دنيا وحسن بقلم ملك ابراهيم

حسن كان نايم في بيت ناظر المحطة بيحلم بأخته، مش عارف هيلاقيها إزاي؟ ودنيا مع ناس أغراب متعرفش مصيرها معاهم هيكون إيه. ناظر المحطة لفّ مع حسن على أخته في كل المحطات، شهور عدّت.. كل قطر يصفّر، حسن يجري للرصيف، وبعدين يرجع خطواته تقيلة. سؤال واحد بيعيش في دماغه: يا ترى انتِ فين يا دنيا؟

لحد ما في ليلة، قعد على الكنبة وفقد الأمل إنه يلاقي أخته. عبد الرحيم حط إيده على كتفه: “هنفضل ندور”. حسن هز رأسه، وبلع ريقه وسكت. غمض عينه على ضوء السلم الأصفر، واتخيل دنيا بتضحك في حتة بعيدة، ومكانش عارف إنها في نفس اللحظة ماسكة إيد بنت تانية وخايفة تنام أحسن تختفي زي ما حسن اختفى.

السنين جريت، وعبد الرحيم مخلاش كلمة من وعده تهبط. دخّل حسن المدرسة، يصحى له بدري، يذاكر له تحت لمبة السلم، وكل قرش يجيبه من المحطة يخبيه لهدوم ومصاريف. حسن كبر وهو شايل صورة دنيا في العين وبروازها متني في محفظته. خلص ثانوية، عبد الرحيم باع غويشة لمراته عشان أول قسط في الجامعة، وحسن دخل حقوق. الليالي كانت سهر ومذكرات، والصبح يشتغل في المخازن. لما النتيجة طلعت، عبد الرحيم علّقها على الحيطة بإزاز، ومراته دبحت فرختين ونادت الجيران: “ولدنا كبر وبقى محامي”.

على الناحية التانية، كبرت دنيا في بيت عيلة “نعيمة” (البنت الصغيرة اللي كانت في القطر). ولما سن الجواز دق، العرسان بدأوا يدقوا الباب. أغلبهم جايين عشان دنيا: “سمعنا عن البنت الحلوة اللي عندكم”. نعيمة مؤدبة وبنت حلال، لكن دنيا جمالها سارق العين. أم نعيمة كل مرة تبتسم للضيوف، وبعد ما يمشوا تسيب الباب وتدخل تكتم غيظها. أبو نعيمة يرمي كلمة عابرة: “البيت بيت بنتي، واللي ييجي لنعيمة أهلاً، واللي ييجي لدنيا.. يتفضل يمشي”.

دنيا تحس بالوشوشة، تبعد عن الصالة، وتساعد في المطبخ زيادة، كأنها بتتأسف على حاجة معملتهاش. مرة سمعت أم نعيمة بتقول لجارتها: “مصلحة بنتي أهم”. دنيا بلعت ريقها، ودخلت توَضّب أوضة نعيمة، حطت الطرح على الدولاب ورتبت السرير، وفضلت سرحانة في شباك المطبخ: لو حسن هنا، كان دخل ضحك، وقال “محدش قدك يا دنيا”، ومشي الزعل بكلمة. بس حسن بعيد، وهي كل يوم تشيل شعور إنها ضيفة زادت على أهلها، وتحاول تعوّضه بخدمة صامتة، وعيونها تنام كل ليلة على صورة ولد صغير في خيالها، مش عارفة إن الزمن كبّره وبقى محامي بيدوّر عليها في كل محضر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *