طول عمر أختي “صفاء” كانت بتقولي الكلمة دي وهي بتبص لمراتي “هدى” من فوق لتحت: “أنت كتير عليها يا كريم / اماني سيد

بعد ما الاجتماع خلص والكل وافق على شروطها وأشادوا بذكائها، المدير بتاعي قرب مني وقال بابتسامة: “شايف يا كريم الستات الناجحة؟ دي اللي يتشال اسمها على الرأس وتشرف أي مكان تدخل فيه.. مش زي ستات اليومين دول اللي موراهمش غير المظاهر”.
الكلمة نزلت عليا زي المية المغلية. ميعرفش إن الست دي كانت في بيتي، وكانت بتستحمل قسوتي وإهاناتي، وكانت بتغسل لي هدومي وبتستناني بأكل سخن، وأنا اللي رميتها بإيديا عشان أدور على “المستوى” اللي يعجب أختي.
خرجت وراها بسرعة قبل ما تركب الأسانسير. ناديت عليها وصوتي بيترعش وسط الممر: “هدى..!”
وقفت، والتفتت ليا بكل هدوء ووقار. رفعت حاجبها وقالت بنبرة رسمية جافة: “أفندم يا بشمهندس كريم؟ فيه أي استفسار بخصوص بنود التعاقد مش واضح؟”
كنت عايز أصرخ، أعيط، أقولها سامحيني، أنا غبي وعميتني السيطرة الكدابة. قلت لها بنبرة مكسورة: “هدى.. أنتِ وصلتي لكل ده إزاي؟ وليه مكنتيش بتوريني الوش ده وأنتِ معايا؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة كلها وجع قديم اتعافى منه خلاص، وقالت بصوت واطي ومسموع: “عشان معاك يا كريم، مكنش فيه مساحة للوش ده إنه يظهر. أنت وأختك كنتوا بتدوسوا على أي حاجة حلوة جوايا لمجرد إنكم تحسوا بالتميز. كنت بقوم بالليل وأنت نايم، أو وأنت بايت برة عند مراتك، أذاكر وأمتحن وأسعى، عشان كنت عارفة إن اليوم ده جاي.. يوم ما أقف على رجلي ومحتاجش لجميلة حد”.
سكتت ثانية، وبصت لساعتها، وبعدين رفعت عينيها في عيني وقالت الكلمة اللي قت/لت آخر حتة كبرياء جوايا: “المركب اللي بتمشي بالذل والغصب بتغرق يا بشمهندس. وأنا غرقت معاك كتير، وجه الوقت اللي أتنفس فيه. عن إذنك ورايا اجتماع تاني”.
سابتني ومشيت، كعب جزمتها كان بيخبط على الأرض وكأنه بيخبط على قلبي اللي اتفرفد ميت حتة. وقفت مكاني وأنا شايفها بتبعد، وعرفت وقتها اليقين اللي مفيش بعده شك..
أنا مكنتش المنقذ ولا كنت كتير عليها.. أنا كنت السجان الغبي اللي قفل على جوهرة، ولما الجوهرة دي لقت الباب مفتوح، طارت وبقت في السما، وسابتني أنا هنا.. مدفون في حارة غسيلي، وندمي، وعمري اللي ضاع في المظاهر الكدابة.
ركبت عربيتي وأنا مش شايف طريقي من كتر الدموع اللي مالية عيني. كنت سايق بلا هدف، الشوارع واسعة حواليا بس الدنيا في عيني أضيق من خرم إبرة. كلامها كان بيلف في دماغي زي الأسطوانة المشروخة: “معاك يا كريم مكنش فيه مساحة للوش ده إنه يظهر”.


