حماتي سعاد هانم خلعت دبوس بروش جدتي الله يرحمها “
قبل ما يوصل أي مقبلات للطاولات في قاعة “قصر الباشا” الفخمة، حماتي سعاد هانم خلعت دبوس بروش جدتي الله يرحمها “بهية” من على صدري بعنف مبالغ فيه. مش شدته بالراحة، ولا عدلته عشان يبقى شكله أحسن، لأ، دي خلعته خلع وكأنها بتنتزع جزء من كرامتي معاها. في اللحظة دي، عشاء البروفة اللي كان مفروض يكون احتفال بفرح مراد، أخو جوزي عمر، اتحول لمعركة متغلفة بورد أبيض وفلوس قديمة وريحة تعالي. كاسات الكريستال كانت بتلمع تحت النجف، والجرسونات بيتحركوا في صمت رهيب، والمرايات اللي بإطارات فضة كانت بتلقط كل ابتسامة متصنعة وكل نظرة استعلاء موجهة ليا. أنا كنت وعدت نفسي إني هعدي المناسبة دي من غير ما يخلوني أحس إني قطعة عفش هما مكسوفين يملكوها في قصرهم، لكن سعاد هانم كان لها رأي تاني.
حماتي عمرها ما كانت بتمشي في أي مكان، هي “بتوصل”. بتدخل المكان بفستانها الحرير الرمادي اللؤلؤي، وألماسها اللي بيخطف العين، وابتسامتها الناعمة كفاية إنها تجذب أي حد من على بعد عشرين متر، بس حادة كفاية إنها تجرح الجلد لو قربت منها. كنت واقفة جنب الشبابيك العالية، وصوابعي بتلمس بروش “طائر أزرق” صغير متثبت على ياقة فستاني. البروش ده كان كل اللي فاضلي من جدتي بهية؛ جناح واحد منه كان مكسور، والطلاء بهت في ركن منه، كانت بتلبسه كل يوم حد لحد ما إيديها مابقتش قادرة تثبته لوحدها، فكانت بتخليني أنا أعمل ده. وقفت سعاد هانم قدامي مباشرة من غير ما تنطق بكلمة ترحيب، وإيديها راحت لصدري فوراً. وقبل ما أقدر أتراجع، خلعت البروش وشدته بقوة لدرجة إن قماش فستاني اتشد معاه، وبعدين حطته على طرف كاسة المية بتاعتي بكل احتقار، وكأنها بتقول للناس إنه مجرد زبالة.
قالت بصوت عالي كفاية عشان الطاولات اللي جنبنا تسمع: “يا حبيبتي، إحنا بنصور صور العيلة الليلة. ده فرح مراد، واسم عيلة المنشاوي لازم يفضل صورته حلوة في كل الأرشيف.” في اللحظة دي، الكلام قل في القاعة، والشوك اتعلقت فوق الأطباق، وحد ضحك ضحكة متوترة وبعدين سكت تماماً. سعاد هانم مالت برأسها ناحية البروش وقالت بتهكم: “أنا متأكدة إن جدتك كانت تقصد خير، بس إنتي ما ينفعش تتمشي في قصر الباشا وانتي شكلك كأنك لابسة من صناديق تبرعات الجمعيات الخيرية.” إيدي مسكت ظهر الكرسي بقوة عشان أتمالك أعصابي. في الناحية التانية من الأوضة، جوزي عمر كان محبوس جنب أبوه الباشا صبري جنب البار، ومراد كان بيتبجح قدام اتنين من رجال الأعمال عن مشروعه العقاري الجديد، نفس المشروع اللي بيذكره في كل عشاء كأنه هو اللي اخترع الأسمنت شخصياً.
ما حدش اتحرك، ولا حتى عمر. ودي كانت أكتر حاجة وجعتني أكتر من كلام سعاد هانم نفسه. الكل شافها وهي بتنزع ذكرى ست ميتة من على فستاني، والكل اختار راحة البال إنهم يعملوا نفسهم ماشافوش. مسكت البروش، وللحظة واحدة، رجعت طفلة عندها تمن سنين على أرضية مطبخ جدتي وهي بتفرد العجينة وبتقولي بهدوء: “يا ليلى، الجناح المكسور هو الدليل الوحيد إن الطائر ده نجى من العاصفة.” زوري وجعني من الحزن، بس ابتسمت. مش عشان سعاد هانم كسبت، لكن لأني بعد سبع سنين في العيلة دي، فهمت أخيراً الفرق بين إنك تعوز الاحترام، وإنك تحتاج إذن من حد عشان تاخده. قلت بابتسامة باردة: “هحط ده في اعتباري، يا سعاد هانم.” وبعدين ثبت البروش تاني على ياقة فستاني في تحدي واضح. ابتسامة حماتي اتجمدت وقالت: “إنتي بجد مش فاهمة يعني إيه بريستيج ومظهر، صح؟” رديت عليها بثبات: “أنا فاهماهم أكتر ما إنتي متخيلة.”
عنيها ضاقت وبدأت تبان عليها علامات عدم التأكد، ولأول مرة طول السهرة، لفت ورجعت تتمشى في الأوضة وبتضحك جنب مرات قاضي كأنها لسه ما كانتش بتحاول تهيني قدام ستين شخص. مشيت وخرجت للطريق قبل ما إيديا تبدأ ترعش من الغضب المكتوم. كان فيه ركن صغير جنب غرفة المعاطف، الموسيقى كانت هادية هناك وريحة خشب الأرز مغطية على ريحة البرفانات. وقفت هناك، وضغطة البروش في كفي، وفتحت رسالة سرية مشفرة لمدير الاستحواذات عندي “ياسين”. كتبت أربع كلمات: “جمدوا ملف عيلة المنشاوي.” ياسين رد عليا فوراً: “تمام، وقف كامل؟” من ورا الباب، كنت بسمع أصواتهم، اتفرجت على صبري الباشا وهو بيرفع كاسه، وسعاد هانم وهي بتلمس دراع مرات القاضي كأنها بتباركها، ومراد بيضحك بصوت عالي زيادة عن اللزوم.
ما حدش فيهم كان يعرف إن “قصر الباشا” ملكي أنا “ليلى”. ما حدش فيهم كان يعرف إني أنا اللي ماسكة قروض مشروع مراد، وإني أنا اللي بقرر مين يفضل واقف ومين يقع. ما حدش فيهم كان يعرف إن حسابات عيلة المنشاوي تحت المراجعة بقالها ست أسابيع بسبب تلاعبات مالية كنت أنا اللي برصدها. كتبت لياسين: “وقف كامل. ابدأوا المراجعة المالية فوراً.” ياسين اتصل بيا بعد تلات دقايق وصوته كان ميت: “ليلى، لازم تنزلي تحت دلوقتي وتواجهيهم، لقينا حاجة في حسابات الفرح والشركات ما ينفعش تكون موجودة، دي جري*مة اختلاس كبيرة.”
نزلت القاعة، والكل كان بيبصلي، سعاد هانم ابتسمت باستهزاء وقالت: “نورتي تاني يا ليلى، كنتي فين؟” بصيت في عينها وقلت بصوت مسموع للقاعة كلها: “كنت براجع حسابات الفرح والشركات يا سعاد هانم، ويبدو إن فيه مفاجآت مش سارة للباشا صبري ومراد.” الوشوش اتغيرت، والضحك اختفى. صبري الباشا قام وقف وقال: “إنتي بتقولي إيه؟” طلعت الموبايل بتاعي وعرضت ملفات المراجعة على شاشة العرض اللي كانت بتعرض صور الفرح. البيانات كانت واضحة: اختلاسات، تزوير توقيعات، واستيلاء على أموال الشركة. ستيلاين ومراد وقفوا مذهولين.
الشرطة دخلت القاعة بعد عشر دقايق. المشهد كان سينمائي، صبري الباشا بيحاول يصرخ، وسعاد هانم وقعت على الأرض من الصدمة، ومراد بيحاول يهرب. أنا وقفت في نص القاعة، ماسكة البروش بتاعي، وحاسة بسلام لأول مرة من سنين. “بيلويذر هاوس” أو “قصر الباشا” زي ما بيسموه، مابقاش مكان للتعالي، بقى مكان للعدالة. الناس بدأت تتهمس، والصحافة بدأت تصور الفضيحة اللي هتدمر اسم عيلة المنشاوي للأبد.
في اللحظة دي، جوزي عمر قرب مني وقالي بخوف: “ليلى، إيه اللي عملتيه ده؟ ده أبويا وأخويا!” بصيت له ببرود وقلت: “هما اختاروا الطريق ده يا عمر، أنا بس ساعدتهم يوصلوا لآخره.” خرجت من القصر، والهواء البارد لمس وشي، حسيت إني أخيراً اتحررت. الجناح المكسور للطائر الأزرق ما كانش عيب، كان علامة صمود. عيلة المنشاوي انتهت في الليلة دي، بس ليلى بدأت حياتها الحقيقية، حياة مش محتاجة فيها إذن من حد عشان تعيشها بكرامة. القصة ما كانتش بس عن انتقام، كانت عن الحقيقة اللي بتنتصر في الآخر مهما طال الظلم.



