طول عمر أختي “صفاء” كانت بتقولي الكلمة دي وهي بتبص لمراتي “هدى” من فوق لتحت: “أنت كتير عليها يا كريم / اماني سيد

بقى يومي عبارة عن طقوس ميتة؛ أصحى الصبح أروح الشركة، أخلص شغلي، وأرجع لبيت فاضي وموحش. السكوت اللي في الجدران كان بياكل فيا. بقيت أدخل المطبخ عشان أعمل لنفسي كارتون جاهز أو كوباية قهوة، فأفتكرها وهي واقفة وسط الدخان بتمسح عرقها وتداري دموعها عشان تعملي الأكل اللي يرضيني بعد ما أهنتها. بقيت أبص للكنبة اللي كنت بقعد عليها وأنا برمي في وشها خبر جوازي ببرود، وأتحسر على غبائي.

أختي صفاء حاولت تكلمني كذا مرة، كانت بتبعت لي رسايل تقولي: “يا كريم فداك مروة وأيامها، بكره نلاقيلك ست ستها، واحدة تشيلك في عينيها وتعرف قيمتك”. مكنتش برد عليها، وفي الآخر عملت لها بلوك هي كمان. صفاء مكنتش شايفة إن “ست ستها” دي كانت تحت إيدينا وإحنا اللي ردمنا عليها بالتراب.

في يوم جمعة، وأنا قاعد في الصالة لوحدي، تليفوني رن.. كان رقم غريب.

رديت بصوت مطفي: “أيوة، مين معايا؟”

جالي صوت من الناحية التانية، صوت صغير وحنين، قلب كياني كله: “بابا.. أنا مازن”.

دموعي نزلت فوراً من غير ما أحس، صوته كان بقالي شهور مسمعتوش غير من بعيد في النادي تحت عيون أخو هدى.

قلت له بصوت بيترعش: “مازن! حبيبي.. عامل إيه يا روح بابا؟ أختك جودي عاملة إيه؟”

مازن قال ببراءة الأطفال: “إحنا كويسين يا بابا.. أنا بكلمك من تليفون مامي في السكتة وهي في المطبخ بتعملنا كيكة. بابا.. أنت مش بتيجي تقعد معانا ليه؟ إحنا شقتنا الجديدة حلوة أوي، ومامي جابتلي سري ب دورين أنا وجودي، بس أنا نفسي تيجي تشوف لُعبي الجديدة”.

قبل ما أرد عليه وأقوله إني مستعد أجيله زحف، سمعت صوت هدى في الخلفية.. صوتها الهادي اللي مبقاش فيه أي نبرة خوف. كانت بتقوله: “مازن.. بتكلم مين يا حبيبي؟”

الصوت قطع فجأة، والتليفون اتمسح.

قعدت مكاني وأنا بنهج، حاسس إن روحي ردت فيا لمجرد إني سمعت صوت ابني وصوتها وهي بتتحرك في بيتها الجديد بأمان. أخدت المفاتيح ونزلت فوراً، مكنتش قادر أقعد مكاني ثانية واحدة. ركبت العربية ورحت على العنوان اللي عرفته من قضايا المحاكم.. شقتها الجديدة.

وصلت قدام العمارة، مكنتش عمارتنا الراقية اللي في الكومباوند، كانت عمارة بسيطة في منطقة متوسطة، بس نظيفة وهادية. وقفت تحت في الشارع، باصص للبلكونة بتاعتها في الدور الثالث. كانت منورة، وفيها قفص عصافير وزرع أخضر صغير.. زرع بيفكرني بالزرع اللي كانت بتحاول تزرعه في بلكونتنا وزمان كنت بزعق وأقولها “بتوسخي البلاط بالطين”. هنا، الزرع كان باين عليه الرعاية والاهتمام، زيها بالظبط.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *