افتكروا إنها خسرت كل حاجة وهي بتوقع ورق طلاقها، بس المفاجأة كانت مستنياهم جوة المحكمة!
المحامية بتاعتي، فريدة، كانت واقفة تحت تندة المحكمة والملف في حضنها، والمطرة بتنزل من طرف شمسيتها.
طارق أول ما شافها وقف مكانه ومبقاش بيتحرك.
ولاء خدت بالها في ثواني وقالت له: “في إيه؟ مالك؟”
قال لها بسرعة زيادة عن اللزوم: “مفيش.. مفيش حاجة.”
بس أنا كنت متجوزة طارق بقالي سبع سنين، وعارفة كل تفصيلة وكل شكل لوشه، بما فيهم الوش اللي بيلبسه لما الكدبة بتاعته تبدأ تنكشف وتطلع للنور.
فريدة قربت وادتني الملف من غير ولا كلمة.
عيني طارق اتسمرت على الملف وسأل: “إيه ده؟”
بصيت له بكل برود وقلت له: “الحقيقة.”
جوة قاعة المحكمة، كل حاجة كانت ماشية بهدوء غريب. القاضي كان بيراجع ورق الاتفاق بتاع الطلاق، وطارق كان قاعد جنب ولاء اللي كل شوية تلمس دراعه كأنها عايزة تفكر الكل إنها خلاص خدته وبقى بتاعها.
وفجأة، فريدة وقفت.
وقالت: “سيادة القاضي، قبل ما نمضي على القرار النهائي، موكلتي بتقدم مستندات وأدلة بتثبت وجود أصول وممتلكات زوجية مستخبية، وتحويلات تجارية وهمية بغرض النصب، وكمان وثيقة تأمين على الحياة مش معلنة، المستفيدة الأولى منها هي الآنسة ولاء.”
إيد ولاء اتسحبت فجأة من على دراع طارق.
القاضي بص من فوق نظارته وقال: “أستاذ طارق؟”
القناع الواثق اللي طارق كان لابس اتهز واتشقق وقال: “الكلام ده ملوش أي أساس من الصحة، ده عبط!”
فريدة فتحت الملف وكملت: “من تلات شهور فاتوا، الأستاذ طارق نقل ملكية أغلبية الحصص في شركة الاستشارات بتاعته لشركة تانية وهمية باسم أخو الآنسة ولاء، ده غير إنه فضّى حسابين استثماريين بالكامل وادّعى إن الفلوس دي خسائر في الشغل.”
أمي شهقت براحة ورايا بصوت واطي.
مبصيتش ورايا، فضلت مثبتة عيني في عين طارق.
طول الشهور اللي فاتت كان فاكر سكوتي ده ضعف، ومكنش فاهم إن السكوت ساعات بيبقى مجرد وقت بنجمع فيه الأدلة.
ولاء مالت عليه ووشوشت بنبرة حادة ومرعوبة: “طارق! إيه الكلام اللي بتقوله دي؟”
مردش عليها.
في اللحظة دي فريدة حطت ورقة أخيرة على التربيزة وقالت: “وده بقى الأخطر في الملف كله.”
طارق قام نص قومة من على الكرسي وقال: “لا!”
ملامح القاضي اتغيرت وبقت حاسمة جداً وزعق: “اقعد يا أستاذ طارق!”
فريدة كملت وصوتها ثابت وزي الطلق: “بعد أربع أسابيع بالظبط من علم الأستاذ طارق بحمل مراته كريمة، عمل وثيقة تأمين خاصة على حياتها، وبعدها بفترة غير اسم المستفيد من الوثيقة من اسمه هو.. لاسم الآنسة ولاء.”
القاعة فجأة بقت زي الثلاجة، وكل حاجة اتجمدت.
ولاء اتنطرت بعيد عنه كأن جلده بيحرقها.
حطيت إيدي الاتنين على بطني وأخيراً نطقت وقلت:
“إنت مكانتش بتخطط لمستقبل معاها يا طارق.. إنت كنت بتخطط لنهايتي أنا.”
وفي اللحظة دي بالظبط، دخل اتنين ضباط مباحث جو9ة قاعة المحكمة.
وواحد منهم كان ماسك في إيده تليفون طارق المستخبي اللي كان بيدور عليه.
الضابط الكبير قرب من طارق وبص له بنظرة حادة، ورفع التليفون الصغير المستخبي وقال بنبرة مفيهاش أي هزار: “أستاذ طارق، التليفون ده عليه كل المحادثات والرسائل والاتفاقات اللي تمت بينك وبين أطراف تانية، وكمان تفاصيل وثيقة التأمين المشبوهة. اتفضل معانا من غير شوشرة.”
طارق رجع لورا خطوة، وشه كان شاحب زي الأموات، وحاول يتكلم بس الكلمات تاهت في بقه: “يا فندم.. دي.. دي مؤامرة من طليقتي عشان تدمرني.. الكلام ده مش حقيقي!”
ولاء أول ما شافت الضباط والكلبشات طلعت، بدأت تصرخ وبعيدت عنه خالص وهي بترتعش: “أنا ماليش دعوة! أنا معرفش حاجة عن موضوع التأمين ده! هو اللي قالي إنه هيأمن مستقبلنا، ومكنتش أعرف إنه ناوي يعمل حاجة لكريمة! أنا بريئة يا سيادة القاضي!”
القاضي خبط بالشاكوش بقوة وهز القاعة بصوته الحاسم: “هدوء في القاعة! يتم التحفظ على المتهم طارق، وتأجيل النطق بالحكم النهائي في قض*ية الطلاق والنفقة لحين انتهاء تحقيقات النيابة العامة في الشق الجنائي المنسوب إليه.”
الضباط مسكوا طارق من دراعه وكلبشوه وسط ذهوله التام، القناع اللي عاش بيه سنين اتمسح في لحظة، وبقى شكله مجرد مجرم صغير اتقبض عليه متلبس. وهو خارج عينه جت في عيني، كنت باصة له بكل قوة وثبات، ومفيش في عيني دمعة واحدة. بصيت له وابتسمت نفس الابتسامة اللي خاف منها برة.
ولاء قعدت على الأرض وهي بتعيط بهستيريا بعد ما فهمت إن كل أحلامها في الفيلا والشركة والفلوس طارت في الهواء، ومش بس كده، دي بقت شريكة ومتهمة في ق*ضية شروع في ق*تل ونصب واحتيال، ومستقبلها بقى ورا القضبان.
أمي قربت مني وأخدتني في حضنها وهي بتعيط من الفرحة ومن الصدمة في نفس الوقت: “الحمد لله يا بنتي.. ربنا نصرك وظهر الحق.. الحمد لله إنك كنتي واعية لكل ده.”
طبطبت على أمي وأنا بتنفس لأول مرة بحرية من شهور. المحامية بتاعتي، فريدة، لمت ورقها وبصت لي بفخر وقالت: “العدالة أخدت مجراها يا كريمة، والورق اللي معانا يوديه في داهية ويضمن لك كل مليم من حقك وحق بنتك اللي جاية في السكة.”
خرجت من باب المحكمة، المطر كان لسه بينزل، بس مكنش كئيب زي الصبح. كان عامل زي الماية اللي بتغسل كل الوجع والخيانة اللي عشتهم. ركبت العربية مع أمي وأنا حاطة إيدي على بطني، وبقول لبنتي جوة أحشائي: “خلاص يا حبيبتي، كسبنا المعركة، وهتبدأي حياتك في الدنيا دي وأنتي مرفوعة الراس.”