رجعت من سفري

قلت:
— ولسه ماوصلناش لأهم حاجة.
رفع عينه ببطء.
طلعت صورة مطبوعة. حطيتها قدامه.
أول ما شافها، وشه اتغير.
الصورة كانت ليه. قاعد في كافيه. وقدامه ست. إيديهم قريبين جدًا من بعض.
في الصورة التانية، كانوا خارجين من نفس المكان.
في التالتة، هو فاتح لها باب عربيته.
قال فورًا:
— دي زميلتي.
قلت:
— اسمها ريهام شوقي.
رفع راسه بسرعة.
كملت:
— عندها 31 سنة. شغالة معاك في نفس الشركة. وبتقابلها بانتظام من حوالي 9 شهور. وأحيانًا بعد الشغل. وأحيانًا يوم الجمعة.
قال:
— مافيش بينا حاجة.
فتحت ورقة تانية: حجز فندق في العين السخنة. يوم 16 يونيو.
سكت.
— إنت قلتلي وقتها إنك مسافر مؤتمر شغل يومين.
عضلات فكه اتحركت.
قلت:
— الغرفة كانت باسمك. والحجز لشخصين.
سكت.
قلت بهدوء:
— برضه زميلتك؟
فضل باصص في الأرض. ماكانش فيه داعي أسمع اعتراف. الصمت كان كفاية.
بعد حوالي نص دقيقة، قال:
— الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
ضحكت:
— الجملة دي قديمة أوي يا أحمد.
— ندى…
— ما تبررش. أنا مش محتاجة تفسير.
وقف:
— طب اسمعيني مرة واحدة.
بصيتله.
قال:
— أنا ماكنتش مبسوط. طول الوقت شغلك أهم مني. كل حاجة عندك محسوبة. الشقة بتاعتك. العربية إنتِ اللي بتدفعي. مرتبك أعلى مني. كل مرة كنت بحس إني ضيف في حياتك.
فضلت باصة له. والمضحك إني ماحسيتش غضب. حسيت شفقة.
قلت:
— وإنت لما حسيت إنك أقل مني… قررت تسرقني؟ وتخوني؟
صرخ:
— ما سرقتكيش!
— طب والـ 286 ألف؟
سكت.
— والمحل؟
سكت.
— وأختك؟
سكت.
— وريهام؟
بص بعيد.
قلت:
— تعرف المشكلة الحقيقية إيه؟ إنك عمرك ما حاولت تبني حاجة لنفسك. كنت مستني تاخد الجاهز. شقة جاهزة. عربية جاهزة. حساب جاهز. وحتى لما حبيت تساعد أهلك، ساعدتهم من اللي أنا بنيته.
قرب مني وقال:
— أنا جوزك!
قلت:
— كنت.
الجملة وقفته.
رجعت له ملف الطلاق:
— امضي.
بصلي:
— ولو ما مضيتش؟
قلت:
— هنرفع قض..ة. ومعايا كشوف التحويلات. ومعايا التحريات. ومعايا محضر ليلة تغيير القفل. ومعايا كل المستندات.
سكت. وبعدين قلت:
— وفيه حاجة تانية. منة بدأت إجراءات طلب تحفظ على بعض التحويلات المشبوهة لحد ما يتحدد مصدرها.
وشه اتبدل:
— إنتِ عملتي إيه؟
— اللي كان لازم أعمله من زمان.
مسك الملف. قعد. قرأ. أنا ما استعجلتوش.
بعد حوالي 20 دقيقة، رفع القلم. وقف فوق خانة التوقيع. وقال:
— لو مضيت، الموضوع يخلص؟
قلت:
— كل واحد ياخد حقه القانوني… ونخلص.
فضل ساكت. وبعدين مضى.
بصيت على توقيعه. ثلاث سنين جواز انتهت في أقل من ثانية.
الفصل السادس
بعد أسبوعين، أحمد خرج نهائيًا من الشقة.
سحر جت تاخد حاجتها بنفسها. المرة دي ماكانشت بتتكلم بصوت عالي. ولا حماتي جت معاها.
بس قبل ما تمشي، وقفت عند الباب وقالتلي:
— إنتِ خربتي بيت أخويا.
بصيت لها وقلت:
— لا. أنا بس بطلت أمول بيتكم.
وشها اتغير. وسابتني ومشيت.
بعد شهر، عرفت إن المشروع اللي أحمد وأمه كانوا داخلين فيه بدأ ينهار.
المحل كان محتاج دفعات إضافية. وأخته ماكانش عندها دخل ثابت. والفلوس اللي كانوا بيعتمدوا عليها وقفت.
أما ريهام… فاختفت من حياته تقريبًا أول ما عرفت إن الطلاق دخل في إجراءات جدية وإن أحمد مش مالك الشقة اللي كان بيديها انطباع إنها شقتهم.
لما عرفت المعلومة دي، ضحكت. مش شماتة. بس لأن الصورة كلها بقت واضحة.
كل واحد فيهم كان بيشوف فيه حاجة.
أمه شايفاه الطريق لفلوسي.
أخته شايفاه حل لمشكلتها.
ريهام شايفاه الراجل صاحب الشقة والعربية والحياة المستقرة.
وأنا؟ أنا الوحيدة اللي كنت شايفاه هو. ودي كانت غلطتي.
بعد 4 شهور، الطلاق خلص رسميًا.
الشقة فضلت ليا. العربية كمان.
أما الحساب المشترك، فاتقسم بعد مراجعة التحويلات. وجزء من المبالغ اللي خرجت من غير علمي دخل في النزاع المالي، واضطر أحمد يرجع جزء منها ضمن التسوية.
اليوم اللي استلمت فيه الورق النهائي، منة كانت معايا.
خرجنا من المحكمة. بصتلي وقالت:
— حاسة بإيه؟
فكرت شوية. قلت:
— خفيفة.
ضحكت:
— بس؟
قلت:
— عارفة لما تكوني شايلة شنطة تقيلة فترة طويلة، لدرجة إنك تنسي شكل جسمك من غيرها؟ ولما تحطيها على الأرض فجأة، تستغربي إنك تقدري تقفي مستقيمة؟
هزت راسها:
— بالظبط كده.
عدى تقريبًا سنة.
غيرت ديكور الشقة بالكامل.
الأوضة اللي سحر كانت حولتها لأوضة نوم رجعتها مكتب من جديد.
بس المرة دي عملت حاجة مختلفة.
على الحيطة اللي قدام المكتب، علقت إطار صغير. جواه نسخة مصغرة من عقد ملكية الشقة.
مش عشان أفكر نفسي إنها بتاعتي.
لكن عشان أفكر نفسي بحاجة أهم: إن الحاجة اللي إنت بنيتها بتعبك… ماينفعش تسمح لحد يقنعك إنها من حقه لمجرد إنه دخل حياتك.
وفي ليلة من الليالي، كنت راجعة من سفر شغل تاني.
الساعة كانت حوالي 2 الصبح.
خرجت من الأسانسير. وقفت قدام باب شقتي.
للحظة… افتكرت الليلة القديمة.
أكياس الزبالة. حاجاتي المرمية. الباسورد اللي اتغير. صوت حماتي وهي بتقول: “دي شقة ابني”.
ابتسمت.
حطيت صباعي على البصمة. القفل فتح فورًا.
دخلت. وقفت الباب ورايا.
المكان كان هادي… نضيف… وريحته ريحتي أنا.
حطيت الشنطة على الأرض.
وقبل ما أدخل أنام، بصيت للشقة حواليّ.
ولأول مرة من سنين… ماحسيتش إني رجعت البيت.
حسيت إن البيت… رجعلي أنا.


