طول عمر أختي “صفاء” كانت بتقولي الكلمة دي وهي بتبص لمراتي “هدى” من فوق لتحت: “أنت كتير عليها يا كريم / اماني سيد

مرت سنة كاملة على اليوم اللي هدى مشيت فيه. سنة كاملة وأنا عايش في دوامة مابتنتهيش، بحاول أقنع نفسي كل يوم الصبح قدام المراية إني مخسرتش حاجة، إني البشمهندس كريم اللي ألف ست تتمناه، بس الحقيقة المرّة كانت بتفرش نفسها قدامي أول ما الليل يدخل والشقة تضلم.
علاقتي بمروة بقت عاملة زي صفقة تجارية خسرانة، مفيش فيها روح. كل نقاش بيننا بيتحول لخناقة على مين بيدفع إيه، ومين برستيجه أعلى قدام زمايله في الشركة. مفيش مرة رجعت فيها البيت ولقيت ضحكة صافية أو لمة دافية. حتى أختي صفاء، ملامحها الشمتانة بدأت تختفي وظهر مكانها الخوف لما لقتني بقيت عصبي، ومبقتش أستحمل منها كلمة واحدة عن حياتي الشخصية. طردتها من بيتي في آخر مرة جت تذم في هدى، وقلت لها: “أنتِ اللي خربتي بيتي.. اقعدي في غلك ده بعيد عني”.
في يوم من الأيام، كان عندنا اجتماع مجلس إدارة طارئ في الشركة عشان نجدد عقود الشحن والخدمات اللوجستية مع الشركة الكبيرة اللي بنتعامل معاها. دخلت قاعة الاجتماعات، رتبت أوراقي، وقعدت مستني وفد الشركة التانية يدخل.
الباب اتفتح، ودخل مدير عام شركة الشحن، ووراه.. “هدى”.
قلبي اتقلع من مكانه. رجلي مكنتش شايلاني وأنا بقوم أقف زي بقية المهندسين عشان نرحب بيهم. هدى كانت لابسة بدلة فورمال شيك جداً باللون الكحلي، لافة طرحتها بنظام، وماسكة تابلت في إيدها. ملامحها اللي كانت دايماً مطفية ومكسورة تحت عيني وعين أختي، بقت مشعة، عينيها فيها لمعة ذكاء وفخر تخطف العين.
المدير بتاعي اتكلم وقال: “أقدم لكم الأستاذة هدى، رئيسة قطاع التعاقدات الجديدة عندنا، وهي اللي أشرفت بنفسها على بنود العقد الجديد وهتعرضها عليكم”.
هدى بصت في القاعة، عينيها جت في عيني لثانية واحدة.. ثانية واحدة بس، مكنش فيها غل، ولا شماتة، ولا حتى عتاب. كانت نظرة غريب بيشوف غريب في إشارة مرور.. نظرة مفيش فيها أي مشاعر، وده كان أصعب عقاب دوقته في حياتي. السكوت والانكسار القديم اتمحى، وحل محله برود وثقة هزتني من جوايا.
بدأت تتكلم بنبرة صوت قوية، واثقة، ومخارج حروفها مظبوطة. كانت بتشرح بنود العقد باللغة الإنجليزية في وسط الكلام بسلاسة، وبتناقش مديرين شركتنا في أرقام ونسب بكل ذكاء. وأنا؟ أنا كنت قاعد على الكرسي حاسس إني صغرت أوي، صغرت لدرجة إني مكنتش قادر أرفع عيني في عينها. كنت بفتكر لما أختي قالت “أخرك حدود المطبخ”، ولما أنا ضحكت وقلت “الحمد لله إنها لاقية مطبخ تقف فيه”. النهاردة هدى واقفة في قاعة اجتماعات أكبر شركة في البلد، والكل بيسمع لها بإنصات واحترام.


