أنا قراية فاتحتي بعد الامتحانات يا وليد..

كتبت “علا” تلك الكلمات على شاشة المسنجر فاستقبلتها عيناي قبل أن يخفق قلبي في عنف وأعجز عن الرد لحظات ثم أسرع كاتباً:

على جثتي يا “علا” أنتِ سامعة!!

لو عايزة تتخطبي لحد تاني يبقى تقتليني الأول وبعدين تعمليها..

أنتِ فاهمة يا “علا”..

على جثتي..

​كتبت ذلك الكلام بسرعة شديدة من فرط الانفعال قبل أن تسيل دموعي على خدي وعقلي يسبح بعيداً.. تذكرت كيف تعرفت على “علا” في حفل السفارة المصرية بباريس وكيف أحببنا بعضنا من أول نظرة وكيف قضينا أسبوعاً كالأحلام طفنا فيه العاصمة الفرنسية كلها.. بقيت أنا في فرنسا لأني مقيم هناك أما هي فقد عادت إلى مصر وظل المسنجر والهاتف هما وسيلتا الاتصال بيننا.. تذكرت معاملتها معي ورقتها وحنانها وطاعتها العمياء لي ومحاولتها الدائمة لإرضائي.. كنا متفقان جيداً مع بعضنا إلى أن ظهرت العقربة “صفاء” في حياتنا وهي صديقة “علا” فأغرقت أذنها بالسموم وأوهمتها بأني لا أحبها بل ألعب بها ومتخذاً إياها تسلية لي..

​ومنذ ذلك الحين تغيرت معاملتها لي فأصبحت أكثر عصبية وأصبحت أنا كذلك عصبياً فتشاجرنا وظللنا لمدة شهر لا يكلم أحدنا الآخر إلى أن جرفني الحنين إليها واستغليت اتصالها على المسنجر كي أكلمها وأعتذر لها لكنها صدمتني بأنها ستخطب بعد الامتحانات التي ستنتهي بعد 3 أيام فقط.. فشعرت حينها بيأس قاتل فلسوء حظي انتهت مدة صلاحية جواز سفري ولم أقم بإجراءات تجديده بعد… وبينما أنا كذلك بين الحزن واليأس إذ تذكرت مقالاً قديماً نشرته إحدى الصحف الفرنسية عن ساحر فرنسي له أعمال خارقة كما أنه يقدم خدماته مجاناً فاتصلت بالصحيفة صاحبة الخبر وطلبت منها عنوان ذلك الساحر فأعطته لي وقررت أن أذهب إليه فلربما وجد حلاً لمشكلتي..

​كان الساحر يقيم في إحدى الضواحي الباريسية ووصلت إلى العنوان المحدد لكنني استغربت جداً عندما لم أرَ ناساً هناك مع إن ذلك الساحر يقدم خدماته مجاناً… ودققت الجرس ففتح لي خادم أسود اللون قادني إلى حجرة الجلوس وغاب عني لحظات ثم عاد وهو يطلب مني أن أتبعه ليقودني إلى حجرة الساحر.. ودخلت الحجرة وأحسست بالدهشة فكأني انتقلت من أوروبا إلى أفريقيا فقد كانت حجرة ذلك الساحر وكأنها قطعة من أدغال مدغشقر تفوح رائحتها بالبخور وتتلوى الأفاعي على جدرانها.. وأحسست ببعض الخوف لكن الساحر منحني ابتسامة مشجعة وطلب مني الجلوس.. وازدردت لعابي قليلاً عاجزاً عن النطق مما دفع الساحر أن يقول لي بصوت عميق:

?? pourquoi tu es la, jeune homme

​أجبته بشيء من الحرج:

اسمح لي يا سيدي ولكن بعض القراء لا يفهمون اللغة الفرنسية!

كرر الساحر بنفس ذلك الصوت العميق:

  • ​قلت لك ما سبب وجودك هنا أيها الشاب؟
  • ​المفروض أنك ساحر وتستطيع معرفة ما أريد دون أن أخبرك به.. صرخ في غضب: أنا ساحر محترم أيها الشاب ولست عرافاً أو قارئ فنجان.. بهتت لثورته المفاجئة قبل أن أقول: حسناً يا سيدي لا تغضب وسأقول لك سبب مجيئي.. ثم أخذت أقص عليه حكاية ”علا” وأشرح له المشكلة فداعب الساحر لحيته الطويلة مفكراً قبل أن يقول:
  • ​إذن فأنت هنا لسببين.. تريد الذهاب إلى مصر وإبطال الخطبة وأخذ مكان العريس..
  • ​بالضبط يا سيدي.
  • ​الطريق محفوف بالمخاطر أيها الشاب فهل أنت مستعد للمخاطرة؟
  • ​حياتي كلها فداها يا سيدي.

​صمت الساحر مرة أخرى ثم قال:

حسناً أيها الشاب انتظرني قليلاً وسأعود إليك.

واختفى فجأة عن الأنظار فظللت أنتظره واستغلت إحدى الأفاعي غياب الساحر وأرادت لدغي لكني انتبهت لها فقفزت من مكاني فزعاً.. وعاد الساحر الفرنسي بعد دقائق قليلة مقدماً إلي قارورة صغيرة تحتوي سائلاً غريباً أخضر اللون وقال لي:

ركز معي جيداً أيها الشاب.. هذا السائل تشربه لحظة وصول العريس وهو سيحولك إلى ناموسة.. تدخل الحفل وتنتظر إلى أن تراهم يستعدون لقراءة الفاتحة، تسرع إلى رقبة العريس وتلسعه هناك ثلاث مرات وهو سيكره فتاتك إلى الأبد ويتراجع عن قرار خطبته لها بعد ذلك تذهب إلى رقبة “علا” وتلسعها بدورها ثلاث مرات وهي ستحبك أكثر من الأول بعد ذلك اخرج بسرعة واختبئ وراء النخلة الكبيرة الموجودة في حديقة فيلتهم وستعود إلى شكلك الإنساني، عندها عد إلى الداخل وستجد نفسك وقد أصبحت أنت العريس وتتم قراءة فاتحتك على “علا” بل والزواج إذا أردت..

​كنت أستمع إليه مبهوراً قبل أن يضيف في حزم:

احذر جيداً أيها الشاب لو أخطأت مرحلة واحدة فستبقى حياتك كاملة على شكل ناموسة ولن يستطيع أي سحر في الدنيا إعادتك إلى حالتك الإنسانية.. فهل أنت مستعد للمخاطرة أيها الشاب..؟!

أجبته بصوت مبحوح:

مستعد يا سيدي فناولني القارورة..

أعطاني القارورة وهو يقول لي بدون اكتراث:

والآن اذهب وبعد 3 أيام أي يوم قراءة الفاتحة افتح باب منزلك واخرج فستجد نفسك في مصر لا في فرنسا وللعودة إلى باريس قل كلمة “موتابور” ثلاث مرات وستجد نفسك قد عدت.

حملت السائل الأخضر الغريب وخرجت من عنده مسرعاً ولا أكاد أصدق كل هذا الكلام الذي قاله لي… شاعراً بالذهول ومقتنعاً بأن هناك أسراراً عديدة في هذا الكون لا نعلم شيئاً عنها..

​مضت ثلاث ساعات وأنا مختبئ في مكان آمن أراقب منزل “علا” من بعيد إلى أن رأيت سيارتان تتوقفان أمامه فأيقنت أنهم أهل العريس.. وأسرعت بإخراج القارورة ثم شربت السائل الموجود فيها.. وانتابتني آلام رهيبة كامل جسدي حتى أنني أطلقت صرخة قوية وأحسست بنفسي أتقلص وأتقلص إلى أن شعرت بنفسي خفيفاً جداً بل وأطير كذلك فعرفت أن التحول قد تم بنجاح.. وأسرعت بالدخول إلى منزل “علا” الذي كان مكتظاً بالمدعوين بل ووجدت “أليسا” بنفسها هناك لإحياء حفل الخطوبة… وتتنقلت بخفة في المكان شاعراً بسعادة غامرة من هذه التجربة ومتمنياً أن يتم كل شيء على ما يرام.. وكنت أثناء طيراني أراقب الفتيات الجميلات اللاتي يملأن المكان فأحط كل مرة على كتف إحداهن عندما أتعب من التحليق..

​وأفقت من نشوتي على صوت “أليسا” وهي تغني:

مبروك عليكي عريسك الخفة…

يا عروسة يا مزينة الزفة مبروك عليكي…

وعندما انتهت منها أخذت تغني:

متزوقيني يا ماما أوام يا ماما..

ده عريسي حياخدني بالسلامة يا ماما..

​فعرفت من خلال هاتين الأغنيتين أن شيئاً ما سيحدث وفعلاً صدق استنتاجي عندما ارتفع صوت امرأة تقول:

يلا يا عريس اقعد جنب عروستك عشان نقرا الفاتحة وبعدين تلبسها الشبكة..

فانتقلت بسرعة البرق من كتف الفتاة الجميلة الذي كنت جالساً عليه إلى عنق العريس ولسعته مرتين واستعددت للثالثة التي ستجعله يكره “علا”.. وفجأة لمحتني “علا” على رقبة عريسها استعد للسعه فارتفعت يداها بسرعة وهوت بها على جسدي.. وسقطت فوراً على الأرض وقد انسحق جسدي تقريباً وأحسست بنفسي أنني أحتضر.. ولكني لم أكن أشعر بالخوف.. ولا بالحزن.. بالعكس.. كنت أشعر بسعادة كبيرة.. فأنا قد وعدتها ووفيت بوعدي.. لقد قلت لها أن عليها أن تقتلني قبل أن ترتبط بغيري.. وبالفعل.. ها قد قتلتني بيديها.. وتستعد لقراءة فاتحتها.. على جثتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *