بعد وفاة جوزي بالسرطان بتلات شهور
بعد وفاة جوزي بالسرطان بتلات شهور بس، صحيت الصبح ملقتش بنتي اللي عندها 12 سنة نايمة في سريرها ولما دورت عليها لقيتها قاعدة في الحمام والمقص في إيديها وشعرها كله واقع على الأرض، أول ما سألتها عملت كده ليه قالتلي حاجة كسرت قلبي، لكن المصيبة الحقيقية حصلت تاني يوم لما مدير المدرسة كلمني بنفسه وقاللي بصوت متوتر تعالي حالًا يا مدام فيه حاجة حصلت هنا محدش مصدقه. لأن اللي شوفته هناك كان آخر حاجة ممكن أتوقعها في حياتي…
لكن قبل ما أحكيلكم اللي شوفته جوه المكتب، لازم أرجع لورا شوية وأحكي عن المكالمة اللي قلبت يومي كله. في الوقت ده كنت واقفة في المطبخ بغسل طبق الكورن فليكس بتاع ليلى، وبحاول بالعافية ما أبصش على الشماعة اللي جنب الباب، الشماعة اللي مفاتيح جوزي الله يرحمه كانت متعلقة عليها كل يوم قبل ما المرض ياخده مننا.
فجأة موبايلي رن. بصيت في الشاشة، لقيت مدير المدرسة. رديت بسرعة:
”ألو؟”
جالي صوته متوتر بشكل غريب وقال: “يا مدام نادية؟ محتاجك تيجي المدرسة فورًا.”
في اللحظة دي إيدي سابت الطبق، الطبق خبط في الحوض واتشرخ، وقلت بخضة: “ليه؟ ليلى كويسة؟”
رد بسرعة زيادة عن اللزوم: “آه… البنت كويسة.” وسكت ثانية، وبعدين كمل: “بس فيه ست رجالة جم المدرسة مرة واحدة وبيسألوا عليها بالاسم.”
حسيت إن قلبي بدأ يدق أسرع، وقلت: “مين دول؟”
المدير اتنهد وقال: “بيقولوا إنهم من المصنع اللي كان شغال فيه والدها.”
أول ما سمعت سيرة جوزي حسيت الدنيا لفت بيا. من تلات شهور بس كنت واقفة أسمع صوت راجل غريب بيبلغني إن جوزي مات، ودلوقتي راجل تاني بيتصل بيا بنفس النبرة المتحفظة اللي بتسبق الأخبار الوحشة. قلت بسرعة: “هم عايزين منها إيه؟”
قال: “معرفش، بس أول ما ليلى سمعت اسم أبوها رفضت تسيب المكتب. يا مدام نادية البنت بخير متقلقيش… بس الناس هنا كلها متأثرة ومحتاجة حضرتك تيجي.” وبعدين قفل الخط.
فضلت واقفة مكاني، المية شغالة في الحوض، والطبق المكسور قدامي، والموبايل في إيدي. شنطة ليلى كانت خرجت من البيت، وجوزي كان خرج من حياتنا للأبد، وساعتها افتكرت حاجة مهمة جدًا… إن الخوف عمره ما بيستأذن قبل ما يدخل القلب.
سر ليلى ومقص المطبخ
والخوف الحقيقي بدأ من الليلة اللي قبلها… الليلة اللي لقيت فيها بنتي واقفة حافية في الحمام وسط خصل شعرها اللي كانت مالية الأرض كلها… خبطت على الباب مرة وقلت: “ليلى يا حبيبتي… ممكن أدخل؟”
الباب اتفتح على طول، وأول ما دخلت حسيت إن قلبي وقع. ليلى كانت واقفة قدام المراية، ماسكة مقص المطبخ في إيد، وفي الإيد التانية خصلة شعر كبيرة مربوطة بإستك، أما شعرها الطويل اللي كانت بتعتني بيه طول عمرها فكان اختفى تقريبًا، وبقى واقف عند كتفها بالعافية، متقصوص بشكل عشوائي وكأنها كانت مستعجلة أو بتعيط وهي بتقصه.
بصيت للأرض الأول، وبصيت لها، وقلت وأنا مش مصدقة اللي شايفاه: “ليلى… إنتِ عملتي إيه؟”
رفعت كتافها الصغيرين كأنها مستنية إني أزعق أو أغضب، وقالت بسرعة: “بس متزعليش مني يا ماما.”
بصيت لها ثانية وقلت: “أنا بحاول بالعافية أفهم اللي حصل الأول قبل ما أعرف هزعل ولا لأ.”
الكلام خلاها تبتسم ابتسامة صغيرة جدًا سرعان ما اختفت، لأن الدموع كانت بدأت تتملى في عينيها، وبعدين قالت: “في بنت معايا في الفصل اسمها مريم.” وسكتت لحظة، وكملت: “هي خفت من السرطان الحمد لله… بس شعرها لسه مرجعش زي الأول.”
بلعت ريقه بالعافية وقالت: “النهارده في حصة العلوم كام ولد فضلوا يضحكوا عليها قدام الفصل ومحدش وقفهم، ومريم جريت على الحمام وفضلت تعيط لوحدها وأنا سمعتها.” بعدها رفعت خصلة الشعر اللي كانت في إيديها وقالت: “دورت على النت ولقيت إن الباروكات ممكن تتعمل من الشعر الطبيعي، وعارفة إن شعري لوحده مش هيكفي بس يمكن يساعد.”
اتنهدت وأنا باصة لها، وقبل ما أتكلم قالت بسرعة: “أنا عارفة إنه شكله وحش.”
بصيت لشعرها المتعوج وقلت: “بصراحة؟”
هزت راسها، فقلت: “شكله كأنك دخلتي معركة مع ماكينة جز عشب وخرجتي منها بالعافية.”
في اللحظة دي ضحكت ضحكة صغيرة وسط دموعها، وبعدين مسحت وشها بسرعة بكف إيدها وقالت بصوت واطي: “هو أنا عملت حاجة غبية؟”
في اللحظة دي افتكرت جوزي الله يرحمه، وافتكرت شعره وهو بيقع خصلة ورا خصلة على المخدة بعد جلسات العلاج، وافتكرت ليلى وهي قاعدة جنبه وقتها، رافضة تبعد عنه أو تسيبه يحس للحظة إنه بقى أقل من أي حد، وحاجات كتير عمرنا ما نسيناها…
عديت ناحيتها بهدوء، وخدت المقص من إيديها، وقلت وأنا بضمها جامد: “لا يا حبيبتي، لا طبعًا. أبوكي لو كان موجود دلوقتي كان هيبقى فخور بيكي بشكل إنتِ متتخيليهوش، وأنا كمان فخورة بيكي.”
ساعتها ليلى مقدرتش تمسك نفسها أكتر من كده، ودفنت وشها في كتفي وفضلت تعيط، وأنا كنت بربت على ضهرها ومسيباها تخرج كل اللي جواها. بعد شوية رفعت راسها وبصتلي وقالت: “طب ممكن نصلح الكارثة دي؟” بصيت لشعرها، فقالت وهي بتحاول تضحك: “أنا حاسة إني شبه واحد من الناس اللي في كتب التاريخ.”
في صالون التجميل: ذكرى “أحمد”
ضحكت غصب عني رغم كل اللي كنا فيه، وبعد أقل من ساعة كنا قاعدين في كوافير مدام تيسير اللي بقالنا سنين بنتعامل معاه. ليلى كانت قاعدة على الكرسي ولابسة الغطا الأسود، بينما مدام تيسير واقفة وراها بتفحص الشعر اللي اتقص بعناية شديدة. فضلت ساكتة كام ثانية، وبعدين طلعت منها تنهيدة طويلة، التنهيدة اللي أي أم بتفهم معناها فورًا.
في نص الشغل تقريبًا دخل جوزها عم سيد من الباب، وأول ما لمح خصلة الشعر الكبيرة المحطوطة على الرخامة وقف مكانه وقال باستغراب: “إيه ده كله؟”
كنت لسه هشرح له، لكن ليلى سبقتني وقالت بكل بساطة: “في بنت معايا في المدرسة محتاجة باروكة.”
ساعتها عم سيد بص لها بجد لأول مرة، بص لها كذا ثانية من غير ما يتكلم، وبعدين لف ناحيتي من خلال المراية وابتسم وقال: “دي فعلًا بنت أحمد.”
أول ما سمعت ليلى اسم أبوها، قعدتها اتعدلت فوق الكرسي وكأن حد نفخ فيها روح جديدة وبصت له بسرعة وقالت: “إنت كنت تعرف بابا؟”
هز الراجل راسه وقال: “آه يا حبيبتي، أنا اشتغلت مع أبوكي أحمد تمن سنين كاملين.”
ليلى لمست أطراف شعرها القصير الجديد وقالت: “يعني كان هيعجبه شكلي كده؟”
الكوافيرة طلعت صوت استنكار صغير وقالت: “لا طبعًا، مفيش راجل محترم هيوافق على قصة شعر معمولة في الحمام بمقص مطبخ.” ليلى بصتلها وقالت باعتراض: “يا طنط!” لكن الكوافيرة كملت وهي بتبتسم: “إنما السبب اللي خلاكي تعملي كده؟ آه… ده كان هيحبه جدًا.”
الراجل سند ضهره على الكرسي وبص لليلى وقال: “أبوكي أحمد عمره ما كان بيستحمل يشوف حد بيتوجع لوحده، كان الموضوع ده بيجننه.”
ليلى نزلت عينيها على إيديها وقالت بصوت واطي: “مريم كانت عاملة نفسها مش فارق معاها، بس كان فارق معاها.”
ابتسمت وقلت: “طبعًا كان فارق معاها يا حبيبتي.”
الكوافيرة فضلت في المحل بعد معاد القفل، وبين ما كانت بتحاول تصلح شعر ليلى على قد ما تقدر… وبين ما كانت بتجهز خصلة شعرها مع خصل تانية كانت محتفظة بيها مخصوص لباروكات الأطفال المرضى… قدرت تخلص واحدة كاملة قبل صباح اليوم اللي بعده. وقبل ما تروح المدرسة، أنا وليلى رحنا استلمنا الباروكة.
أول ما حطتها في العلبة وادتهالها مدام تيسير، فضلت ليلى باصة لها كذا ثانية وكأنها مش مصدقة إنها بقت جاهزة فعلًا، وبعدين بصتلي وقالت: “هو أنا شكلي غريب يا ماما؟”
بصيت لشعرها الجديد، وابتسمت وقلت: “لا يا حبيبتي، إنتِ شكلك زي ما إنتِ، بس العناية بيكي بقت أسهل شوية.”
ساعتها ضحكت، الضحكة اللي كنت مفتقداها من شهور، وبعدين رفعت العلبة شوية بإيديها وقالت: “تفتكري مريم هتلبسها فعلًا؟”
اتنهدت وأنا ببص لها وقلت: “معرفش يا حبيبتي، ممكن تبقى مش مرتاحة فيها، وممكن تختار متلبسهاش أصلًا، بس حتى لو ده حصل… هي هتعرف إن فيه حد فكر فيها، وإن فيه بنت عملت حاجة كبيرة عشان خاطرها.” ليلى ابتسمت وضمت العلبة، وبعدها رحنا المدرسة.
المفاجأة داخل مكتب المدير
لكن بعد أقل من ساعتين بس… موبايلي رن، وكان مدير المدرسة. وبحلول ما وصلت المدرسة… كانت كفوف إيديا كلها عرقانة من التوتر وأنا ماسكة الدريكسيون، ولقيت مدير المدرسة واقف مستنيني قدام المكتب. أول ما نزلت من العربية جريت ناحيته وقلت بخوف: “في إيه؟ مين الناس دي؟”
المدير مسح عرقه وقال: “الناس جم كلهم مع بعض يا مدام نادية، ولابسين جاكتات المصنع اللي كان شغال فيه أحمد، وكانوا بيسألوا على ليلى بالاسم.” وبعدين هز راسه وقال: “في الأول السكرتيرة افتكرت إن فيه مشكلة، وبصراحة؟ أنا كمان خفت. لكن بعد ما عرفوا نفسهم وقدّموا بطاقاتهم، فهمت إن مفيش أي خطر.”
بصيت له بعدم فهم وقلت: “طيب بنتي قاعدة معاهم ليه؟”
ساعتها ملامحه اتغيرت شوية وقال: “لأن أول ما سمعوا اسم أحمد… ليلى هي اللي طلبت تفضل معاهم.”
قلبي دق بعنف، وقبل ما أسأله أي حاجة تانية… مد إيده وفتح باب المكتب. وفي اللحظة اللي بصيت فيها جوه… حسيت إن نفسي اتسحب مني مرة واحدة. ليلى كانت واقفة جنب الشباك وحاطة إيديها الاتنين على بقها، أما مريم فكانت قاعدة على كرسي جنبها ولابسة الباروكة، ولأول مرة من وقت ما المرض أخد شعرها… كانت شبه أي بنت طبيعية في سنها. أم مريم كانت واقفة وراها وماسكة منديل وبتعيط.
لكن ده مكانش أكتر شيء صدمني، لأن في نص المكتب… فوق مكتب المدير مباشرة… كان فيه خوذة صفراء قديمة، خوذة الشغل الخاصة بأحمد، خوذة جوزي الله يرحمه كانت محطوطة فوق مكتب المدير، نفس الخوذة الصفراء اللي كان بيرجع بيها من الشغل كل يوم، حتى اسمه لسه مكتوب على الحافة من جوه. وأكتر حاجة وجعت قلبي… إن النجمة البنفسجي اللامعة اللي ليلى كانت لزقاها عليها وهي عندها ست سنين لسه موجودة مكانها.
وقفت مكاني ومقدرتش أتكلم. في اللحظة دي المدير قفل الباب ورايا بهدوء وقال: “يا مدام نادية… قبل ما الناس دي تشرح سبب وجودها هنا، في حاجة لازم تعرفيها.”
لفيت ناحيته فكمل: “العيال اللي كانوا بيتريقوا على مريم… الموضوع مكانش مرة واحدة بس.” سكت ثانية وبعدين قال: “بعد ما ليلى جابت الباروكة، واحدة من المدرسات سمعت كلام فبدأنا نسأل أكتر.”
أم مريم كانت واقفة جنب بنتها، وأول ما سمعت الكلام وشها اتشد وقالت وهي بتحاول تمسك دموعها: “بنتي بقالها أسبوعين كاملين بتستخبى تاكل في حمام الممرضة وقت الفسحة.”
حسيت إن قلبي اتقبض، وبصيت لمريم وقلت بالعافية: “يا حبيبتي…”
أما ليلى فوشها شحب فجأة وقالت وهي مصدومة: “أسبوعين؟ أنا مكنتش أعرف، كنت فاكرة إن اللي حصل يوم العلوم بس.”
صندوق “كمل طريقك” والرسالة الأخيرة
الغرفة كلها سكتت، والرجالة الستة كانوا واقفين حوالين المكتب، كل واحد فيهم لابس جاكت الشغل وحذاء المصنع التقيل، ورغم حجمهم وهيبتهم… كان واضح إنهم بيحاولوا يبانوا أهدى وألطف قد ما يقدروا. ساعتها عم سيد أخد خطوة لقدام وبصلي وقال: “يا نادية…”
حطيت إيدي على صدري وقلت: “إيه اللي جاب خوذة أحمد هنا؟”
قبل ما يرد… راجل تاني قرب منه، كان اسمه عم مراد، المشرف القديم بتاع أحمد في المصنع، مد إيده ناحيتي كان ماسك ظرف كبير، الظرف كان قديم شوية ومتقفل بعناية، وعليه اسمي بخط أنا أقدر أعرفه من وسط ألف خط… خط أحمد. في اللحظة دي حسيت إن رجلي ضعفت وبصيت للظرف، وبعدين بصيت للراجل وقلت بصوت خارج بالعافية: “إيه ده؟”
عم مراد بلع ريقه وقال: “أحمد كان سايبه في لوكره في المصنع، وقال لو اليوم المناسب جه… هنعرف إمتى نسلمه.”
حسيت إن أنفاسي اتلخبطت وقلت: “اليوم المناسب؟”
عم سيد بص لليلى وبعدين قال: “امبارح مدام تيسير حكتلنا اللي ليلى عملته، وأأول ما عرفنا جينا كلنا ولما عرفنا كمان إن البنت اللي ليلى حاولت تساعدها كانت بتحارب آثار السرطان، افتكرنا صندوق أحمد على طول، لأن دي الحاجة اللي أحمد نفسه كان هيعملها.”
بصيت لليلى لقيت الدموع مالية عينيها وقالت: “هما كانوا يعرفوا بابا بجد يا ماما.”
ضحكت وأنا بعيط في نفس الوقت، لأن مجرد سماع اسمه من ناس عاشوا معاه كان كفاية يرجعلي ألف ذكرى مرة واحدة. ساعتها عم مراد تنحنح وقال: “أحمد كان بيحكي عنكم طول الوقت، في كل استراحة، في كل يوم شغل. كنا عارفين جزمة الكورة الجديدة بتاعة ليلى، وعارفين فطاير التوت اللي كنتي بتعمليها، وعارفين إنك دايمًا كنتي بتحطي له أكل زيادة عشان لو واحد مننا احتاج سندوتش.”
في اللحظة دي ضحكة صغيرة طلعت مني غصب عني، لأن دي فعلًا كانت من حركات أحمد، عمره ما عرف ياكل لوحده وفي حد جنبه جعان. لكن عم مراد كمل كلامه وصوته اتغير وقال: “ولما أحمد مرض، عمل حاجة عمرنا ما نسيناها.” كل الموجودين بصوا له فكمل: “حط برطمان صغير في أوضة الاستراحة، وقال إن في عائلات كتير السرطان بيسحقها، وإن لو هو بيمر بالوجع ده… أكيد في غيره بيمر بنفس الوجع.” سكت لحظة وبعدين ابتسم ابتسامة حزينة وقال: “وسمى البرطمان… صندوق كمل طريقك.”
أم مريم كانت لسه ماسكة المنديل، ومريم قاعدة على الكرسي وهي بتحسس على الباروكة كأنها مش مصدقة إنها بقت بتاعتها فعلًا، أما عم مراد فمد إيده وحط الشيك فوق المكتب وقال: “أم مريم… الصندوق أخيرًا لقى المكان اللي أحمد كان عامله عشانه.”
أم مريم بصت للشيك وبعدين هزت راسها بسرعة وقالت: “لا، لا والله مينفعش، أنا مقدرش آخد الفلوس دي.”
لكن قبل ما أي حد يرد… أنا اللي اتكلمت وقلت: “لا تقدري.” كل العيون اتلفتت ناحيتي فكملت: “تقدري تاخديها، لأن لو أحمد هو اللي بدأ الصندوق ده… يبقى بدأه عشان عائلات زي عيلتكم بالضبط.”
أول ما سمعت كلامي دموعها نزلت اكتر وحطت إيديها على وشها وهي بتحاول تتمالك نفسها. أما أنا فلفيت ناحية المدير وقلت: “ولو المدرسة كانت عارفة إن بنت صغيرة بتستخبى تاكل في حمام الممرضة بقالها أسبوعين… يبقى القصة مش المفروض تخلص هنا.” المدير نزل عينه في الأرض ومقالش حاجة.
أما مريم فكانت لسه بتحسس على طرف الباروكة جنب ودنها وكأنها خايفة تختفي لو شالت إيديها، ساعتها ليلى ابتسمت لها وقالت بهدوء: “مختلفة مش معناها وحشة.” مريم بصتلها ولأول مرة من ساعة ما دخلت المكتب… ابتسمت ابتسامة صغيرة بس كانت حقيقية.
بعدها ليلى بصت للرجالة اللي كانوا شغالين مع أبوها وقالت باستغراب: “إنتوا جيتوا هنا عشان أنا قصيت شعري؟”
عم سيد مسح عينه بسرعة وكأنه مش عايز حد يلاحظ إنه متأثر وقال: “لا يا بنتي، إإحنا جينا عشان أول ما عرفنا اللي عملتيه… كلنا قولنا نفس الجملة.” وسكت لحظة وبعدين بصلي وبص لليلى وقال: “دي بنت أحمد فعلًا.”
ساعتها مديت إيدي للظرف ومسكته بإيديا الاتنين وقلت بصوت مهزوز: “أنا مش هقدر أقرأ ده قدام الناس.”
عم مراد هز راسه بتفهم وقال: “ولا مطلوب منك، اقريه براحتك بعدين.” وبعدين طلع ورقة مطوية من جيبه وقال: “بس في حاجة أحمد سايبها معايا أنا كمان.” الغرفة كلها سكتت وهو فتح الورقة بهدوء وبدأ يقرأ:
”لو في يوم بناتي نسوا أنا كنت بحاول أبقى راجل عامل إزاي… فكرّوهم بالطريقة اللي هتقفوا بيها جنبهم.”
في اللحظة دي حسيت إن قلبي اتقبض، لكن عم مراد كمل:
“ليلى دايمًا هتمشي ورا قلبها، ونادية هتعمل نفسها قوية وهتشيل فوق طاقتها لوحدها، فلو تقدروا… متسيبوش واحدة فيهم لوحدها.”
في اللحظة دي حطيت إيدي على بقي ومقدرتش أتمالك دموعي، كأن أحمد واقف في الأوضة بنفسه، وكأنه لسه شايفنا، وعارفنا، وحافظ كل تفاصيلنا.
أم مريم سابت مكانها وجت ناحيتي وبعدين قعدت على ركبتيها جنبي وقالت بهدوء: “أنا اسمي جيهان… وبجد… مش عارفة أشكرك إزاي، ولا أشكر بنتك إزاي.”
بلعت ريقي بالعافية وقلت: “إإحنا كمان حاربنا السرطان، ليلى شافت كل حاجة، شافت أبوها وهو بيتعب يوم بعد يوم وعارفة المرض ده بياخد من الناس إيه.” أول ما سمعت كلامي… ملامح جيهان انهارت وكأنها كانت ماسكة نفسها بالعافية طول الوقت.
أما ليلى فاحمر وشها من الكسوف وقالت بسرعة: “أنا معملتش حاجة كبيرة، أنا بس…” سكتت لحظة وبعدين قالت: “مكنتش عايزة مريم تفضل مستخبية في الحمام وقت الفسحة.”
مريم بصتلها وقالت فورًا: “أنا بكره الحمام ده.”
ليلى هزت راسها وقالت: “عارفة.”
وفي اللحظة دي… الرجالة اللي كانوا شغالين مع أحمد بدأوا يتكلموا كلهم مرة واحدة، واحد يحكي موقف، والتاني يفتكر موقف تاني. واحد قال: “أحمد كان دايمًا ياخد ورديات زيادة عشان يغطي حد عنده ظروف.” وواحد تاني قال: “وكان محتفظ برسومات ليلى كلها جوه لوكره.” وثالث ضحك وقال: “وأأكتر حاجة كانت تضحكنا إنه كان يجيب الحلويات اللي نادية عاملاها في البيت… ويقعد يقول للناس إنه هو اللي عاملها بإيده.”
ابتسمت وسط دموعي وقلت: “أحمد؟ أحمد لو دخل المطبخ لوحده كان ممكن يحرق البيت كله.” الرجالة ضحكوا مرة واحدة وعم مراد قال: “إإحنا كنا عارفين، بس احترمنا الكدبة.”
الضحك ملأ الأوضة لثواني، الضحك اللي بييجي بعد وجع طويل. ساعتها ليلى بصت لهم وقالت: “هو بابا كان بيتكلم عني كتير؟”
عم سيد رد من غير ما يستنى حد وقال: “كل يوم.”
ليلى ابتسمت ابتسامة صغيرة وبعدين سألت: “حتى بعد ما مرض؟”
الراجل هز راسه وقال: “خصوصًا بعد ما مرض.”
في اللحظة دي عيون ليلى لمعت بالدموع، أما مريم فمدت إيديها بهدوء ومسكت إيد ليلى، وساعتها حصل إحساس غريب جوايا، إحساس معرفتش أوصفه. من يوم جنازة أحمد وأنا حاسة إن الحزن عامل زي أوضة مقفولة علينا، أوضة مالهاش شبابيك، ولا أبواب، ولا أي مخرج، لكن لأول مرة من يوم وفاته… حسيت إن الباب اتفتح سنة صغيرة، وإن الهوا بدأ يدخل من جديد. مسحت دموعي وأخدت نفس عميق وقلت: “خلاص… بس في حاجة مهمة.” ليلى بصتلي باستغراب فكملت: “إإحنا مش هنحول ليلى لتميمة المدرسة الرسمية للطيبة.” المدير ابتسم رغم التوتر، لكن أنا لفيت ناحيته فورًا وقلت: “وفي نفس الوقت… المدرسة دي مش هتعيط عشر دقايق جوه المكتب وتنسى الموضوع. مريم خفت من السرطان بس ده ميمنعش إن اللي حصلها وجعها، والعيال اللي عملوا كده لازم يتحاسبوا، وكل طفل في المدرسة لازم يفهم إن اللي حصل لمريم مش حاجة عادية.”
المدير فرد ضهره وقال بجدية: “إإحنا بالفعل بدأنا الإجراءات، أهالي الطلبة في الطريق، والأولاد متوقفين عن كل الأنشطة لحد ما التحقيق يخلص، وكمان هنبدأ برنامج توعية أكبر للمدرسة كلها.”
هزيت راسي وقلت: “كويس.” وبعدين بصيت لأم مريم وقلت: “ولو مفيش عندك مانع… الصندوق يفضل باسم أحمد.” جيهان حطت المنديل على بؤها وهزت راسها وهي بتعيط وقالت: “ده شرف لينا.”
ساعتها ليلى بصتلي وفجأة قالت: “إإنتِ بتتكلمي زي بابا.” الكلمات خبطت في قلبي مباشرة لدرجة إني معرفتش أرد ولا أقول أي حاجة، بس فضلت باصة لها وأحاول أبلع الدموع اللي رجعت تاني.
كلمات من الغائب الحاضر
وبعد شوية خرجت للممر والظرف لسه في إيدي. ساعتها فتحت ظرف أحمد وطلعت الورقة اللي كانت جواه، أول ما شفت خطه… حسيت إن نفسي اتقطع، كأن تلات شهور اختفوا فجأة، وكأنه لسه موجود ولسه هيفتح الباب ويرجع البيت في أي لحظة. بصيت للكلمات وبدأت أقرأ:
”يا نادية… لو بتقري الرسالة دي… يبقى واحد من الرجالة وفّى بوعد كان قاطعهولي.”
الدموع بدأت تنزل قبل ما أكمل، لكن كملت:
“أنا عارفك… أكيد لحد دلوقتي شايلة فوق طاقتك، وأكيد بتقولي لكل الناس إنك كويسة.”
ابتسمت وسط دموعي لأن دي فعلًا كانت الحقيقة، فكمل أحمد:
“إنتِ كنتي الشجاعة فينا من قبل ما أمرض أصلًا، ولو ليلى عملت في يوم حاجة فتحت قلبك بالطريقة الحلوة… متقفليهوش تاني بسبب الخوف.”
سكت لحظة وأنا بقرأ وحسيت إن الكلمات بتدخل جوايا مباشرة، وبعدين وصلت لآخر سطر:
“سيبي الناس تحبك. أحمد.”
قفلت الرسالة ببطء وضميتها على صدري وفضلت واقفة كام ثانية أحاول أستوعب إن الراجل اللي مات من تلات شهور… لسه قادر يواسيني، ولسه قادر يقولي الكلام اللي محتاجة أسمعه.
لما رفعت راسي أخيرًا… لقيت جيهان واقفة بره عند الرصيف ومريم جنبها، إيدها محطوطة بين كتفي بنتها كأنها خايفة تشيلها للحظة فتختفي منها. ساعتها مشيت ناحيتهم ووقفت قدامهم وقلت ببساطة: “العشا عندنا النهارده.”
جيهان رمشت باستغراب وقالت: “إإيه؟”
قلت: “هتيجوا عندنا.” وبعدين بصيت لمريم وقلت: “ومفيش أي اعتراضات، أنا عندي خبرة كبيرة جدًا في إقناع الناس اللي بيقولوا إنهم مش جعانين ياكلوا، اتعلمت ده كويس أوي.”
في اللحظة دي عيون جيهان اتمليت بالدموع من جديد وقالت: “يا نادية…”
قاطعتها وأنا بابتسم وقلت: “أنا بتكلم بجد.”
مريم بصت لليلى وبعدين سألتها بحماس خجول: “هو ينفع آجي أتعشى عندكم أنا كمان؟”
قدام المدرسة، ليلى ابتسمت لمريم ابتسامة صغيرة وقالت: “بس بشرط.”
مريم رفعت حاجبها وقالت: “إإيه هو؟”
ليلى ضحكت وقالت: “ما تستخبيش في الحمام وقت الفسحة تاني.”
مريم بصتلها ثواني وبعدين ابتسمت لأول مرة من غير خوف وقالت: “وأأنتِ كمان ما تمسكيش مقص وتقربي من شعرك من غير رقابة.”
ليلى ضحكت وقالت: “اتفقنا.”
أم مريم ضحكت وسط دموعها وأنا ضحكت أنا كمان، وفي اللحظة دي حسيت إن حاجة كانت مربوطة جوه صدرنا كلنا بدأت تفك أخيرًا.
نهاية الأثر: الخوذة والسماء
في طريق الرجوع للبيت، ليلى كانت قاعدة جنبي في العربية وحاطة خوذة أبوها أحمد القديمة على رجليها وكأنها كنز، كانت كل شوية تمرر صوابعها على النجمة البنفسجي الصغيرة اللي كانت لزقتها عليها وهي طفلة. وفجأة بصتلي وقالت: “ماما؟”
“نعم يا حبيبتي؟”
سكتت ثانية وبعدين قالت: “هو بابا كان هيعيط لو شاف اللي حصل النهارده؟”
ضحكت وسط الدموع اللي رجعت تملى عيني وقلت: “أكيد، أكيد كان هيعيط.” وسكت شوية وبعدين كملت: “وبعدها كان يقعد ينكر إنه عيط أصلًا.”
ليلى ضحكت وأنا ضحكت معاها، وبصيت للطريق قدامي.
لأول مرة من يوم ما أحمد مات، حسيت إن الوجع لسه موجود بس ما بقاش خانق زي الأول، لأن أحمد ما رجعش ومافيش حاجة في الدنيا كانت هترجعه، لكن في اليوم ده… بسبب بنتنا… حسيت إن أثره لسه عايش في قلبها، وفي الناس اللي حبوه، وفي أم مريضة كانت فاكرة إنها لوحدها، وفي طفلة اسمها مريم بطلت تخاف ترفع راسها، وفي ستة رجالة قطعوا مشوار طويل علشان ينفذوا وعد قديم لصاحب عمرهم، وفي رسالة اتكتبت من شهور طويلة… ووصلت في الوقت اللي كنا محتاجينها فيه بالضبط.
لما وصلنا البيت، ليلى نزلت من العربية وهي شايلة الخوذة بإيديها، وقبل ما تدخل البيت وقفت فجأة وبصت للسما وقالت بهدوء: “وحشتني يا بابا.” الكلمة كانت بسيطة لكنها كسرتني، لأنها كانت أول مرة تقولها بصوت عالي من يوم وفاته. مشيت ناحيتها وحطيت إيدي على كتفها فبصتلي وبعدين مسكت إيدي ودخلنا البيت سوا، وأول مرة من شهور طويلة ما حسيتش إننا راجعين البيت لوحدنا.
