انا وبنتى روحنا أستقبل جوزي في الحفلة بتاعته حكايات رومانى
انا وبنتى روحنا أستقبل جوزي في الحفلة بتاعته، بس السكرتيرة بتاعته وقفتني وقالتلي: “مراته وابنه فوق من بدري”…
عشان كده مسكت التليفون، اتصلت بأخويا وقولتله: “امسح كل حاجة من الوجود.. خُد كل حاجة تخصنا.”
— الحقيقة، ما توقعتش أبداً إني أشوفك هنا يا ست فادية.
ابتسمت سامية وهي قاعدة على الكرسي الرخام الفخم في فندق “الأمير” في شارع الهرم. بؤها كان بيرسم ابتسامة صفرا، بس عينيها كانت بتبص بقرف وضيق لجلابية فادية البسيطة، وجزمة بنتها بتاعة المدرسة، وشيكارة الهدايا القديمة اللي في إيدها.
— الحفلة دي لمعلمين البلد، والمستثمرين، والناس القريبة أوي من العيلة —قالت سامية والتكبر طالع من كلامها— معاكي دعوة اصلاً؟
السكتة نزلِت على المكان زي الصاعقة.
— بتعملي إيه هنا؟ —سألت البنت وهي شمتانة ومبسوطة بكل ثانية من الإهانة دي.
— انتي عاملة دوشة ومنظرك مش تمام.. امشي أحسن ما أنادي لك أمن الفندق يرموكي برة.
ناس كتير من الضيوف بدأت تلتفت وتبص. في منهم لمحوا وش فادية وافتكروا إنها هي هي الست اللي كانت بتظهر زمان من بعيد في صور أدهم القديمة، والباجين مسكوا تليفوناتهم بسرعة عشان يصوروها.
سامية ما حاولتش حتى تداري قرفها ولا تحمي نفسها.
— قولتلك منظرك مش تمام.. امشي أحسن ما أطلبلك الأمن يرموكي برة.
فجأة، فادية وقفت في مكانها بثبات.
الربكة واللخبطة اللي كانت على وشها اختفت تماماً.. وما بفضلش غير هدوء يخوف وبرود، سامية فهمته غلط وفاكراه خوف.
— بتعملي إيه؟ —قالت السكرتيرة وهي بتجز على سنانها— بتتصل بحد ييجي يلمك وياخدك؟
فادية سحبت تليفونها من الشنطة.
قبل ما تتجوز أدهم “أبو حديد”، كان اسمها فادية العطار.
واسم العطار ده في مصر بيفتح أي باب مقفول.. في مجلس النواب، في البنوك، في شركات المقاولات، في صناديق الاستثمار، وحتى في أكبر المكاتب والقضاة. أخوها الكبير كان عضو مجلس نواب، والتاني كان ماسك مجموعة بنوك وشركات حوت، والتالت.. غال العطار، ده بقى كان الخبير اللي بيحل المصايب والتقيلة اللي رجال الأعمال الكبار بيموتوا وما يوصلولهاش ولا تخش صحافة.
فادية خبت أصلها واسم عيلتها عشان كانت عايزة تعرف أدهم بيحبها هي وعامل عنها، ولا طمعان في عزها وفلوسها.
أخوها من الأول ما كانش طايقه ولا بيثق فيه.. ومع ذلك، عشان خاطر أختها وحبها ليه، شال شركة أدهم على كتافه لمدة 7 سنين كاملين؛ فلوس، ومقاولات، وشغل تقيل أدهم عمره ما عرف إنه جاي من تحت إيد عيلة العطار.
غال رد على أول رنة تليفون.
— انطقي، سمعاني.
بصت فادية لسامية، وبعدها بصت للصالة اللي جوة، حيث جوزها قاعد بيلهو بيحتفل مع عيلته التانية.
— غال… خُد كل حاجة شايف إنها تخصنا وتلزمنا.
كان فيه ثانيتين صمت رهيب على الناحية التانية من الخط.
بعدها أخوها رد بنبرة تقيلة:
— أنا بدأت من قبل ما تتصلي.
في نفس اللحظة دي.. كل الشاشات اللي في القاعة اسودت، والنور اتقطع، وبوابات الجراج الحديدية في الدور الأرضي اتفقلت بالضبة والمفتاح.
الصوت العالي والضحكات الهستيرية اللي كانت مالية قاعة فندق “الأمير” اتقطعت في ثانية، كأن حد قطع زرار الصوت في جهاز ضخم.
النور رجع، بس مش النور العادي.. الشاشات الكبيرة اللي كانت بتعرض صور أدهم أبو حديد وهو بيستلم دروع التكريم والعقود الجديدة، ظهرت عليها كلها جملة واحدة بالخط العريض: ”تم إيقاف كافة التراخيص وسحب الاعتمادات”.
أدهم ساب كاس العصير من إيده، ووقف مرعوب وعينيه بتتحرك في الصالة كالمجنون. بص لسامية اللي وشها اتقلب من الغرور للصفرة والبياض، وبص لسكرتيرته اللي كانت واقفة جنبها تفرك في إيديها بتوتر وقلق مش عارفين سببه.
قبل ما أدهم ينطق بكلمة، تليفونه رن. رقم “مكتب اللواء” أو “الشركات الكبرى”. فتح بخوف وصوته بيترعش:
— أ… ألو؟
— أستاذ أدهم؟ معاك المستشار المالي للبنك المركزي.. بنبلغك بإن خطوط الائتمان بتاعتك اتجمدت، وكل الشيكات المعلقة اترفضت، وأرصدة الشركة بقت تحت التحفظ القانوني بناءً على طلب مجموعة شركات العطار للاستثمار والتجارة.. تم سحب كل الدعم المالي والقرض الرئيسي اللي قائم عليه الكيان بتاعك كله.
التليفون وقع من إيد أدهم.. اتخبط في الأرض الرخام وانكسر نصين.
بص في وسط الزحمة ولقى فادية واقفة ثابتة، عينيها باردة وجامدة، باصة له نظرة تخلي أسدع راجل يقف لوحده يترعش. بنت فادية مسكت طرف جلابية أمها وقالت بصوت بريء:
— ماما.. هو بابا خلاص مبقاش غني؟
فادية نزلت لمستوى بنتها، مسحت على شعرها وقالت بصوت هادئ وصل لكل الناس اللي حواليهم:
— أبوكي طول عمره كان ولا حاجة يا حبيبتي.. هو بس كان متغطي بستر عيلة العطار، والنهارده.. الغطاء اتشال.
سامية جريت عليه وهي بتصطدم بالترابيزات:
— أدهم! أدهم إيه الكلام الفارغ ده؟ الشركات بتاعتك.. الشغل.. الحفلة دي.. فهمني إيه اللي بيحصل؟
أدهم ما ردش.. بص لفادية ودموع الندم والخوف تملى عينيه. قرب منها خطوة وعايز ينطق، بس فادية مدت إيدها ومنعته بوقفة حاسمة، وراحت ماشية بكل كبرياء وشموخ، وبنتها ماشية جنبها بخطوات ثابتة على صوت تكسير الكبرياء والغرور اللي بيحصل وراهم في قاعة الفندق.
وجو جوه القاعة، الصدمة كانت أعمق من إنها تتوصف. الصحفيين والمصورين اللي كانوا جايين عشان يعملوا تغطية لنجاح أدهم أبو حديد وصعوده لقمة عالم المال والأعمال، لقوا نفسهم قدام انهيار تاريخي بيحصل قدام عدسات الكاميرات في دقايق معدودة.
سامية وقفت مكانها مش قادرة تستوعب اللي حصل، الفستان الغالي والمظاهر الكدابة اللي كانت فخورة بيها اتقزمت قدام الحقيقة المرة. بصت حواليها لقيت رجال الأعمال والمستثمرين اللي كانوا لسة ثواني قليلة بيسابقوا عشان يسلموا على أدهم ويباركوله، بيبعدوا عنه واحد ورا التاني ببطء، كأنهم بيبعدوا عن عدوى ممكن تنهي سفينتهم.
أدهم فضل واقف مكانه زي اللي اتضرب على راسه، بصلها بصة كلها عجز وذل وقال بصوت مكسور:
— ضاع.. كل تعب السنين راح في ثانية.
سامية صرخت فيه بغضب هستيري:
— تعب إيه؟! أنت بتقول إيه؟! فلوسك فين؟! شركتك فين؟! يعني إيه كدة بالسهولة دي؟!
محدش رد عليها.. الكاميرات كانت بتسجل كل حرف وكل دمعة ذل بتنزل منهم، والصور دي كانت بتنتشر على السوشيال ميديا أسرع من البرق، والتعليقات بدأت تنهال على صفحاتهم بالشماتة والسحرية من الغرور اللي انتهى بكارثة.
برة الفندق، كانت عربية فخمة سوداء مستنية. نزل منها غال العطار بنفسه، فتح باب العربية لأخته، وبص وراه للقاعة وقال بابتسامة سخرية:
— سبع سنين بنبنيه في طين.. خدش واحد من أختي هدمه في دقيقة. اركبي يا فادية.. رجعتي ملكة زي ما كنتي، واللي تحت رجليه التراب.. يفضل طول عمره تراب.
في العربية السوداء الفخمة، فادية كانت قاعدة جنب أخوها غال بهدوء تام، وبنتها حاطة راسها على حجرها ونامت من التعب.
غال بص لأخته وقال بنبرة هادية بس كلها فخر:
— نضفتي السوق يا فادية.. ورجعتي اسم العطار مكانه الحقيقي. خطوة واحدة كانت كفيلة توري الكل إن اللي بيطلع على كتاف غيره، أصله بينكشف أول ما الكرسي بيتهز.
فادية بصت من شباك العربية على فندق “الأمير” وهو بيغرق في الظلام، وافتكرت كل دمعة ظلم شافت السنين اللي فاتت، وقالت بصوت واثق:
— اللي زي دول، الفلوس والمظاهر هي كل حياتهم.. لما تتاخد منهم، مبيفضلش ليهم أي قيمة أصلاً. أنا رجعت أصلها زي ما كانت، وكل واحد هيعرف حجمه الحقيقي.
في اليوم التاني، السوق كله كان بيحكي عن كارثة أدهم أبو حديد. الفيديوهات والصور بتاعة انهياره جوه قاعة الفندق وهي متطردة بملابس متواضعة وبنتها في إيدها، بقت تريند السوشيال ميديا الأول في مصر. الشركات اللي كان متعاقد معها بعتت فسخ عقود رسمية، والبنوك بدأت إجراءات الحجز على أملاكه وفيلته اللي اشتراها بفلوس عيلة العطار.
أدهم لقى نفسه محاط بمليون ديون وقضايا نصب وشيكات بدون رصيد، والناس اللي كان بيتباهي بيهم لفوا وشهم عنه. أما سامية، فبعد ما أدركت إن الفلوس والرفاهية طاروا في الهوا، سابته في عز أزمته وخدت شنطها وهربت، عشان تثبت إنها عمرها ما حبته، بل كانت باصة للمركز والفلوس بس.
قعد أدهم في شقته القديمة اللي متبقالوش، من غير مليم ولا سند، باصص للحيطة بندم عظيم وصدمة مش هيقدر يفوق منها.
في الوقت ده، جوة قصر عيلة العطار، كانت فادية قاعدة في صالونها الواسع، شايفة الأخبار والناس وهي بتهتف باسم عيلتها اللي رجع يفرض هيبته في السوق. دخل عليها أخوها غال، حط قدامها ملف كبير وقال بابتسامة رضا:
— كل حقوقك رجعت، والشركة اللي اتأسست بجهدنا رجعت تحت تصرفك واسم العطار بقى عالي زي الأول.. هتعملي إيه بالباقي من أسهم أدهم؟
فادية فتحت الملف، بصت للورق بهدوء تام، وقالت بصوت قوي وواثق:
— ولا حاجة يا غال.. خليه يفضل محبوس في ذكريات طمعه وغروره، دي أحسن قاضية لواحد ضيع عمره بيجري وراء الوهم. أنا وبنتي بدأنا صفحة جديدة بكرامة وعزة ماحدش يقدر يهزها تاني.
