مراتي وقعت من التعب

مراتي وقعت من التعب قدام ابننا الرضيع وهو بيصرخ بحرقة، وأمي كانت قاعدة على السفرة بتاكل بكل برود كأن اللي بيحصل قدامها مش بني آدم بيموت.

ولما سألتها حصل إيه، بصّت لمراتي المغمى عليها وقالت بكل قسوة:
“سيبك منها يا أحمد… دي بتحب تعمل نفسها ضحية!”

الجملة دي كانت أول حاجة سمعتها من أمي أول ما فتحت باب شقتي في طنطا، الساعة اتنين الضهر.

لحد اللحظة دي، كنت لسه فاكر إن أمي، الحاجة سامية، جت تعيش معانا عشان تساعدنا بعد ولادة ابننا ياسين.

هي اللي أقنعتني بده أصلًا، بصوتها الحنون قدام الناس، وصواني المحشي اللي كانت تيجي بيها، وسبحتها اللي عمرها ما فارقت إيديها، والجملة اللي كانت ترددها لكل اللي حوالينا:
“الأم عمرها ما تسيب ابنها وقت شدته.”

مراتي، مريم، كانت لسه والدة من 3 أسابيع.

ما بتنامش أكتر من ساعة متواصلة، وشها أصفر، وعينيها غرقانين في الإرهاق، وحتى مشيتها بقت بطيئة من الوجع اللي لسه في جسمها.

وأنا كنت شغال في شركة اتصالات، باخد شيفتات زيادة واجتماعات طول اليوم عشان أقدر أصرف على البيت، ومتخيل إن أمي هتخفف الحمل عنها.

ماكنتش أعرف إني كنت بدخل الذئب بيتي بإيديا.

كل صباح قبل ما أنزل الشغل، كانت مريم تبتسم بالعافية وتقول لي:
“ما تقلقش يا حبيبي… أنا كويسة.”

لكن إيديها كانت بترتعش.

أوقات كنت أرجع ألاقيها واقفة بتغسل المواعين وابننا بيعيط جنبها، وأوقات بتنضف الصالة بينما أمي قاعدة تتفرج على المسلسلات بصوت عالي.

ولما كنت أسأل، أمي ترد بابتسامة باردة:
“دي بتحب تتحرك يا ابني… أصل الحركة بتفوق الوحدة.”

وكنت أصدقها زي الأهبل.

في يوم التلات ده، خرجت بدري على الشغل، لكن قلبي كان مخنوق بشكل غريب.

وسط الاجتماع، وأنا سامع المدير بيتكلم عن الأرقام والمبيعات، حسّيت فجأة إن في حاجة غلط.

بصيت للموبايل.

لا رسالة من مريم.

ولا حتى مكالمة.

لكن جوايا صوت كان بيصرخ:
“ارجع حالًا.”

سيبت كل حاجة وطلعت أجري بالعربية.

وأول ما وصلت تحت البيت، سمعت صوت ياسين بيعيط.

ماكانش عياط طفل عادي.

كان صراخ مذعور مخنوق، كأنه بقاله ساعات بيستنجد ومحدش بيرد عليه.

فتحت الباب بسرعة.

ريحة الطبيخ ضربت في وشي الأول:
رز بالشعرية، ومحشي، وفراخ محمرة لسه سخنة.

وعلى السفرة كانت أمي قاعدة بكل هدوء بتاكل.

قدامها طبق مليان، وكوباية عصير كركديه، ومنديل على رجلها كأنها ست هانم في مطعم.

أما مريم…

فماكنتش قاعدة.

كانت مرمية على الكنبة.

جسمها واقع على جنب، إيدها متدلية، وشها شاحب بشكل مرعب.

وياسين في السرير الصغير بيصرخ، وشه أحمر من كتر العياط ورجليه بتترعش.

جريت عليها وأنا قلبي بيقف:
“مريم! مريم فوقي! بصّيلي!”

أمي حتى ما قامتش من مكانها.

ولا اتحرك فيها شعرة.

بالعكس، كملت أكل بكل برود، وبعدها بصّت لمراتي المغمى عليها وقالت:
“يا ابني بلاش مبالغة… دي بتمثل. أصلها مش عايزة تكمل غسيل الحلل.”

في اللحظة دي حسّيت إن حاجة جوايا اتكسرت للأبد.

فهمت إن الست اللي ربتني طول عمري ماكنتش أم حنينة.

كانت وحش قاعد في نص بيتي، بيأكل الأكل اللي أجبر مراتي التعبانة تعمله لحد ما وقعت من الإرهاق.

شلت مريم بين إيديا، وخدت ياسين، وخرجت من غير ما أقول كلمة.

وأنا بقفل الباب سمعت أمي بتزعق من جوا:
“ده بيت ابني! وأنا اللي كلمتي تمشي فيه!”

ساعتها بس أدركت إن أمي ماكنتش بس بتحاول تتحكم في بيتي…

دي كانت بتدمر عيلتي كلها من جوا، وأنا آخر واحد واخد باله.

بعد ساعة في الطوارئ، كنت قاعد على الكرسي البلاستيك البارد، وياسين نايم على صدري بعد ما بكى لحد ما صوته اتبح.

أما مريم فكانت جوه أوضة الكشف.

إيدي كانت بتترعش وأنا مستني الدكتور يخرج.

كل ثانية كانت بتعدّي كأنها سنة.

ولما الباب اتفتح أخيرًا، الدكتور بصلي بنظرة ضايقتني قبل حتى ما يتكلم.

قال:
“مراتك عندها هبوط حاد، وجفاف شديد، وجسمها منهك بشكل خطير. هي أصلًا لسه والدة، والمفروض تكون في راحة تامة، مش شغل ووقف طول اليوم.”

بلعت ريقي بصعوبة وسألته:
“يعني هتفوق؟”

رد:
“الحمد لله لحقتوها بدري. بس لو كانت فضلت كمان شوية بالشكل ده، كان ممكن تدخل في مضاعفات خطيرة.”

الجملة دي نزلت عليّا كالقلم.

لو كانت فضلت شوية…

بصيت على ابني النائم، وافتكرت صوت عياطه وهو بيصرخ لوحده في البيت بينما أمي كانت قاعدة تاكل.

حسيت بغثيان.

ولأول مرة في حياتي حسيت إني بكره أمي.

فضلت قاعد جنب مريم طول الليل.

كل شوية كانت تفتح عينيها بالعافية وتحاول تبتسم:
“أنا كويسة يا أحمد… متزعلش.”

لكن المرة دي ماقدرتش أسمع الجملة دي.

لأن الحقيقة كانت واضحة قدامي أخيرًا.

مراتي كانت بتموت بالبطيء، وأنا اللي سايبها لوحدها مع السبب.

في الفجر، وأنا ماسك إيدها، سألتها بهدوء:
“قوليلي الحقيقة يا مريم… أمي كانت بتعاملك إزاي؟”

سكتت.

ولما سكتت عرفت إن الإجابة أسوأ مما أتخيل.

قولتلها:
“بالله عليكي قولي.”

عينيها اتمَلّوا دموع، وقالت بصوت مكسور:
“كانت بتصحيني كل يوم الساعة ٦ تقولي الست الشاطرة ما تنامش للضهر. كانت تسيب ياسين يعيط وتقولي ما تشليش الطفل على طول عشان ما يتدلعش. كانت تخليني أطبخ كل يوم حتى وأنا مش قادرة أقف. ولو قعدت شوية كانت تقول إني كسولة وإن الستات زمان كانوا بيولدوا ويرجعوا يخبزوا تاني يوم.”

كل كلمة كانت بتغرز في صدري س*كينة.

لكن اللي قت*لني فعلًا كان لما قالت وهي بتبكي:
“وأنا كنت مستحملاها عشان خاطرك… كنت فاكرة إنك هتزعل لو اشتكيت من أمك.”

في اللحظة دي حسيت إني أوحش زوج في الدنيا.

أنا اللي جبت الوحش ده لبيتي.

أنا اللي كنت بقولها:
“استحملي أمي شوية… أصلها بتحبنا.”

يا للسخرية.

بعد يومين خرجنا من المستشفى.

وأول حاجة عملتها إني رجعت البيت.

لوحدي.

كنت هادي بشكل غريب.

الهدوء اللي بييجي قبل العاصفة.

فتحت الباب، لقيت أمي قاعدة في الصالة، بتتفرج على مسلسل، وكأن ولا حاجة حصلت.

أول ما شافتني قالت ببرود:
“ها؟ البطلة فاقت؟”

ما رديتش.

دخلت أوضتها وفتحت الدولاب.

بدأت أحط هدومها في الشنط.

في الأول افتكرتني بهزر.

ضحكت وقالت:
“بتعمل إيه يا مجنون؟”

رديت من غير ما أبصلها:
“اللي كان لازم أعمله من زمان.”

قامت واقفة فجأة:
“قصدك إيه؟”

قفلت الشنطة بعنف ولفّيت ناحيتها.

ولأول مرة في حياتي ما خفتش منها.

قولتلها:
“إنتي هتمشي.”

ضحكت بسخرية:
“أمشي؟ من بيت ابني؟”

صرخت:
“البيت ده بيتي أنا ومراتي وابني! وإنتي آخر واحدة ليها حق تتكلم عن العيلة بعد اللي عملتيه!”

وشها اتقلب فجأة.

النبرة الحنينة اختفت.

وطلع الوجه الحقيقي.

قالت بعصبية:
“يعني هتختار مراتك عليّا؟”

رديت فورًا:
“لا… أنا باختار ابني. باختار الست اللي كانت بتموت وإنتي قاعدة بتاكلي.”

قربت مني وهي بتزعق:
“دي لعباك! الستات كده يوقعوا الراجل بين أمه ومراته!”

لكن المرة دي ما اهتزتش.

طلعت موبايلي.

وشغلت تسجيل صوت.

صوتها وهي بتقول لمريم:
“حتى لو تعبتي، قومي كملي طبيخ… إنتي مش جاية تتدلعي هنا.”

لون وشها اختفى.

مريم كانت مسجلة كل حاجة.

مش عشان تفضحها…

لكن لأنها كانت خايفة محدش يصدقها.

بصيت لأمي وقلت:
“أنا صدقتها أخيرًا.”

ولأول مرة شفت الخوف في عين أمي.

مش خوف إنها تخسر البيت.

خوف إنها تخسر السيطرة.

لكن كان فات الأوان.

نزلت شنطها عند الباب.

ولما حاولت تصرخ وتعمل دوشة قدام الجيران، قلت جملة واحدة سكتتها:
“لو ما خرجتيش دلوقتي، هفتح التسجيل ده قدام كل الناس.”

ساعتها بس سكتت.

أخدت شنطها.

وقبل ما تنزل، بصّتلي بكره وقالت:
“هتندم. مراتك هتبعدك عن أهلك.”

بصلتلها بهدوء لأول مرة في حياتي وقلت:
“الأهل عمرهم ما يكسّروا بعض بالطريقة دي.”

وقفلت الباب.

المرة دي للأبد.

عدّى شهر.

البيت بقى هادي.

هادئ بشكل غريب لدرجة إننا في الأول ماكناش مصدقين.

مريم بدأت ترجع تضحك تاني.

لون وشها رجع.

وياسين بقى ينام مرتاح.

وفي يوم، كنت قاعد جنبهم على الكنبة، ومريم نايمة وسندة راسها على كتفي، وابني نايم على صدرها.

وفجأة افتكرت صوت أمي وهي بتقول:
“الأم عمرها ما تسيب ابنها وقت شدته.”

وساعتها بس فهمت الحقيقة.

مش كل أم ينفع تبقى أمان.

وفي ناس مجرد إنك تفتح لهم باب بيتك، يبقى أكبر غلطة في عمرك.

لكن الحمد لله…

إني صحيت قبل ما أخسر مراتي للأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *