطر… وده بالضبط اللي حسام كان عايزه.
بعد أسبوعين، نرمين جتلي البيت وهي واقفة تحت المطر.
كان معاها شيك وعلبة صغيرة.
قالت:
“دي أول دفعة.”
أخدت الشيك.
وفتحت العلبة.
لقيت ساعة كريم، ومشبك الكرافتة، وحاجات صغيرة تانية.
هي كانت ساعدتني أرتب حاجته بعد العزا بيومين، وأنا حتى ماخدتش بالي إنها ناقصة.
قلت بصدمة:
“إنتي خدتيهم؟”
هزت راسها.
“كنت عايزة حاجة منه.”
“ليه؟”
دموعها نزلت تاني.
“لأنه كان الشخص الوحيد اللي عنده شجاعة يوقفني.”
بصيتلها طويل.
وقلت بهدوء:
“إنتي مالكيش حق تزعلي عليه بعد ما ساعدتي في كسر الحاجة اللي كان بيحاول يحميها.”
قفلت عينيها وهزت راسها.
وماطلبتش مني أسامحها.
يمكن حتى هي عارفة إنها ماتستحقش.
عدت شهور.
بطلت أنام في مكان كريم.
وطويت السويت شيرت الرمادي وحطيته في الدولاب.
العيال كانوا لسه بيسألوا أسئلة ماعرفش أجاوب عليها كلها.
في ليلة، ملك بصتلي وقالت:
“هو بابا كان عارف إننا بنحبه؟”
حضنتها جامد وقلت:
“كل يوم.”
بعد ما العيال ناموا، فتحت الجواب اللي كريم كان سايبه ليهم.
قال لملك تفضل تسأل ومتخافش.
وقال لآدم يبقى طيب… بس مش لدرجة يخلي الناس تدوس عليه.
وقالهم إن حماية أمهم مش معناها يخبوا حزنهم.
وفي آخر الجواب كتب:
“لو مامتكم بتقرا الرسالة دي ليكم، يبقى قدرت تعدي كل ده… وأنا كنت عارف إنها هتقدر.”
وفي أول ذكرى للحادثة، يوم خميس ممطر، روحت لأول مرة للمكان اللي كريم مات فيه.
خدت ورد.
ووقفت أبص للطريق والحاجز الحديد والمطر اللي بيقع… للمكان اللي حياتي اتغيرت فيه.
وفجأة لمحت حاجة مدفونة نصها في الطين.
وردة حديد صغيرة.
وعليها لون أزرق.
جزء من ميدالية مفاتيح كريم القديمة.
اللي ملك كانت لونتها وهي صغيرة وكانت فاكرة إنها تحفة.
مسكتها وابتسمت وسط دموعي.
مش لأن كل حاجة بقت بخير.
لكن لأن كريم كان سايبلي أثر أمشي وراه.
وأنا فعلًا وصلت للحقيقة.
ولما رجعت البيت، لقيت ملك وآدم قاعدين على السفرة عاملين بان كيك لوحدهم.
كان محروق ومكسر ومغرق عسل.
ملك ضحكت وقالت:
“إحنا عملنا فطار للعشا.”
آدم رفع دقنه بفخر:
“بتاعي محروق من ناحية واحدة بس.”
بصيت لقطعة الحديد الزرقا في إيدي.
وبعدين ملك سألتني:
“هو بابا ساعدك تعرفي الجزء الوحش من الحكاية؟”
بصيت للقطعة… وبعدين ليهم.
وقلت:
“لأ يا حبيبتي… بابا ساعدني أعرف الحقيقة.”
وحضنتهم هما الاتنين.
“أما باقي الحكاية… فدي قصتنا إحنا.”
