قررت اتجوز جوز صاحبتى اللى دايما بتعايرنى انى لسه عانس
صاحبتي الأنتيم اللي مكنش وراها سيرة غير العنوسة.. كل قعدة، كل خروجة، لازم تفكرني إني لسه عانس ومحدش دق بابي. كانت بتلبس توب الحنية وهي بترميني بكلام زي السم: “يا بنتي اتجوزي أي حد، حتى لو متجوز، المهم يكون ليكي راجل يلمك بدل القعدة دي!”.
كنت بسكت وببلع الإهانة، بس مكنتش أعرف إن نصيحتها دي هتكون هي السكي..نة اللي هتدبح بيها استقرار بيتها.
بدأت الحكاية لما كانت بتتعمد تدخلنى بيتها كتير بحجة إني صاحبتها الوحيدة. كانت عايزه تعرفنى اد ايه عايشه سعيده مع جوزها، كنت بشوف جوزها، وبشوف نظراته اللي كانت بتدور على احتواء مش لاقيه عندها، وهي مشغولة بتعايرينى وبس. في يوم، وبمنتهى البرود، لقيت نفسي بنفذ نصيحتها بالحرف.. بس مع مين؟ مع جوزها هو!
بدأت الخيوط تتسحب، كلمة حلوة مني، اهتمام بتفاصيل هي نسيتها، لحد ما الراجل بقى يشوف فيا الجنة اللي نصحني أدور عليها في بيوت الناس.
الحكاية بدأت لما زادت جرعة السم في كلامها.. كانت تقعد تحط رجل على رجل في بيتها، وتبص لي بشفقة وتقول: “يا بنتي والله قلبي بيتقطع عليكي، القطر بيفوت والوحدة وحشة.. اتجوزي أي حد، حتى لو متجوز، المهم تلاقي راجل يلمك بدل ما تعجزي لوحدك!”.
كنت ببتسم بوجع وأنا شايفة جوزها قاعد في الركن، سامع كلامها وعينه بتلمع بكسوف منها، وكأنه بيقولي أنا آسف على قلة ذوقها. في اللحظة دي، الشيطان لعب في دماغي، قولت لنفسي مش هي اللي نصحتني؟ خلاص، أنا هقبل النصيحة.. ومن بيتها بالظبط!
بدأت الخطة بنظرة.. نظرة فيها تقدير لرجولته اللي هي كانت بتدفنها بلسانها الطويل. بدأت أهتم بالتفاصيل اللي هي نساها؛ كوباية الشاي المظبوطة، الكلمة الحلوة اللي بتطبطب على تعبه، والمقارنة اللي كانت دايماً في صالحي. هو كان محتاج سكن، وهي كانت مشغولة بالمنظرة وتعييري.
وفعلاً، الراجل بدأ يميل، وبدأ يشوف فيا الست اللي بتقدره مش اللي بتهينه. وفي يوم، واحنا قاعدين لوحدنا، قالي بجملة مكنتش متوقعاها: “إنتِ الوحيدة اللي حسستيني إني راجل بجد.. مش مجرد بنك بيصرف وخلاص”.
النهاردة، أنا بفرش شقتي.. شقتي اللي في العمارة اللي وراها بالظبط. والنهاردة برضه، اتصلت بيا وهي بتعيط وبتقول لي: “الحقي يا نها، جوزي اتغير معايا وبقاله فترة مش طايق لي كلمة، تفتكري في حياته واحدة تانية؟”. رديت عليها بمنتهى البرود والثبات: “يا حبيبتي ما إنتِ اللي قولتِ لي.. الراجل المتجوز بيبقى مأوى للي ملهاش مأوى، يمكن لقى واحدة محتاجة ضل راجل، وعمل بنصيحتك!”.
قسماً بالله، حسيت بشهقتها واصلة لسماعة التليفون. الحكاية مخلصتش، الحكاية بدأت لما عرفت إن الضرة اللي كانت بتنصحني أكون هي، بقت أنا.. وفي بيتها هي.
يوم الفرح كان عبارة عن مسرحية أنا بطلتها، وهي كانت الجمهور اللي بيتحرق في صمت. كنت عارفة إنها هتيجي، أصلها صاحبتي الأنتيم ولازم توجب في فرحي، خصوصاً إني طول الفترة اللي فاتت كنت برسم عليها دور العروسة الغلبانة اللي لقت نصيبها فجأة وخايفة من الحسد، فخبيت عنها اسم العريس لحد ليلة الزفة.
دخلت القاعة، عيني كانت بتدور عليها وسط المعازيم.. وشوفتها! كانت قاعدة في أول صف، لابسة وشياكة، وباصة لي بنظرة فيها شماتة مكتومة كأنها بتقول: “أخيراً لقتي حد يلمك يا عانس.. يا ترى مين التعيس اللي رضي بيكي؟”.
أول ما مارش الزفة بدأ، ومسكت إيد عريسها اللي هو بقى عريسي، ودخلنا القاعة.. شفت وشها بيتحول من الأبيض للأصفر للأزرق. ملامحها اتجمدت، والكباية وقعت من إيدها اتكسرت ميت حتة، زي بيتها اللي كان بيتهد قدام عينها في اللحظة دي.
قربت من الكوشة وأنا ماسكة إيده بقوة، وبابتسامة نصر باردة جداً، بصيت لها وقولت بصوت واثق والكل سامع: “منورة يا حبيبتي.. شوفتي؟ عملت بنصيحتك بالحرف، ولقيت الراجل اللي يلمني ويقدرني.. وطلع قريب منك أوي زي ما كنتي بتقولي!”.
هي مكنتش قادرة تنطق، كانت بتنهج كأن الروح بتطلع منها، وبتبص لجوزها اللي كان باصص للأرض بكسوف وخزي، بس في نفس الوقت كان ماسك إيدي كأنه لقى طوق النجاة. قامت وقفت، وجت لحد الكوشة وهي بتترعش، وقالت بصوت مخنوق بالدموع: “إنتِ؟ إنتِ يا نهى؟”. رديت عليها بمنتهى الهدوء وأنا بظبط فستاني: “أنا مخدتش حاجة مش بتاعتي يا حبيبتي.. أنا أخدت الراجل اللي إنتِ كنتِ بتهينيه ليل نهار وتعايريه بوجودي. وبعدين مش إنتِ اللي كنتِ بتقوليلي اتلحلحي واتجوزي أي حد حتى لو متجوز؟ أديني سمعت الكلام، وطلعت بنت أصول وريحتك من راجل كنتِ دايماً بتشتكي منه!”.
اللحظة دي كانت تمن كل كلمة عانس قالتها لي، تمن كل نظرة شفقة بصتهالي، وتمن كل ليلة نمت فيها مقهورة من كلامها السم. طلعت هي تجري من القاعة وهي بتصوت، وأنا كملت فرحي وأنا بضحك من قلبي.. لأني عرفتها إن العنوسة كانت شرف، لكن الغدر اللي هي بدأته بكلامها، أنا نهيته بفعل خلى حياتها هي اللي عانس من السكن والمودة.
شادية مروحتش البيت، فضلت قاعدة قدام باب القاعة مستنية سامح يخرج عشان تفهم منه إزاي السك..ينة دي جاتلها من أقرب الناس ليها. أول ما خرجنا، والناس بتهنينا، هجمت عليه زي المجنونة: “يا سامح! ١٥ سنة عشرة، بتهدمهم عشان دي؟ عشان نهى اللي كنت بضحك عليها قدامك ونقول غلبانة ومستنية عدلها؟”.
سامح بصلها بمنتهى البرود، النظرة اللي بتدبح أكتر من الكلام، وقالها: “شوفتي بقى يا شادية؟ الغلبانة دي هي اللي عرفت تخليني أحس إني بني آدم تاني.. هي اللي سمعتني وإنتي كنتي مشغولة بتلقيح الكلام وعنوسة دي وجواز دي. أنا مشيت ورا نصيحتك، وقررت ألم عانس زي ما كنتي بتقولي، بس طلعت هي اللي لمّت شتاتي اللي إنتي بعترتيه”.
شادية لفت وشها ليا وعينيها كانت عبارة عن نار: “مبسوطة يا نهى؟ ليلة فرحك دي هتكون أول ليلة في خراب بيتك.. أنا مش هسكت، والولاد مش هيشوفوا أبوهم تاني طول ما إنتي في حياته”. ضحكت بدم بارد وقولت لها: “الولاد ولاد سامح يا شادية، والبيت اللي إنتي بتهددي بخرابه، هو أصلاً كان خرابة وإنتي مش دريانة.. أنا بس جيت عمرته. وبدل ما تدعي عليا، اشكريني.. أنا ريحتك من الهم اللي كنتي بتشتكي منه ليل نهار. روحي بقى يا حبيبتي ارتاحي، القعدة في البيت لوحدك بتعلم الأدب اللي إنتي نسيتيه وأنتي بتعايري في خلق الله”.
سحبت سامح من إيده وركبنا العربية، وهي فضلت واقفة في الشارع بتبص ورا الكشافات، مكسورة، وحيدة، وبتاكل في نفسها. سامح وهو سايق، بص لي وقالي: “إحنا صح يا نهى؟”. رديت عليه بثقة: “إحنا الصح الوحيد اللي حصل في حياتك يا سامح.. هي اللي رسمت الطريق ده بلسانها، وإحنا بس مشينا فيه”.
اللي حصل بعد كدة كان هو القلم اللي شادية مفاقتش منه.. تاني يوم الصبح، وأنا قاعدة في عش الزوجية الجديد مع سامح، الموبايل مبردش. شادية كانت بتبعت رسايل تهديد ووعيد، وبتألب الولاد على أبوهم. سامح كان قاعد حاطط راسه بين إيديه، باين عليه الهم، بس مش ندم.. كان خايف على حتة من قلبه اللي هما ولاده. بصيت له وقولتله بمنتهى الهدوء: “يا سامح، اللي يهدم بيت مبيعرفش يبني كرامة.. شادية بتلعب بآخر ورقة عندها وهي الولاد، عشان عارفة إنك حنين. بس هي نسيت إنها هي اللي رمتك في حضني بكلامها”.
وفعلاً، سامح خد قراره. نزل لبيته القديم عشان يلم بقية حاجته ويواجهها. أنا فضلت مستنية، قلبي كان بيدق، بس مش خوف.. كان حماس لانتصار جديد. لما رجع، كان وشه متغير. قالي: “شادية طردتني من البيت وقالت لي ولادك ميعرفوش أبوهم الخاين.. ورمت لي هدومي في الشارع قدام الجيران”. ضحكت بوجع وقولتله: “شوفت؟ لسه بتفكر في المنظرة قدام الناس حتى وهي بتخسرك. هي دي شادية اللي كانت بتعايرني بالوحدة.. دلوقتي هي اللي واقفة لوحدها بترميك للشارع”. خدته من إيده وقولتله: “هدومك اللي رمتها دي، أنا هشتريلك أحسن منها.. والبيت اللي طردتك منه، أنا هفتحلك قلبي بيت. والولاد؟ بكرة لما يكبروا هيعرفوا إن أبوهم كان بيدور على سكن مش سجانة”.
في اللحظة دي، جالي تليفون من شادية. رديت وأنا فاتحة الاسبيكر عشان سامح يسمع. كانت بتصرخ وتقول: “يا نهى، مبروك عليكي الراجل اللي ريحته كانت خنقاني، مبروك عليكي بواقي حياتي.. بكرة يلف ويرجع لي ندمان، وساعتها هقف أتفرج عليكي وأنتِ عانس للمرة التانية بس بلقب مطلقة!”. رديت عليها بمنتهى الثبات: “بواقي حياتك يا شادية هي اللي خلتني ملكة في حياته.. وإذا كنتِ شايفة إن الرجوع ندم، فده لأنك مكنتيش تعرفي قيمة الراجل اللي معاكي. أنا مش خايفة من اللقب، أنا خايفة عليكي وأنتِ قاعدة في البيت الفاضي، بتسمعي صدى صوتك وإنتي بتعايري في الناس ومحدش بيرد عليكي”. قفلت السكة، وبصيت لسامح وقولتله: “من النهاردة، إحنا صفحة جديدة.. وهي؟ هي اللي اختارت تكون هامش في حياتنا”.
الواقع كان أمرّ بكتير مما شادية تخيلت.. مرت الشهور وبدأت المؤامرات تظهر، بس المرة دي السحر انقلب على الساحر. شادية بدأت تستخدم سلا..حها المفضل: الكلام. راحت لكل قرايب سامح والجيران، وبدأت تحكي عن سامح اللي جحد العشرة. كانت فاكرة إنها بكده بتعزلنا، لكن اللي حصل كان العكس تماماً. الناس اللي كانت بتسمعها بتعايرني زمان بعنوستي، بقوا يشوفوا إن كلامها دلوقتي هو مجرد غل وقهر.
في يوم، سامح جالي ووشه مخطوف، قالي: “شادية باعتت لي محامي، طالبة مبالغ فلكية ونفقة تعجيزية، وبتقول يا الدفع يا الحبس”. بصيت له بابتسامة هادية، الابتسامة اللي كانت بتجنن شادية دايماً، وقولت له: “يا سامح، اللي بيبني بيته على الرمل، بيقع مع أول موجة. هي فاكرة إنها بتلوي دراعك بالفلوس، بس هي بتثبت لي وليك إنك كنت بالنسبة لها محفظة مش أكتر. سيب المحامين يخلصوا شغلهم، والمال اللي هي عايزة تاخده بالقهرة، بكرة تصرفه على وحدتها”.
وفعلاً، سامح دفع اللي وراه واللي قدامه عشان يشتري حريته منها، وبقينا بنبدأ من الصفر.. بس الصفر ده كان فيه روح وضحكة وسكن مكنش لاقيهم في قصر شادية.
الضربة القاضية كانت لما شادية شافتني في السوق بالصدفة. كانت شايلة أكياس تقيلة، ووشها باهت، وبان عليها الهم اللي مكنتش بتعرف تداريه بالمنظرة. وقفت قدامي وبصت لي بغل وقالت: “مبسوطة يا نهى؟ أهو خدتيه على الحديدة، وبتلفي بيه السبع لفات عشان توفروا القرش.. فين بقى الهنا اللي كنتي بتحلمي بيه؟”. رديت عليها بمنتهى الرقي وأنا ماسكة إيد سامح اللي كان واقف جنبي بيحمي ضهري: “أنا يا شادية لو أكلت عيش وملح مع سامح في عشة، هبقى أحسن منك وإنتي قاعدة في شقة فاضية بتعدي فيها الحيطان. الهنا مش في الفلوس اللي كنتي بتعايريني بقلتها، الهنا في النفس اللي بيضحك في وشي كل يوم الصبح ويقولي تسلم إيدك يا نهى. إنتي دلوقتي معاكي الشقة والعفش والفلوس.. بس معاكي مين يطبطب عليكي بالليل؟”.
سكتت، وعينيها اتملت دموع حقيقية لأول مرة.. دموع الندم مش الغل. لفت وشها ومشت وهي بتجرجر خطوتها، وفي اللحظة دي عرفت إن العانس الحقيقية هي الست اللي روحها بتعجز وهي لسه في عز شبابها بسبب لسانها. سامح بص لي وقالي: “إنتِ اللي عوضتيني عن سنين الذل يا نهى”. قولتله: “إنت اللي أثبت لي إن نصيحة شادية كانت هي باب الجنة اللي فتحتهولي وهي مش دريانة”.
مرت سنة كاملة، والحال اتقلب خالص.. شادية اللي كانت سِت الهوانم اللي بتوزع نصايح مسمومة، بقت هي الحكاية اللي الناس بتتحاكى بيها في الرايحة والجاية. الوحدة نهشت في عضمها، والبيت الكبير اللي كانت بتتحامى في حيطانه بقى عامل زي القبر، لا ونيس ولا ونيسة، والولاد كبروا وبدأوا يهربوا من نكدها ومشاكلها مع أبوهم.
في ليلة، والمطر شغال، جرس الباب خبط عندي.. فتحت لقيت شادية. منظرها كان يقطع القلب، مكسورة بجد، مفيش في عينيها ذرة الغل اللي كانت بتبرق زمان. بصت لي وقالت بصوت واطي ومبحوح: “أنا جاية ليكي إنتي يا نهى.. مش لسامح. أنا جاية أقولك إني خسرت، وخسرت بجد”. وقفت قدامها ببرود، بس كان فيه جوايا حتة وجع عليها كبني آدمة، وقولت لها: “خسرتي إيه يا شادية؟ ما إنتي معاكي الشقة والعفش والفلوس اللي حاربتي عشانهم”. ردت بدموع حقيقية: “معايا حيطان يا نهى.. معايا حيطان بتنطق بوحدتي. أنا كنت فاكرة إن الجواز منظرة ولقب، وكنت بكسر فيكي عشان أحس إني أحسن منك.. طلعتي إنتي اللي فاهمة الدنيا صح. أنا جاية أرجوكي.. قولي لسامح يرجعني، حتى لو خدامة تحت رجليكم، بس مش قادرة أعيش في البيت ده لوحدي تاني”.
في اللحظة دي سامح خرج من الأوضة، وشافها وهي بتعيط ومنهارة. بص لها نظرة طويلة، نظرة خالية من أي مشاعر، لا كره ولا حب.. مجرد شفقة. قالت له وهي بتترمي تحت رجله: “يا سامح، ارجع عشان خاطر الولاد.. ارجع واعتبرني ضرة مالهاش لزمة، بس عيش وسطنا”. سامح بصلها وهز راسه بأسى وقال الكلمة اللي نهت كل حاجة: “يا شادية، إنتي اللي علمتيني إن الراجل لازم يدور على سكن.. وإنتي كنتي سجن. السجان مبيعرفش يعيش مع المسجون اللي هرب منه ولقى الحرية. أنا دلوقتي مع نهى مش بس متجوز، أنا عايش. والرجوع ليكي معناه إني أموّت نفسي بالحيا تاني، وأنا مش هعمل كدة في نفسي ولا في نهى”.
بصت لي وهي بتستنى مني كلمة، كنت أقدر أقولها شمتانة فيكي، كنت أقدر أطلع كل وجع السنين في اللحظة دي.. بس قولت لها الجملة اللي خلصت الحساب: “يا شادية.. إنتي اللي قولتلي زمان اتلحلحي واتجوزي أي حد حتى لو متجوز.. وأنا اتلحلحت وأخدت نصيبك. ودلوقتي بقولك اتلحلحي وعيشي حياتك، بس المرة دي عيشيها بجد، من غير ما تبصي في ورقة غيرك.. يمكن تلاقي لنفسك مكان تاني غير الهامش اللي إنتي حطيتي نفسك فيه”.
خرجت شادية من حياتنا للأبد، قفلت الباب وراها وأنا حاسة إن جبل انزاح من فوق صدري. بصيت لسامح وابتسمت، وعرفت إن الدنيا سلف ودين، والكلمة اللي بتخرج من لساننا بتبقى زي الرصاصة، يا تصيب غيرك يا ترتد في قلبك.. وهي نصيحتها ارتدت في قلبها، وطيبتي وصبري هما اللي بنوا لي البيت اللي كانت بتستخسره عليا.
المفاجأة اللي محدش توقعها حصلت، شادية اللي كانت بتغني بنغمة الأم المثالية وبتحارب بالولاد، فجأة وبدون مقدمات، قلبت التربيزة على الكل. الوجع والوحدة والغيرة من حياتي أنا وسامح خلوها تاخد قرار كان الصدمة الكبيرة لينا وللناس. بعد كام شهر من زيارتها الأخيرة وكسرتها قدام باب شقتنا، عرفنا إن شادية اتجوزت! والخبر مكنش بس الجواز، الخبر إنها اتجوزت واحد مغترب وقررت تسافر معاه وتعيش حياتها بالطول وبالعرض، وكأنها كانت مستنية فرصة عشان تهرب من لقب المطلقة اللي كانت بتعايرني بيه.
واللي وجع القلب بجد، إنها في ليلة سفرها، جابت الولاد لحد باب بيتنا، ومعاهم شنط هدومهم، وقالت لسامح ببرود غريب، وكأنها بتنتقم منه ومن ولادها: “أدي ولادك يا سامح.. عيش بيهم وشيل شيلتهم. أنا حقي أعيش حياتي زي ما إنت عشت، ومش هفضل مربوطة في عيال بيفكروني بيك وبقرف السنين اللي عشتها معاك. النهاردة أنا عروسة من جديد، والماضي ده كله مش عايزة منه حاجة!”.
سامح وقف مصدوم، الولاد كانوا ماسكين في هدومه ودموعهم نازلة في صمت يقطع القلب. بص لها بذهول وقالها: “بترميهم يا شادية؟ بترميهم عشان راجل غريب؟ إنتي اللي كنتي بتعايري نهى إنها معندهاش عيال، وبتقولي إن الأمومة هي اللي بتعمل للست قيمة؟”. ضحكت بمرارة وقالت وهي بتركب تاكسي المطار: “الأمومة اللي بتذل الست مش عايزاها.. خلي نهى بقى توريني شطارتها وتربيهم، مش هي كانت عايزة تبقى الست المتجوزة؟ أديها بقت أم لولادي كمان.. مبروك عليكي الشيلة يا نهى!”.
مشيت شادية وسابت ورانا كسر في قلوب الولاد ميتصلحش. في اللحظة دي، بصيت لسامح وللولاد اللي كانوا مرعوبين، وحسيت إن ده هو الاختبار الحقيقي. قربت منهم، ووطيت لمستواهم وفتحت حضني وقولتلهم: “متقلقوش.. البيت ده بيتكم، والقلب ده سكنكم. أنا مش هعوضكم عن أمكم، بس هكون ليكم الأمان اللي هي استخسرت تدهولكم”.
سامح بص لي وعيونه مليانة دموع وامتنان، وقالي: “أنا أسف يا نهى.. شيلتك هم مش همك”. رديت عليه بثقة: “يا سامح، دي مش هم، دي نعمة.. شادية سابتلي أغلى ما تملك عشان تثبت إنها خسرانة كل حاجة، وأنا هاخد البواقي اللي هي سمّتها كدة، وأعمل منهم أحلى عيلة”.
وبكدة، شادية عاشت حياتها برا، بتدور على منظرة جديدة، وأنا بقيت الأم والست والبيت.. وعرفت إن اللي بيبني سعادته على كسر خاطر ولاده، بيفضل طول عمره عانس الروح، حتى لو اتجوز مية مرة.



