اول صباح في بيتي الجديد

أول صباح صحيت فيه في بيتي الجديد، كان البحر الأحمر قدام عيني ملوش آخر. المياه الزرقاء الصافية ممتدة ورا الشبابيك الكبيرة، والهوا فيه ريحة اليود والهدوء اللي كنت محرومة منهم لسنين. لأول مرة حسيت إن حياتي ملكي أنا بس.

​أنا اسمي تيسير.. والبيت ده عبارة عن فيلا صغيرة دورين في الجونة. مكنش قصر، بس بالنسبة لي كان الجنة على الأرض؛ تلات أوض نوم، شبابيك واسعة، ريسيبشن كبير، وتراس باصص على البحر مباشرة.

​أنا دفعت تمن الفيلا دي بالكامل كاش — 20 مليون جنيه — من ورث جدتي اللي سابتهولي.

ولا جنيه واحد من تمنها جه من جيب جوزي.

​جدتي تيتا عايدة مكانش باين عليها الغنى أبداً، كانت ست بسيطة جداً، بتلبس لبس عادي، وتتحايل على السوبرماركت في العروض، وبتسوق نفس العربية الشاهين الزرقاء بقالها عشرين سنة. لكنها كانت بتستثمر وتتحوش في صمت ومن غير ما حد يحس.

​لما اتوفت، سابتلي حساب بنكي مقفول باسمي، ومعاه جواب مكتوب بخط إيدها:

”ابني لنفسك حياة مفيش مخلوق يقدر ياخدها منك يا تيسير.”

وقتها كنت فاكرة إنها بتتكلم عن الأمان المادي بس.. مكنتش أعرف إنها بتحذرني من البشر!

​الجوازة اللي كنت شايلاها لوحدي

​أنا متجوزة من شريف بقالي حوالي تمان سنين.

أول ما عرفته، كان شريف شخص جذاب، واثق من نفسه، وعنده طموحات ومشاريع تملى البلد. كان بيكلمني عن مكاتب العقارات اللي هيفتحها، والأراضي اللي هيستثمر فيها، والمستقبل المبهر اللي هيعملهولنا. صدقته لأني كنت عايزة أصدقه.

​لكن شريف كان بيحب “منظر” النجاح والمنظرة أكتر من السعي والشغل نفسه. أول ما كان يجيله قرشين عمولة من أي بيعة، يطيرهم في ثواني؛ يشتري بدل براندات غالية، يشترك في نوادي لرجال الأعمال، ويأجر عربيات فارهة مش محتاجينها.. وكان دايماً مبرره: “يا تيسير لازم تباني ناجحة عشان الناس تعاملك كأنك ناجحة!”

​في المقابل، أنا اللي كنت بدفع مصاريف بيتنا وإيجار شقتنا في القاهرة وأكلنا وشربنا من مرتبي كـ “محللة مالية” في بنك كبير. وكل ما أكلمه في المصاريف يقولي إنتي نكدية وبتهدي طموحي.

​والدته، سهير هانم (حماتي)، كانت بتبصم على كل كلامه. بالنسبة لها شريف ده عبقري زمانه اللي السوق مش مقدره. أي مشروع يفشل يبقى بسبب حسد الناس، وأي وصل أمانة ميتدفعش يبقى سوء تفاهم بسيط! وكانت شايفة إن كوني مراته يعني أنا موجودة عشان أخدمه وأخدمها هي شخصياً.

​في الأعياد والمناسبات، كانت بتيجي تقعد حاطة رجل على رجل وتؤمرني أطبخ وتنتقد أكلي، وتدخل شقتي تغير الديكور وتشتكي من ذوقي. وشريف؟ عمره ما دافع عني بكلمة.. دايماً يقولي: “دي أمي يا تيسير، عدي عشان الدنيا تمشي.”

وكان يقصد: “عدي عشان أنا دماغي تريح”.

​الشراء في صمت

​لما ورثت تيتا عايدة، مقلتش لـ شريف على الرقم الحقيقي للورث. كنت عرفت طبعه كفاية وأدركت إن الفلوس بتغير نظرته للناس؛ هو مش بيشوف التحويشة أمان.. بيشوفها فلوس مستنية تتصرف.

​شلت الفلوس في حساب منفصل، واستشرت محامي شاطر قبل ما أشتري فيلا الجونة. الفيلا اتسجلت باسمي بالكامل (عقد أخضر)، وكل مليم اتدفع من حسابي الشخصي. شريف كان عارف إني بشتري بيت، بس كان فاكر إننا واخدين قرض بضمان مرتبه ومستقبله في السوق.. وأنا مصلحتلوش المعلومة!

​كان جوايا أمل صغير إن البيت الجديد يرجع الروح لجوازنا؛ نتفسح على البحر ونقعد قدام الغروب في هدوء. حتى إني جهزت أوضة للضيوف لـ حماتي سهير هانم عشان عارفة إنها هتيجي تزورنا. اخترت ملايات الأوضة شيك جداً، وحطيت ورد فريش، وجبت الكرسي الهزاز اللي كانت دايماً بتقول إنها بتتمناه في بيتها.. كنت بحاول أكون كريمة وطيبة معاها.

لكن شريف وأمه فهموا الكرم ده على إنه ضعف واستسلام.

​اليوم الموعود

​بعد تلات أيام بالظبط من استلامي مفتاح الفيلا، لقيت شريف داخل بعربيته الـ SUV الفارهة (اللي مأجرها بالتقسيط)، وجنبه أمه سهير هانم في الكرسي القدامي. شنط السفر والكراتين والأكياس كانت مالية الشنطة الكبيرة وكنبة العربية ورا.

​نزلت وبصيت للمنظر بذهول: “هو فيه إيه؟ ليه مامتك جايبة كل حاجتها وهدومها دي؟”

شريف نزل بابتسامة عريضة كأنه عامل مفاجأة العمر: “أصل أمي عقد إيجار شقتها خلص.. وهتقعد معانا هنا على طول يا حبيبتي.”

سهير هانم دخلت من جنبي من غير حتى ما تقول “سلام عليكم”، وبصت للريسيبشن والفيلا وهزت راسها برضا: “لأ.. أحسن مما كنت متوقعة بكتير. طول عمري عارفة إنك يا شريف هتعوضني ببيت يليق بمقامنا.”

​تيسير: “بس شريف مش هو اللي اشترى الفيلا دي يا طنط.. أنا اللي اشتريتها بفلوسي.”

سهير هانم ضحكت بتريقة: “طبعاً يا حبيبتي.. إمضي واكتبي ورق براحتك، بس الكل عارف إن لولا اسم شريف وشغله مكنتيش تحلمي ببيت زي ده.”

شريف هرب بعينه مني، وحط إيده على كتف أمه: “بلاش كلام في تفاصيل تضايقنا في أول يوم.. تعالي يا أمي اطلعي معايا الأوضة الماستر اللي فوق شوفي الفيو العبقري بتاع البحر.”

جريت وراهم بسرعة: “أوضة الضيوف تحت يا شريف.. أنا مجهزاها لطنط مخصوص.”

شريف كمل مشي لفوق وقال ببرود: “أمي محتاجة مساحة أكبر يا تيسير.”

​هدومي على الأرض في الممر!

​لما طلعت وراهم الأوضة الماستر، لقيت سهير هانم بتفتح الدولاب بتاعي وبتمشي صوابعها على الرفوف الخشب وبتبص للبحر من الشباك: “الأوضة دي وهمية.. أنا هاخدها.”

افتكرتها بتهزر: “لأ طبعاً يا طنط.. دي الأوضة الرئيسية بتاعتي أنا وشريف. أوضتك الناحية التانية مجهزة بالكامل.”

سهير هانم وشها اتقلب بغضب: “الأوضة التانية باصة على الجنينة والشجر! أنا جاية الجونة عشان أقعد قدام البحر.. عايزاني أنام في الأوضة الوحشة؟”

تيسير: “دي مش وحشة! دي فيها حمام خاص ودولاب كبير جداً!”

​شريف اتنهد بزهق: “تيسير.. أمي كانت مضغوطة الفترة اللي فاتت، خليها تنبسط بالبحر شوية.”

بصيتله وسألته: “وأنا وأنت هننام فين إن شاء الله؟”

رد عليا بمنتهى البساطة: “أنا هنام مع أمي في الأوضة هنا عشان متقعدش لوحدها وتخاف.. وأنتي انزلي نامي على كنب الريسيبشن تحت لحد ما نشوف ترتيب تاني!”

​وقفت مذهولة ومبرقة عيني مستنياه يضحك أو يقول إنه مقلب.. مضحكش!

لقيت حماتي بتشد الفساتين والهدوم بتاعتي من الشماعات في الدولاب، وتحطهم على دراعها، وتخرج بيهم للممر برة وتدلقهم على الأرض جنب السلم كأنهم غسيل وسخ! ووراهم جزمة وعلبة مكياجي وشنطة إيدي.

ساعتها.. فيه حاجة جوايا اتكسرت، واتحول كل الوجع لبرود تام.

​قرار الـ 30 دقيقة

​أنا قضيت سنين بحاول أشرح لـ شريف مشاعري، وبترجاه يحترم ميزانيتنا، وبطلب منه يحط حدود مع والدته ويعاملني كشريكة حياته مش كخدامة عنده.. وكل مرة كان بيبكّيني ويطلعني نكدية ومريضة نفسياً لحد ما أعتذر أنا في الآخر!

لكن الست الضعيفة دي ماتت في اللحظة دي.

بصيت في ساعتي.. كانت 3:20 العصر.

​تيسير: “قدامكم بالظبط 30 دقيقة تلموا كراتينكم وهدومكم وتطلعوا برة بيتي.”

شريف لف وبصلي باستخفاف: “بيتك؟ إنتي اتجننتي يا تيسير؟ روحي انزلي تحت اغسلي وشك واهدي وبلاش جو دراما الأفلام ده.”

تيسير: “أنا هادية جداً.”

شريف: “ده بيتنا إحنا الاتنين كأزواج.. إنتي قانوناً متقدريش تطردي جوزك!”

​طلعت فايل المستندات وعقد الفيلا المسجل من الشنطة:

”البيت ده مدفوع تمنه بالكامل من حساب ورث جدتي المقفول والمحمي بالقانون. اسمك مش موجود لا في العقد، ولا في التوكيلات، ولا في أوراق البيع، ولا حتى في فواتير الكهرباء.”

وشه اتقلب وجسمه تشنج: “إنتي كتبتي الفيلا باسمك لوحدك من ورايا؟!”

سهير هانم اتدخلت: “شريف جوزك يا هانم! يعني كل اللي تملكيه بتاعه وباسم عيلته!”

تيسير: “القانون والعقود دي مبتقولش كدا يا سهير هانم.”

شريف بغضب: “إنتي طلعتي خاينة وبتلعبي من ورايا!”

ضحكت بمرارة: “أنت لسه رامي هدومي في الممر ومنيم والدتك في أوضتي من غير ما تسألني.. ومفيش دقيقة فكرت فيها في كرامتي، متكلمنيش عن الأمانة والخيانه.”

​الأمن والمحامي على الباب

​شريف وأمه قفلوا الباب ورفضوا يلموا حاجتهم، وكنت سامعة أمه من ورا الباب بتسخن عليا وتقول: “طول عمرها أنانية وناكرة للجميل.. كان لازم تاخد منها الفلوس دي وتحجر عليها من زمان.”

وكان شريف بيرد بصوت واطي: “متخافيش يا أمي.. هي ساعة زمن وهتهدا زي كل مرة وتيجي تبوس إيدك.”

​لكن تيسير القديمة ماتت خلاص.

الساعة 3:35.. كلمت أمن الكومباوند في الجونة، وبلغتهم إن فيه شخصين غراب في بيتي ورافضين يخرجوا.

وبعدها كلمت المحامي بتاعي اللي كان مجهزلي ورق دعوى الخلع والانفصال لأن قلبي كان حاسس إن اليوم ده جاي جاي.

الساعة 3:45.. دخلت على أبليكيشن البيت الذكي ومسحت بصمة شريف والرمز السري بتاعه من البوابة الخارجية.

​الساعة 3:49.. شريف نزل وهو ماسك تليفونه وبيزعق: “أنا كلمت صاحبي المستشار وقالي إنك مش هتقدري تلمسي البيت ده في المحكمة وهيبقا حقي طالما أنا جوزك!”

تيسير: “صاحبك ده حمار ومبيفهمش قانون.. اسأله كدا عن فلوس الورث الشخصي بتتقسم في الطلاق ولا لأ.”

شريف: “أنا اللي عملتلك قيمة.. إنتي من غيري ولا حاجة!”

تيسير ببرود: “خلاص، طالما أنا ولا حاجة، الخروج من حياتي سهل.. روح اعمل لنفسك قيمة بعيد عني.”

​الساعة 3:50 بالظبط.. وصل أمن الكومباوند، والمحامي بتاعي كان معاهم على الفيديو كول.

شريف حاول فجأة يقلب وش الخشب لوش مهذب ولطيف، وقال للأمن دي مشاكل عائلية بسيطة وإحنا بنحلها والست دي والدتي وبتزورنا.

في اللحظة دي.. سهير هانم نزلت من فوق وهي لابسة الروب الكشمير الأبيض بتاعي الشخصي!

الأمن بصلها وبص للهدوم اللي مرمية على الأرض جنب السلم.

فرد الأمن: “يا فندم.. الست دي معزومة هنا بشكل رسمي؟”

سهير هانم: “ابني هو اللي عزمني في بيته!”

فرد الأمن وجه كلامه ليا: “يا فندم.. حضرتك وافقتي على قعدتها هنا؟”

تيسير: “لأ.. أنا عزمتها تقعد في أوضة الضيوف يومين زيارة، قامت رميت هدومي على السلم واحتلت أوضتي الشخصية هي وابنها وطردتني على الكنبة.. والبيت بتاعي لوحدي.”

​المحامي وراهم العقود المسجلة والتوكيلات الرسمية على الشاشة، وأكد للأمن إن شريف ملوش أي صفة قانونية في المكان.

الأمن وجه لـ شريف وأمه كلام حاسم وباحترام: “يا فندم لموا حاجتكم واخرجوا بهدوء لو سمحتوا عشان م نضطرش نطلب البوليس ونعمل مذكرة تهجم.”

سهير هانم قعدت تصرخ وتدعي عليا وتشتكي من بهدلة الشنط والكراتين، وشريف واقف بيبصلي بذهول كأنه شايف ست غريبة لأول مرة في حياته.. وبصراحة، وأنا كمان كنت شايفة نفسي لأول مرة كدا.

​تليفون نص الليل

​بالليل.. الفيلا بقت هادية وجميلة.

لميت هدومي من الممر ورجعتها الدولاب، وفتحت كل الشبابيك عشان هوا البحر الأحمر الصافي يطرد ريحتهم من البيت.

حوالي الساعة 12 بالليل.. تليفوني رن وكان شريف. سبته يرن مرتين تلاتة ورديت ببرود.

صوته كان تعبان ومكسور: “أنا وأمي نايمين في لوكاندة تعبانة أوي على طريق السويس.. أمي مش مرتاحة والأوضة ضيقة ومفيهاش تكييف كويس.”

مسكت نفسي ومردتش.

​شريف: “أنا عارف إن موضوع الأوضة كان غبي واتصرفنا فيه غلط.. بس إنتي كبرتي الموضوع أوي ورد فعلك كان عنيف. نقدر نصلح كل حاجة على فكرة.”

تيسير: “هتصلح إيه بالظبط يا شريف؟”

شريف: “أمي ممكن تاخد أي أوضة تانية عادي.”

تيسير: “ده كان العرض من الأول قبل ما تيجوا وتطردوني من أوضتي.. دلوقتي مفيش عروض.”

شريف بصوت باكي: “يعني بتهدي بيتنا وتنهي جوازنا عشان أوضة نوم؟!”

تيسير: “بنهيه لأنك استكترت عليا أنام في أوضة في بيت بفلوسي وورث جدتي.. وكنت مستعد تلغيني وتمسح كرامتي في الأرض عشان ترضي مامتك.. الست اللي تقبل بكده ماتت.”

قفلت السكة في وشه.. وبصيت للبحر والهدوء، ومحستش بأي ندم.

​النهاية والبداية الجديدة

​بعد أربع شهور.. الخلع تّم بشكل رسمي.

المحامي بتاعي اكتشف مصيبة تانية؛ شريف السنة اللي فاتت كان مقدم على قروض بضمان تقديرات ورثي من غير ما أعرف، وكان بيوعد شريكه إن فيلا الجونة هتبقا رهن لمشروع جديد ليهم!

المعلومة دي طيرت أي ذنب كان ممكن أحس بيه.. شريف مكنش غبي أو مش فاهمني، شريف كان مستغل ومستهون بيا.

​شريف طبعاً خرج من القض*ية بهدومه وديونه ومأجر عربية مش قادر يدفع قسطها، وأمه رجعت لشقة قانون قديم ضيقة في شبرا ولسه بتدعي عليا في الرايحة والجاية وتقول للناس إني سرقت شقا ابنها!

​أنا حولت أوضة الضيوف لمكتب خاص بيا بشتغل فيه، وغيرت سجاد وملايات الأوضة الماستر، واتبرعت بالروب اللي حماتي لبسته. وبروزت جواب تيتا عايدة وحطيته على الكومودينو جنب سريري عشان أقرأ الجملة دي كل يوم الصبح:

”ابني لنفسك حياة مفيش مخلوق يقدر ياخدها منك يا تيسير.”

​دلوقتي بس فهمت قصدها؛ الأمان مش مجرد فلوس وبيت باسمك.. الأمان الحقيقي هو حدودك اللي بتمنع أي شخص مهين إنه يخطى عتبة حياتك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *