مرات ابني سابت حفيدي معايا وراحت تزور امها
مرات ابني سابت حفيدي معايا وراحت تزور امها، ولسوء حظي الولد وقع على دراعه واتكسر، يومها سمعت أوسخ كلام من أمه قدام ابني اللي سكت شوية وبصلي وقال: “ماما ارجعي بيتك يكون أفضل، انتي مش نفعانا بحاجة”.. منزلتش مني دمعة واحدة، وفعلاً رجعت بيتي… واللي عملته بعدها طير برج من دماغه هو ومراته!!!!!
الحكاية بدأت من سنة كاملة، يوم ما شريك عمري وسندي في الدنيا مات. جوزي سابني وفارق الحياة، ومن يومها وأنا دخلت في حالة اكتئاب حاد. الحيطان بقت بتنطق من الوحدانية، والبيت اللي كان مليان دفا بقى زي القبر. مكنتش قادرة أتحمل قعدتي لوحدي، وفي لحظة ضعف، قولت لـ “عامر” ابني الوحيد: “يا بني، أنا تعبانة والوحدة هتموتني، ينفع أجي أعيش معك كام شهر لحد ما أشد حيلي؟”
عامر وافق، بس وافق بضيق وحرج، ملامحه كانت بتقول “انتي هتبقي حمل علينا”. ومراته “هبة” مكنتش حابة وجودي نهائي، وده كان واضح زي الشمس في كل تصرفاتها.
الضحكة الصفرا والشغل اللي مبيخلصش
أول ما عامر كان يقفل باب الشقة وينزل على شغله، تلاقي هبة اتديرت لي ووشها اتقلب، تجيب ابنها “ياسين” اللي عنده 4 سنين وتقولي بنبرة باردة:
”خلي بالك منه يا طنط معلش، مش هأخر، أصل ماما تعبانة ولازم أروحلها”.
كل يوم عذر شكل، وكل يوم تخرج وتسبلي الواد والشقة تضرب تقلب. كنت بنظف، وبغسل، وبطبخ الأكل اللي بيحبوه، وبشيل الواد على راسي. مكنتش بضايق، بالعكس، كنت بقول في نفسي “أهو على الأقل بشغل وقتي وبنسى حزني، والواد حفيدي بيسليني وبيلعب معايا وبحبه من كل قلبي”. كانت ترجع بليل قبل ما جوزها يوصل بنص ساعة، تلاقي البيت قشطة والأكل جاهز، وتعمل نفسها ست البيت الشقيانة ومكنتش بعترض ابدا ده انا كنت بستنى الكام ساعه اللي بنتلم فيهم ونتكلم سوا.
وفي اليوم كنت مع ياسين لوحدنا زي العاده وجالي وقالي: “تيتا، أنا جعان وعايز آكل رز بوش لبن من إيدك”. دخلت المطبخ وفرحت إنه طلب حاجة مني، وقولتله بحزم: “يا حبيبي اقعد هنا قدام التلفزيون ومتقومش من مكانك، وم تخرجش الجنينة إلا لما أخلص وأطلع معاك”.
هز رأسه، شقاوة الأطفال.. مفيش خمس دقايق والواد اتسحب وخرج الجنينه، ركب على المرجيحة وحدف نفسه جامد، ويشاء القدر المرجيحة تفلت بيه ويقع على دراعه. صرخة الواد زلزلت الشقة، جريت حافية وأنا بصرخ، شيلته ودموعه مغرقة وشه ودراعه ملووح. خدته بتاكس على اقرب مستشفى وانا مرعوبه وبحضنه وبتصل على امه وعلى عامر ابني.
لحظة المواجهة في المستشفى
مفیش دقايق، و عامر جه جري وامراته وراه، والدكتور قال كسر مضاعف ومحتاج جبس سريع. أول ما الدكتور دخل بالواد، هبة اتديرت لي قدام عامر والممرضين، وبأعلى صوت عندها بدأت تصرخ فيا:
”انتي مخلتيش بالك منه ليه؟! انتي إزاي سيباه؟! الحق عليا أنا اللي افتكرت إنك هتحافظي عليه وتراعيه، طلعتي ست مهملة! إحنا شايلينك أكل وشرب وعايشة على قفانا، وأقل حاجة تقعدي مع عيل مش عارفة تعمليها!”
الكلام كان زي السكاكين بتنزل في صدري. بصيت لعامر، ابني، حتة من كبدي، دموعي كانت محبوسة في عيني وبتمنى يقول كلمة واحدة، يزعق لمراته، يقولها “دي أمي احترمي نفسك”. قولتله بصوت مرعش: “أنت سامع مراتك بتقول إيه يا عامر؟”
عامر بص للأرض شوية، وبعدين رفع عينه في عيني، وبكل جحود وبرود قال:
”ماما كفاية كده.. أنا رأيي تمشي ترجعي بيتك يكون أفضل، انتي مش نفعانا بحاجة، وبابا بقاله كتير ميت وانتي بقيتي أحسن، ارجعي بيتك كفاية اللي حصل بسببك!”
في اللحظة دي، حسيت بصوت شرخ جوه قلبي. لو مت وقتها كان اهون من اللي حسيته. المحبة اللي كانت جوايا حل محلها غضب أسود. مأناقشتش، منزلتش مني دمعة واحدة قدامهم، اتديرت وخرجت من المستشفى من غير ما أبص ورايا، ولا حتى أطمن على حفيدى..
العودة والسر المدفون تحت البلاط
رجعت بيتي، قفلت الباب ورايا بالمفتاح. ودخلت أوضتي القديمة، جيبت شاكوش وكسرت بلاطة معينة في أركان الأوضة أنا عارفاها كويس. حفرت شوية وطلعت قماشة قديمة ملفوفة ومتربة. بصيت للقماشة اللي في إيدي وأنا عارفة هعمل إيه كويس. مش هعيط، ولا هقول خسارة تربيتي فيك يا عامر، لأن اللي يهين أمه قدام الغريب ويسيبها تتهان يبقى مترباش.. بس ملحوقة، جيه وقت تربيته بطريقتي.
قفلت الباب عليّا كأنّي بقفله على سنين عمري كلها، بيت كنت فاكرة إنه هيدفيني في آخر حياتي، طلع أول مكان حسّيت فيه بالإهانة. فضلت واقفة قدام التراب اللي طلع من البلاطة المكسورة، والقماشة القديمة في إيدي بترتعش. ريحتها كانت غريبة مش بس عفونة سنين، كان فيها حاجة تانية حاجة تقيلة، كأنها سر متدفن بالعافية.
فكّيت اللفافة واحدة واحدة، وقلبي بيدق بسرعة مش مفهومة. جواها كان فيه حاجات صغيرة مش فلوس زي ما كنت فاكرة في الأول، ولا ذهب زي ما يخطر على بال أي حد.
كانت صور. صور قديمة جدًا، أبيض وأسود. وصورة في النص خلت إيدي تقع من الصدمة: عامر وهو طفل صغير بس مش لوحده، كان واقف قدامه رجل غريب ماسك إيده، ووراهم ست باينة عليها ملامح مألوفة بشكل مخيف.. مراته هبة، بس أصغر بكثير!
اتسمرت مكاني. إزاي؟ الصور دي من إمتى؟ وليه متخبّية تحت البلاط في أوضتي أنا؟ قلبت باقي الصور بسرعة وفي آخر صورة كان فيه ورقة مطوية، بخط إيد جوزي المتوفي. فتحتها بإيد بتترعش:
”لو في يوم حصل اللي أنا خايف منه يبقى لازم تعرفي الحقيقة عن ابنك، وعن اللي اتربّى عليه من غير ما يحس.”
وقفت مكاني كأني اتجمدت. الصوت الوحيد اللي كان في دماغي: حقيقة إيه؟ ابنّي اتربّى على إيه؟
الرسالة والمفاجأة على الباب
وفجأة الموبايل رن. رقم عامر. بصيت للشاشة ومقدرتش أرد. بس اللي خلاني أترعش أكتر رسالة وصلت بعدها بثواني:
”ماما ارجعي المستشفى. ياسين بيسأل عليكي وبيقول كلام غريب عن اللي حصل في البيت.”
اتسمرت. وقبل ما أتحرك من مكاني، سمعت خبط خفيف على باب الشقة. خبط كأنه مش مستعجل. بس وراه صوت طفولي ضعيف قال: “تيتا أنا مش عايز أروح معاهم تاني”.
والباب لسه مقفول وقفت مكاني لحظة يمكن ثواني، بس حسّيتهم أطول من عمري كله. صوت الخبط على الباب اتكرر، أخف شوية المرة دي وبعده نفس الصوت الطفولي: “تيتا افتحي أنا خايف”.
قلبي اتكسر قبل ما إيدي تتحرك. قربت من الباب ببطء، وفتحت. كان ياسين واقف لوحده، من غير أبوه من غير أمه. دراعه متجبس، ووشه شاحب وعيونه مليانة دموع، بس مش دموع وجع الكسر دي دموع خوف.
مسك في رجلي فورًا وقال بصوت مبحوح: “ماما هبة قالتلي إن أنا السبب وإنك مش بتحبيني زي الأول وإنك مش عايزاني أجي عندك تاني”.
اتجمدت. في اللحظة دي، كل الغضب اللي كان جوايا بدأ ينهار. شيلته بهدوء وضمّيته لصدري، وقلت له بصوت واطي: “إنت عمرك ما تبقى سبب في أي وجع يا حبيبي”. بس عيني كانت بتبص على الورق اللي في إيدي التانية: الرسالة، والصور، وحاجة جوايا بدأت تفهم إن اللي بيحصل مش مجرد خناقة عيلة.
قفلت الباب وانا شايلة ياسين، وقعدته على الكنبة، وغطّيته كويس. بعدين فتحت الورقة تاني، وركزت أكتر. وفي آخر السطر، كان فيه جملة خلت دمي يتجمد:
”لو عامر رجع يوم ورفضني أو بعدني عنك اعرفي إنه مش بيتصرف بإرادته.”
رفعت عيني فجأة ناحية الطفل. مش بإرادته؟
ظهور زائر غامض
قبل ما أكمل تفكير الموبايل رن تاني. عامر. ردّيت أخيرًا. جاي صوته متوتر، مختلف عن قبل: “ماما متسيبيش ياسين عندك ومتفهميش أي حاجة غلط في حد لعب في دماغنا كلنا لازم أشرحلك بس مش في التليفون”. سكت لحظة، وبعدين قال جملة أخافتني أكتر من أي صراخ: “إنتي لسه شايفة الصور اللي تحت البلاط؟”
اتسمرت: “إنت كنت عارف؟”
قبل ما يرد، سمعنا خبط جامد على الباب تاني لكن المرة دي مكنش صوت طفل. كان صوت راجل غريب بيقول من بره: “افتحي يا مدام الموضوع أكبر من ابنك وحفيدك إحنا محتاجين نتكلم في اللي جوزك خبّاه قبل ما يموت”.
ياسين مسك إيدي جامد. والبيت اللي كان ساكت سنين ابتدى يتفتح على سر كبير أول مرة يطلع للنور. وقفت مكاني إيدي على الباب وإيدي التانية ماسكة ياسين: “مين حضرتك؟” صوتي طلع أهدى مما أنا حاسة بيه.
من بره جه الرد بسرعة: “مش مهم أنا مين دلوقتي المهم إن اللي جوا إيدك ده يخص ج*ريمة مش بس عيلة”.
كلمة ج*ريمة خبطت في ودني زي طلق ناري. عامر في التليفون كان ساكت لحظة، وبعدين قال بصوت مكسور: “ماما افتحي له هو الوحيد اللي هيقدر يشرحلك من غير ما الدنيا تكمل تقع”.
بصيت على ياسين الطفل كان بيترعش. فتحت الباب ببطء. دخل رجل في منتصف الخمسينات، شكله مرهق، عينيه فيها تعب سنين، وفي إيده ملف قديم. قفل الباب وراه بهدوء وقال: “أنا كنت شغال مع أبو عامر الله يرحمه وكنت عارف إنه مخبي حاجات كتير في البيت ده”. قعد من غير ما يستأذن، كأنه خايف الوقت يهرب منه. حط الملف على الترابيزة وقال: “الصور اللي لقيتيها مش عائلية دي كانت مراقبة. ومش من باب الفضول دي كانت عشان حماية”.
رفعت حاجبي بصدمة: “حماية؟ حماية من إيه؟”
سكت لحظة، وبعدين قال: “من هبة”.
بصيت له بعدم تصديق: “مراته؟”
هز راسه ببطء: “هبة مش زي ما أنتم فاكرين أبو عامر كان شاكك من سنين إنها ليها علاقة بشبكة نصب كبيرة، وكانت بتحاول تقرّب من العيلة عشان الورث مش الحب”.
حسّيت الأرض بتلف. بصيت لياسين اللي حضني، الطفل اللي شايفه بريء من كل ده: “والطفل؟” صوتي اتكسر.
الرجل رد بهدوء: “الطفل هو الحلقة الوحيدة اللي محدش قدر يلعب بيها لحد دلوقتي عشان كده حصلت المشكلة النهاردة. الوقعة دي كانت غلطة بس اللي اتبني بعدها كان خطة. عامر مش بيكرهك يا حاجة عامر بيحاول يحميكي من مراته بس الطريقة خرجت غلط، واتبهدلت الدنيا”.
الموبايل رن تاني. ردّيت وأنا إيدي بتترعش. صوت عامر كان أقرب للبكاء: “ماما أنا غلطت لما كسرتك بكلامي بس لو خرجتي من البيت دلوقتي، هبة هتوصللك قبلنا كلنا. والملف اللي معاك ده هو الحاجة الوحيدة اللي ممكن تثبت كل حاجة”.
الحصار والممر السري
بصيت للملف، وبصيت لياسين، وبصيت للراجل، وحسّيت لأول مرة إن اللي جاي مش مجرد مواجهة بين أم وابن، ده مواجهة بين حقيقة اتدفنت سنين وناس مستعدة تقت*ل عشان تفضل مدفونة. الرجل فتح الملف قدامي واحدة واحدة، كأنه بيقصد يخليني أتحمل الصدمة على مراحل: صور، مستندات، تسجيلات مكالمات قديمة مطبوعة. وكل صفحة كانت بتقلب اللي جوايا أكتر من اللي قبلها. وبعدين وقف عند ورقة معينة وقال: “دي أهم واحدة”، وقرّبها مني. كان مكتوب فيها اسم جوزي المتوفي وتحت اسمه توقيع: هبة!
اتسمرت: “توقيعها إزاي؟ دي كانت لسه صغيرة وقتها!”
الراجل رد بهدوء قاتل: “مش وقتها ده بعد ما كبرت. وبعد ما بدأت الخطة”.
حسّيت ياسين بيشد في هدومي أكتر، كأنه حاسس إن الصوت عالي حتى لو محدش بيعلي صوته. الموبايل رن تاني (عامر)، بس المرة دي ما لحقتش أرد. صوت خبط جامد جدًا على الباب مختلف عن الأول، خبط متعصب. وبعدين صوت هبة من بره، لكن مش نفس النبرة اللي كنت أعرفها، كان فيها ارتباك وخوف: “افتحي الباب في حد دخل عندك؟ الراجل ده كداب!”
اتجمدت، وبصيت للراجل اللي جوا، قال بهدوء: “اتأخرت”.
قمت من مكاني وأنا قلبي بيدق بسرعة: “إنتوا عايزين إيه مني بالظبط؟ أنا ست مكسورة ومش فاهمة حاجة!”
الراجل بص لياسين وبعدين بص لي وقال: “إنتِ الوحيدة اللي جوزك كان واثق إنها هتقدر تحمي الورق ده لحد اللحظة دي لأنه كان عارف إن يوم ما الحقيقة تطلع، هيبدأوا يقتحموا أي مكان يوصلوا له”.
خبط الباب زاد أكتر: “افتحي يا ست!” صوت هبة بقى أعلى. وفجأة، سمعنا صوت حاجة بتتكسر في مدخل العمارة، خطوات طالعة بسرعة على السلم. الراجل وقف بسرعة وقال: “مفيش وقت”، مد إيده للملف وقال: “لو فتحتي دلوقتي هيتاخد منك. ولو اتاخد هتخسري كل حاجة، حتى ابنك”.
بصيت له بصدمة: “ابني؟ عامر؟ ولا ياسين؟”
قبل ما يرد الباب اتخبط بقوة خلت القفل يهتز. وصوت عامر جه من بره لأول مرة، عالي ومتوتر: “ماما افتحي الباب فورًا في ناس مع هبة وده مش بيتنا بس اللي بيتحاصر ده إحنا كلنا. اللي بره مش جايين يتكلموا دول جايين ياخدوا الملف بأي طريقة”.
والباب بدأ يفتح من ضغط خارجي، الباب بدأ يتهز أكتر، صوت المفصلة بيصرخ كأنه على وشك ينكسر. إيدي غريزةً مسكت ياسين أكتر، والملف كان بين إيدي وإيد الراجل. “اختاري بسرعة” قالها وهو بيبص ناحية الباب. الخبط بقى ضربات واضحة حد بيحاول يكسر القفل مش بس يفتحه. وفجأة صوت عامر علي من بره: “ماما.. متفتحيش! اقفلي من جوا!”
اتجمدت: “أقفل؟ وهو إنت بره بتعمل إيه؟”
الراجل رد بسرعة قبل ما أتكلم: “هو كان بيحاول يمنعهم يوصلوا ليكي أصلاً بس واضح إنهم سبقوه”.
صوت تكسير معدن، القفل بدأ يفلت. هبة صرخت من بره: “دي مش حاجة تخصك يا ست افتحي قبل ما نخلي الموضوع أسوأ!” وفي اللحظة دي ياسين بصلي فجأة وقال بصوت صغير: “تيتا أنا خايف”. نظرت له، الطفل اللي لسه خارج من كسر، ومن صدمة، ومن كلام سمّ، واقف شايف الدنيا كلها بتتقلب. قعدته بسرعة وقلت له: “متخافش طول ما إيدي في إيدك، مفيش حاجة هتأذيك”. بس الحقيقة أنا اللي كنت مرعوبة.
الراجل قرب مني وقال بسرعة: “لو فتحوا غصب هياخدوا الملف وهيقلبوا البيت. الحل الوحيد إننا نطلع من الباب التاني”.
بصيت له: “باب تاني؟ ده شقة مش قلعة!”
هز راسه ناحية باب المطبخ: “أبو جوزك كان عامل مخرج قديم محدش يعرفه غيره، وكان متأكد إن اليوم ده جاي”.
ضربة قوية خلت الباب الرئيسي ينخلع نص خلع. الصوت كان أقرب من أي وقت فات. “يلا!” صرخ الراجل. مسكت ياسين وجرينا ناحية المطبخ. بس قبل ما نوصل لمحت من طرف عيني الباب الرئيسي اتفتح أخيرًا، وهبة دخلت أول واحدة ووراها ناس مش معروفين، وشوشهم مش مريحة، وعيونهم كلها بتدور على حاجة واحدة بس: الملف. وفي نفس اللحظة صوت عامر من آخر السلم كان بيصرخ: “مامااااا!” لكن خلاص البيت اتقسم في ثانية، بين ناس بتجري ورا السر، وأم بتحاول تهرب بحفيدها، وحقيقة لسه أول مرة بتطلع للنور.
جرينا ناحية المطبخ، والراجل قدامنا بيفتح درج قديم في الحيطة كأنه حافظه عن ظهر قلب: “هنا بسرعة!” قالها وهو بيزق لوح خشب صغير في الأرض. فتحة ضيقة ظهرت، سلم حديد قديم نازل لتحت. ريحة رطوبة وتراب طالعة منه كأن المكان مدفون من سنين. وراء ضهرنا كان صوت خطوات بتقرب وصوت هبة بيزيد: “هو فين؟ أنا عارفة إنه هنا!” وصوت حد غريب معاها: “اقفلوا المخارج كلها الملف ما يخرجش!” عامر كان بيحاول يصرخ: “سيبوها! دي أمي!” بس صوته كان بيتكسر وسط الزحمة.
الراجل شد إيدي بسرعة: “انزلي الأول، وشيلي الولد كويس!”
نزلت أول درجة، ياسين متعلق في رقبتي، وقلبي بيخبط كأنه عايز يطلع من صدري. كل خطوة تحت كانت بتبقى أضلم وأبرد. وفجأة فوقنا صوت كسر أقوى. الراجل لسه فوق، بصلي من الفتحة وقال بسرعة: “خدي الملف ومتفتحيهوش غير لو وصلتي لمكان آمن!” ورماه عليا. مسكته بإيدي وضمّيته لصدرى: “وانت؟” صرخت. ابتسم ابتسامة صغيرة مرهقة: “أنا دوري اتكتب من زمان دورك لسه بيبدأ”. وقبل ما أرد الفتحة اتقفلت فوقه. ضلمة.
شارع النجاة.. والاختيار الصعب
صوت خناق وضرب جوا الشقة بدأ يختفي تدريجي. نزلت درجات السلم الحديدي بسرعة، ياسين بيبكي بصوت مكتوم: “تيتا إحنا بنروح فين؟”
“هنطلع لمكان محدش يقدر يوصلنا فيه”. بس الحقيقة أنا ماكنتش عارفة أنا رايحة فين.
بعد دقايق، الباب الحديدي تحت فتح على ممر ضيق قديم بيطلع على شارع جانبي مهجور. هوا الليل كان بارد، والشارع فاضي. وقفت لحظة أبص ورايا، مفيش حد طلع، ولا صوت. بس فجأة الموبايل في جيبي رن. رقم عامر. اترددت.. ردّيت. صوته كان مكسور، لكن أوضح من أي وقت: “ماما إنتي فين؟ هبة مش هي اللي كنا فاكرينها بس واللي دخلوا البيت مش ناس عادية”.
بلعت ريقي بصعوبة: “يعني إيه؟”
سكت هو لحظة وبعدين قال: “يعني اللي بدأ في البيت ده مش خلاف عيلة.. ده ملف دولة”.
وفي اللحظة دي من بعيد في آخر الشارع، لمحت عربية سوداء بتقفل الطريق ببطء وأنوارها اتفتحت علينا. العربية السوداء وقفت قدامنا بالظبط، كأنها كانت عارفة إحنا هنخرج منين. بابها اتفتح ببطء، ونزل منها راجل لابس بدلة غامقة، ملامحه هادية زيادة عن اللازم، الهدوء اللي يخوف مش يطمن. بصّ عليا، وبعدين على ياسين، وبعدين على الملف اللي في إيدي، وقال بصوت منخفض: “اتأخرتي كتير الملف ده مش مكانه في إيدك”.
رجلي اتجمدت. الموبايل في إيدي لسه مفتوح على عامر، وصوته كان بيصرخ: “ماما متثقيش فيه! اسمعيني بس!”
الراجل اللي قدامنا قرب خطوة واحدة وقال: “ابنك كان المفروض يفهم إن الموضوع أكبر من أي أمومة وأكبر من أي عيلة”.
شدّ إيدي على ياسين أكتر وقلت: “أنا مش هسلم أي حاجة لحد”.
ابتسم ابتسامة خفيفة: “مش مطلوب تسلمي مطلوب بس ترجعي اللي مش بتاعك”.
وفي اللحظة دي صوت عربية تانية ظهر من الناحية التانية من الشارع، ووقفت بعنف. نزل منها عامر. وشه كان متبهدل، نفسه سريع، وعينيه مليانة خوف وغضب: “ابعد عنها!” صرخ فيها وهو بيجري ناحيتنا. الراجل اللي في البدلة ما اتحركش، بس قال جملة واحدة: “اتأخرت يا عامر القرار اتاخد”.
عامر وقف بيني وبينه: “ماما اسمعيني دلوقتي الملف ده لو اتفتح بالناس الغلط مش هيضيع عيلة هيضيع مدن”.
بصيت له وأنا مش قادرة أستوعب: “يعني كل ده وأنا اللي كنت فاكرة نفسي أم محتاجة تعيش عند ابنها؟”
سكت لحظة، وبعدين ابتسم ابتسامة متعبة: “إنتي كنتي المفتاح من الأول بس إحنا اللي تأخرنا نقولك”.
الراجل شدّ إيده ناحية جيبه وفي نفس اللحظة عامر صرخ: “ارمي الملف في الأرض!”
كل حاجة وقفت ثانية: هواء الشارع، أنفاسنا، صوت ياسين اللي بيبكي. وبعدين العربية اللي وراهم فتحت أبوابها تاني، وظهر منها ناس تانية. المشهد كله بقى محاصر.
عامر بصلي وقال بصوت هادي لأمل مرة: “ماما اختاري دلوقتي”.
نظرت للملف، لياسين، لابني، للعالم اللي حوالينا. وبإيد بترتعش سحبت نفس عميق.. ورميت الملف في نص الطريق.
سكتوا كلهم، حتى الريح. الراجل في البدلة فتح عينيه لأول مرة بصدمة حقيقية. وفي اللحظة دي عامر مسك إيدي وقال: “الاختيار الصح مش دايمًا آمن بس هو اللي بيكسر الدائرة”. والعربيات بدأت تتحرك ببطء لكن بدل ما تقرب بدأت ترجع لورا، واحدة واحدة اختفوا في الظلام.
الشارع رجع هادي، بس الحقيقة ما اختفتش. بصيت لابني وبصيت لحفيدي، وفهمت لأول مرة إن اللي اتكسر في البيت مش باب ولا ثقة، ده تاريخ كامل كان متغطي بالسكوت.
عامر قرب مني وقال بهدوء: “تعالي نبدأ من جديد بس المرة دي من غير أكاذيب”.
مسكت إيده، ومشيت معاه.. والملف فضل مرمي في نص الطريق كأنه نقطة نهاية لسر كبير، أو بداية لسر أكبر لسه ما اتفتحش.

