بنتي قالتلي إن صاحبتها “ريحتها غريبة”
سألت برعب: “بتاع أسود إيه؟”
كاميلّا بصتلي بعينين مليانين دموع وقالت وهي بتشاور على دراع صوفي:
“زي حرقه… أو عضة… مش عارفة، بس كل يوم بتكبر”.
الست شدّت صوفي بعنف أكتر وقالت بعصبية:
“البنت دي بتألف! وسيبوا بنتي في حالها”.
لكن صوفي في اللحظة دي صرخت لأول مرة.
صرخة طالعة من قلبها، مش من زورها.
صرخة خلت كل اللي واقفين يسكتوا.
“أنا مش بنتها!”
الدنيا كلها وقفت.
حتى صوت الأغاني اللي كان شغال في حفلة المدرسة حسيت إنه اختفى.
الست بصتلها بصدمة للحظة، وبعدها وشها قلب بطريقة مخيفة، وقالت بسرعة:
“ما تسمعوش كلامها، دي عندها مشاكل نفسية”.
بس صوفي كانت خلاص انهارت.
وقعت على الأرض وهي بتعيط وتشهق:
“هي قالتلي لو اتكلمت هتحبسني في الضلمة تاني…”
جسمي تلج.
حرفيًا تلج.
ميس ميلر رجعت لورا بخوف، وأنا قربت من صوفي بسرعة وضمّيتها.
ريحة العفن اللي كاميلّا وصفتها ضربت في مناخيري بوضوح أول ما قربت منها قوي… وكانت طالعة من الشنطة.
الشنطة نفسها.
صوفي اتشبثت بيا فجأة وهمست:
“متخليهاش تاخده”.
الست جريت ناحيتنا بعصبية:
“هاتيلها الشنطة فورًا!”
بس كاميلّا كانت أسرع.
خدت الشنطة وجريت بيها بعيد وهي بتصرخ:
“حد يطلب البوليس!”
الناس بدأت تتحرك أخيرًا.
واحد طلع موبايله، واحدة حضنت صوفي، والست حاولت تجري ناحية البوابة.
بس واحد من الآباء وقف قدامها ومنعها.
أنا فتحت الشنطة.
ولحد النهارده… نفسي أنسى اللي شوفته جواها.
كان فيها علب أكل متعفنة.
ساندوتشات قديمة عليها فطريات.
قطع لحمة سودا.
وزجاجات لبن بايظ.
وفي القاع…
كان فيه سلسلة حديد صغيرة.
بسلسلة قفل.
ومع أول لحظة شوفتها فيها، صوفي بدأت تصرخ بطريقة هستيرية:
“لااااا! دخّلوني فيها تاني! دخّلوني فيها تاني!”
حضنتها جامد وأنا بحاول أهديها، لكن البنت كانت بتترعش بشكل مرعب.
الست فضلت تصرخ:
“دي كذابة! دي مجنونة!”.
لكن البوليس وصل.
وفي أقل من عشر دقايق، كل حاجة اتقلبت.
اتضح إن الست أصلًا مش أم صوفي.
كانت مرات أبوها.
وأبوها بقاله ٣ شهور مسافر شغل برا الولاية وسايب البنت معاها.
الشرطة خدت صوفي بعيد عشان الإسعاف يكشف عليها، وأنا فضلت واقفة مصدومة ومش قادرة أتحرك.
لكن الصدمة الحقيقية جات بعدها بساعات.
واحدة من الضابطات رجعتلي وقالت:
“البنت كانت محبوسة في غرفة تحت الأرض”.
بصتلها وأنا مش فاهمة.
قالت:
“في قبو تحت البيت… الست كانت بتحبسها هناك بالساعات. وكانت بتسيبلها الأكل يبوظ عمدًا. العقاب كان إنها تاكل منه”.
حسيت معدتي اتقلبت.
الكدمات اللي على جسمها؟
كانت من السلسلة.
والريحة؟
كانت من القبو نفسه… ريحة موت وعفن ورطوبة لازقة فيها.
لكن أبشع حاجة عرفناها…
إن المدرسة كانت شاكّة من شهور.
صوفي كانت بتنام في الفصل.
بتاكل أي بواقي أكل من الزبالة.
مرة اتقفشت وهي بتحط عيش ناشف في جيبها.
وفي مرة قالت للأخصائية الاجتماعية إنها بتخاف من “الضلمة اللي تحت”.
بس محدش تحرك.
كلهم اعتبروا إنها طفلة مضطربة.
أو بتبالغ.
أو محتاجة اهتمام.
ماعدا بنتي.
كاميلّا الصغيرة…
الطفلة الوحيدة اللي ريحة العفن خوّفتها بدل ما تضحك عليها.
بعد أسبوع، زرت صوفي في المستشفى.
أول ما شافتني حضنتني جامد.
وكان شعرها متغسل، ولابسة هدوم نضيفة، وريحة الشامبو طالعة منها.
بس أكتر حاجة كسرتني…
إنها سألتني بهدوء:
“هو أنا ريحتي بقت حلوة دلوقتي؟”
ووقتها مقدرتش أرد.
فضلت أعيط وبس.
بعد شهور، أبو صوفي رجع واتقبض عليه هو كمان بسبب الإهمال.
والست اتحكم عليها بالسجن سنين طويلة.
أما صوفي…
فما رجعتش البيت ده أبدًا.
وفي يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت كاميلّا قاعدة مع صوفي على الأرض في أوضتها، بيرسموا.
صوفي كانت بتضحك.
ضحكة صغيرة وخفيفة… بس حقيقية.
ولما شافتني، قامت جريت عليا وقالت:
“ماما لورا، بصّي الرسمة!”
اتجمدت مكاني.
لأن دي كانت أول مرة تناديني “ماما”.


