بصّت على طبقه بجوع حكايات شروق خالد

حاولت تمشي من غير ما حد ياخد باله… لكن زعيم المكسور لمح بنتها الصغيرة وهي بتبص بجوع على طبقه!
الس/كينة خبطت في الطبق قبل حتى ما يقرر يتكلم.
ما كانش ناوي يقول حاجة.
الرجالة اللي زيه ما بيوقفوش غرباء، وما بيجروش ورا أم بتحاول تسحب بنتها من مكان دافي وترجع بيها للبرد.
لكن حاجة في نظرة البنت الصغيرة للأكل اللي قدامه جواه حاجة كان فاكر إنها ماتت من سنين.
ما كانتش نظرة فضول.
ولا كانت مجرد نظرة طفلة جعانة.
كانت نظرة بنت مكسوفة من جوعها.
قال كلمة واحدة.
كلمة واحدة بس.
والست اللي كانت واقفة عند باب المطعم اتجمدت مكانها، كأنها سمعت لغة كانت عارفاها زمان… وبعدين نسيتها.
واللي محدش كان يعرفه الليلة دي…
لا الأم اللي كانت بتشد بنتها من إيدها ناحية البرد، ولا الطفلة اللي كانت عندها كرامة أكبر من سنها، ولا حتى الراجل اللي لابس البدلة الفخمة واللي افتكر إنه بس بيقدم لهم عشا…
إن اللحظة دي بعد شهور قليلة هتخليه ماسك مس/دس في إيده، وواقف قدام خيانة عمرها عشرين سنة، وهيكتشف إن أقرب شخص ليه هو اللي كان بيجهز نهايته من زمان.
لكن الليلة دي…
كل ده ما كانش حصل لسه.
كان فيه بس بنت صغيرة جعانة…
وأم بتحاول تحافظ على كرامتها…
ورجل ما يعرفش إن طبق الأكل اللي قدامه هيغيّر حياته كلها.
كان المطر وقف من حوالي ساعة قبل المغرب.
والقاهرة كانت لسه بتلمع من أثر الميه، الشوارع منورة بانعكاس أعمدة النور على الأسفلت، والهواء البارد داخل بين العمارات.
في شارع هادي في الزمالك، كان فيه مطعم راقي بعيد عن دوشة العربيات.
نور أصفر دافي خارج من الشبابيك.
وصوت بيانو هادي بيتسلل بين الترابيزات.
في آخر المطعم، جنب الشباك، كان قاعد عمر المنشاوي.
تمنية وتلاتين سنة.
لابس بدلة سودا غالية، وساعته معدن لامعة في إيده.
وشه هادي بشكل يخوف.
مافيش دبلة في إيده.
والموبايل مش موجود على الترابيزة.
قدامه طبق ستيك كامل ما لمسوش، وكوباية مشروب قدامه بقالها نص ساعة.
النادل جه له مرتين.
“كل حاجة تمام يا فندم؟”
عمر اكتفى بهزة بسيطة من راسه.
كان معناها:
“سيبني.”
ما كانش بيفكر في الأكل.
كان بيفكر في اسمين موجودين في جيب بدلته.
واحد لازم يقابله قبل الفجر.
والتاني…
كان لازم يعرف إذا كان لسه يقدر يثق فيه ولا لأ.
مد إيده.
رفعها.
وبعدين حطها تاني.
وفي اللحظة دي شافها.
بنت صغيرة، ست سنين بالكثير، واقفة نصها جوه المطعم ونصها عند الباب.
لابسة جاكيت قديم أكبر من مقاسها، وشعرها مربوط بتوكة صغيرة، ووشها شاحب.
كانت أمها واقفة جنبها.
ست شابة، يمكن في أواخر العشرينات، ملامح التعب باينة على وشها.
كانت بتحاول تسحب بنتها برا.
“يلا يا حبيبتي… هنروح البيت.”
البنت خدت خطوة.
وبعدين وقفت.
لفت وشها.
عينيها دخلت المطعم.
عدت على البيانو.
وعلى الترابيزات.
وبعدين وقفت عند طبق عمر.
عينيها ثبتت عليه.
ما بصتش للناس.
ولا للديكور.
ولا حتى للحلويات.
بصت للحمة.
للبطاطس.
للعيش الدافي اللي جنب الطبق.
عمر لاحظ.
البنت ما كانتش بتبص كأنها عايزة تجرب أكلة غريبة.
كانت بتبص كأنها بتحلم.
لكن أول ما حست إنه شافها…
وشها احمر.
نزلت عينيها بسرعة.
وشدت جاكيت أمها.
الأم فهمت.
قربت منها وهمست:
“معلش يا نور… لما نوصل البيت ماما هتعملك حاجة.”
البنت هزت راسها.
“أنا مش جعانة.”
لكن صوتها كان بيقول العكس.
عمر قضى سنين وسط ناس بتكدب.
وعرف الجوع.
وعرف الخوف.
وعرف الذل.
وكان عارف إن أسوأ حاجة ممكن تحصل للإنسان…
إنه يجوع لدرجة يخجل من إنه يقول أنا جعان.
حط الس/كينة على الطبق.
الصوت الصغير قطع موسيقى البيانو.
وبص ناحية الباب.
وقال:
“استني.”
الأم اتجمدت.
بصت له.
عمر أشار للترابيزة.
“ما تمشيش.”
الأم ضمت بنتها أكتر.
“حضرتك؟”
“أنا طلبت أكل كتير.”
بص للطبق.
“ومش هاكله.”
الأم فهمت قصده.
هزت راسها بسرعة.
“لا، شكرًا.”
عمر قال بهدوء:
“أنا ما عرضتش صدقة.”
سكت لحظة.
“عرضت عشا.”
الأم فضلت واقفة.
“إحنا ما بناخدش حاجة من حد.”
عمر بص للبنت.
كانت لسه باصة للأرض.
وقال:
“يبقى اعتبريها دعوة.”
الأم سكتت.
بصت لبنتها.
وبعدين بصت للطبق.
واضح إن قلبها مع كرامتها.
وبعد لحظات طويلة قالت:
“بس… المرة دي.”
عمر أشار للكرسي.
“اتفضلي.”
مشيت ناحية الترابيزة ببطء.
البنت قعدت.
وأول ما الطبق اتحط قدامها، مسكت الشوكة بإيد صغيرة.
بصت لأمها الأول.
الأم هزت راسها.
“كلي.”
البنت بدأت تاكل.
في الأول بسرعة.
وبعدين وقفت فجأة.
كأنها افتكرت إنها لازم تبان مؤدبة.
عمر قال:
“كلي براحتك.”
البنت بصت له.
“حضرتك مش هتزعقلي؟”
عمر اتفاجئ.
“ليه أزعقلك؟”
“علشان… باكل كتير.”
لأول مرة من وقت طويل…
حس عمر إن قلبه اتوجع.
قال:
“الأكل اللي قدامك ده معمول علشان يتاكل.”
البنت ابتسمت.
ابتسامة صغيرة.
لكنها كانت كفاية تغير حاجة في المكان كله.
الأم قالت:
“أنا آسفة لو سببنالَك إزعاج.”
“اسمك إيه؟”
ترددت.
“مريم.”
“والبنت؟”
“نور.”
عمر هز راسه.
“اسم جميل.”
مريم بصت له بحذر.
“إحنا هنمشي بعد الأكل.”
“براحتك.”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“بس قبل ما تمشوا، محتاج أسألك سؤال.”
مريم اتوترت.
“اتفضل.”
“إنتِ ليه كنتِ هتمشي من غير ما بنتك تاكل؟”
نزلت عينيها.
“مافيش.”
عمر عرف إنها بتكدب.
لكن ما ضغطش عليها.
قال:
“تمام.”
وبص لنور.
كانت بتاكل في هدوء.
لكن فجأة…
موبايل عمر اهتز في جيبه.
طلعه.
بص للشاشة.
رسالة واحدة.
من رقم مجهول.
“الست اللي قاعدة قدامك مش ضحية… اسألها عن جوزها.”
ملامح عمر اتغيرت.
رفع عينه لمريم.
كانت ساكتة.
لكن في اللحظة اللي شافت فيها ملامحه…
وشها شحب.
عمر حط الموبايل على الترابيزة.
وقال بهدوء:
“جوزك فين؟”
إيد مريم وقفت.
الشوكة وقعت من إيدها.
ونور بصت لأمها.
“بابا؟”
مريم ما ردتش.
عمر كرر:
“جوزك فين؟”
مريم بلعت ريقها.
وقالت بصوت مرتعش.
عمر ضيق عينيه.
“إمتى؟”
“من سنتين.”
“مات إزاي؟”
مريم قامت فجأة.
“إحنا لازم نمشي.”
عمر مد إيده ومنعها.
“استني.”
مريم بصت له بخوف.
“قلتلك لازم نمشي.”
عمر قال:
“الرسالة اللي وصلتلي قالت إنك مش مجرد ست جعانة دخلت مطعم.”
وشها ابيض.
“إنت… إنت تعرف مين أنا؟”
“لأ.”
سكت لحظة.
“بس واضح إن حد عايزني أعرف.”
مريم شدت إيد بنتها.
“نور، قومي.”
نور بصت لطبق الأكل.
وبعدين لأمها.
كانت لسه جعانة.
عمر شاف النظرة.
وقال:
“خليها تكمل.”
مريم هزت راسها.
“ما ينفعش.”
“ليه؟”
مريم قربت منه، وصوتها بقى همس:
“علشان لو الناس اللي بتدور علينا عرفت إننا هنا… مش هيسيبونا نخرج.”
عمر ما رمش.
“مين الناس؟”
مريم بصت حواليها.
وبعدين قالت:
“الناس اللي ق*تلوا أبو نور.”
ساد الصمت.
عمر لأول مرة بص للبنت بشكل مختلف.
وبعدين بص لمريم.
“جوزك ما ماتش في حادث، صح؟”
دموعها لمعت.
“لأ.”
“مين ق*تله؟”
مريم هزت راسها.
“لو قلتلك… هيموت ناس تانية.”
عمر مال للأمام.
صوته بقى بارد.
“إنتِ قاعدة قدام الراجل اللي طول عمره الناس بتخاف حتى تنطق اسمه.”
مريم بصت له.
“وأنا مش خايفة منك.”
“ليه؟”
قالت:
“علشان أنا شوفت الخوف الحقيقي.”
سكت عمر.
الجملة لمسته في مكان محدش قدر يوصله قبل كده.
وقبل ما يرد…
باب المطعم اتفتح.
دخل أربعة رجالة.
كلهم لابسين أسود.
واحد منهم بص ناحية عمر.
والتاني بص ناحية مريم.
وبعدين قال:
“هي هنا.”
عمر وقف.
وكل المطعم سكت.
مد إيده داخل بدلته.
وطلع.
حط إيده على كتف نور.
وقال لمريم من غير ما يبصلها:
“من اللحظة دي… محدش هيقرب منك ولا من بنتك.”
مريم همست:
“إنت ما تعرفش إحنا جرّيناك لإيه.”
عمر بص لها.
وعينيه بقت جامدة.
“لأ.”
ثم ابتسم ابتسامة باردة.
“بس أنا هعرف.”
وكانت دي أول ليلة…
اللي فيها عمر المنشاوي قرر يحمي امرأة غريبة وطفلة جعانة.
من غير ما يعرف إن المرأة دي…
كانت تحمل السر الوحيد القادر على إسقاط إمبراطوريته كلها.
وإن الرجل الذي زوجها…
كان أقرب شخص لعمر.
وكان يراقبه من داخل المطعم نفسه.
الراجل اللي قال “هي هنا” كان لسه بيقرب من الترابيزة، لما عمر رفع في وشه.
“خطوة كمان وهتنام هنا.”
الراجل وقف.
ابتسم ابتسامة باردة.
“إنت ما تعرفش إحنا جايين ناخد مين.”
عمر رد من غير ما يرمش:
“أنا مش مهتم.”
“دي مش مشكلتك.”
“من اللحظة اللي دخلت مطعمي وبصيت ناحية بنت قاعدة على ترابيزتي، بقت مشكلتي.”
مريم شدت نور لصدرها.
“عمر…”
بصلها بسرعة.
“خليكي ورايا.”
“بس—”
“مريم.”
نبرة صوته كانت أمر.
رجعت خطوة.
الراجل رفع إيده.
رجاله الأربعة طلعوا أسلحتهم.
وفي ثانية واحدة، المطعم كله اتقلب.
الناس صرخت.
الكراسي وقعت.
النادل اختبأ تحت الترابيزة.
لكن رجال عمر كانوا أسرع.
ظهر اتنين منهم من الباب الخلفي، واتنين من الممر الجانبي.
ضربات نار اتسمعت.
عمر انحنى وراء العمود.
مريم كانت حاضنة نور، لكن البنت كانت بتعيط.
“ماما!”
“أنا معاكي يا حبيبتي.”
رصاصة خبطت في الحائط فوقهم.
عمر صرخ:
“خلي راسها تحت!”
وبعدين تحرك.
في أقل من دقيقة، وقع تلاتة من الرجال، والرابع حاول يهرب.
لكن عمر مسكه عند باب المطعم.
شده من بدلته.
“مين بعتكم؟”
الراجل بص له بخوف.
“إنت مش فاهم…”
“أنا بسأل سؤال واحد.”
عمر قرب وشه منه.
“أنا اللي بقرر مين.”
الراجل ابتسم رغم خوفه.
“اسأل مرات سامح.”
عمر سابه.
الراجل جرى واختفى في الشارع.
عمر رجع للترابيزة.
مريم كانت قاعدة على الأرض.
نور في حضنها.
قرب منهم.
“إنتوا كويسين؟”
مريم هزت رأسها.
“أيوه.”
نور بصت له بعينين مليانين دموع.
“هو عايز؟”
عمر نزل لمستواها.
“مش طول ما أنا موجود.”
مريم بصت له.
“إنت مش عارف بتقول إيه.”
“عارف.”
“هما مش هيسيبونا.”
“وأنا كمان مش هسيبهم.”
سكتت.
عمر مد إيده لنور.
“تعالي.”
البنت ترددت.
وبعدين قربت منه.
مسح دموعها.
“اسمك نور، صح؟”
هزت رأسها.
“إنتِ بتحبي الشوكولاتة؟”
نور لأول مرة ابتسمت.
“أيوه.”
عمر بص للنادل اللي كان لسه طالع من تحت الترابيزة.
“هاتلها كل الحلويات اللي عندك.”
النادل فتح بقه.
“كلها؟”
عمر بص له.
“كلها.”
نور ضحكت.
ومريم لأول مرة من بداية الليلة، ابتسمت هي كمان.
لكن عمر ما ابتسمش.
لأن جملة الرجل كانت بتتردد في دماغه.
“اسأل مرات سامح.”
بعد نص ساعة، كانوا في عربية عمر.
نور نايمة في الخلف.
مريم قاعدة جنبها.
وعمر قدام.
سكت فترة، وبعدها قال:
“جوزك اسمه سامح؟”
مريم بصت من الشباك.
“أيوه.”
“مين؟”
“ما أعرفش.”
عمر ضحك بسخرية.
“إنتِ بتكدبي.”
مريم بصت له.
“أنا بحاول أحمي بنتي.”
“وأنا بحاول أحميكي.”
“ليه؟”
سكت.
“ما أعرفش.”
مريم استغربت.
“إزاي ما تعرفش؟”
“من ساعة ما شفت نور وهي بتبص على الأكل، وأنا حاسس إن فيه حاجة غلط.”
مريم بصت لبنتها النائمة.
“هي جعانة من إمتى؟”
“من يومين.”
عمر قبض إيده على الدركسيون.
“ليه؟”
“الفلوس خلصت.”
“وشغلك؟”
“اتطردت.”
“ليه؟”
“علشان المدير طلب مني حاجة رفضتها.”
“إيه؟”
مريم سكتت.
عمر بص لها.
“قولي.”
“طلب مني أسلمه ورقة كانت تخص سامح.”
العربية هديت سرعتها.
“إيه الورقة؟”
“ما عرفتش.”
“فينها؟”
مريم بصت له.
“معايا.”
عمر وقف العربية على جنب.
“فين؟”
طلعت من شنطتها ظرف صغير.
ناولته له.
فتح عمر الظرف.
جواه ورقة واحدة.
فيها أسماء وأرقام شحنات ومخازن.
وفي آخر الصفحة توقيع.
عمر أول ما شاف التوقيع، وشه اتغير.
مريم قالت:
“إيه؟”
عمر ما ردش.
“عمر؟”
قال بصوت منخفض:
“التوقيع ده بتاع واحد من رجالي.”
مريم اتوترت.
“يعني إيه؟”
“يعني سامح ما كانش مجرد موظف.”
قلب الورقة.
وفي الخلف كان مكتوب:
“لو حصل لي حاجة، سلّم الورقة لعمر المنشاوي.”
مريم شهقت.
“إيه؟”
عمر بص لها.
“إنتِ جوزك كان يعرفني؟”
“سامح عمره ما جاب سيرتك.”
“يبقى كان عارف إن نهايته قربت.”
وصلوا الفيلا.
رجال الأمن فتشوا العربية والحديقة.
دخلوا.
نور كانت لسه نايمة.
مريم شالتها وطلعت أوضة الضيوف.
لكن عمر فضل في مكتبه.
حط الورقة قدامه.
بعد دقايق دخل صديقه الأقرب.
فارس.
الرجل اللي وقف جنب عمر عشرين سنة.
الراجل الوحيد اللي كان عمر بيثق فيه ثقة عمياء.
فارس بص للورقة.
“لقيتها فين؟”
عمر رفع عينه.
“مرات سامح كانت مخبياها.”
فارس اتوتر للحظة.
“مرات سامح؟”
“أيوه.”
فارس مد إيده.
“هات أشوف.”
عمر ما ادهاش له.
“إنت تعرف سامح؟”
فارس ابتسم.
“كلنا كنا نعرفه.”
“مش قصدي كده.”
سكت فارس.
عمر قام من كرسيه.
“إنت كنت تعرف إنه بيدور في شحناتنا؟”
فارس قال بسرعة:
“طبعًا لأ.”
عمر فضل باصص له.
“طب ليه توقيعك موجود على الورقة؟”
اللون اختفى من وش فارس.
ثواني مرت.
وبعدين قال:
“ده مش توقيعي.”
عمر قرب الورقة منه.
“أنا أعرف خطك من عشرين سنة.”
فارس ما ردش.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت صرخة من الدور اللي فوق.
مريم.
عمر جرى على السلم.
وصل لأوضة نور.
الباب كان مفتوح.
السرير فاضي.
الشباك مفتوح.
ومريم واقفة مصدومة.
“نور!”
عمر بص حواليه.
“فينها؟!”
مريم كانت بتعيط.
“كانت نايمة جنبي… وفجأة سمعت صوت.”
عمر بص للشباك.
كان فيه خيط من قماش جاكيت نور عالق في الحديد.
وتحت الشباك…
كان فيه ظرف أبيض.
فتحه.
جواه صورة لنور.
وصورة لفارس.
وتحتهم رسالة:
“كنت فاكر إنك بتحميهم يا عمر؟ أنت اللي سلمتهم لينا بنفسك.”
عمر رفع عينه ببطء.
فارس كان واقف عند آخر الممر.
وشه شحب.
عمر رفع.
“إنت.”
فارس رفع إيده.
“عمر، اسمعني.”
“بنتي فين؟”
“مش أنا اللي أخدتها.”
“كداب!”
“والله ما أنا!”
عمر قرب منه.
“عشرين سنة يا فارس.”
صوته كان مكسور.
“عشرين سنة وأنا بثق فيك.”
فارس دموعه نزلت.
“وأنا عمري ما خنتك.”
عمر بص للصورة مرة تانية.
لكن قبل ما يقدر يقول كلمة…
موبايل فارس رن.
فارس بص للشاشة.
رقم مجهول.
فتح المكالمة.
صوت رجل قال:
“قول له الحقيقة.”
فارس سكت.
“قول له مين سامح كان شغال معاه.”
عمر قرب.
“مين؟”
فارس غمض عينيه.
ثم قال:
“أبوك.”
عمر اتجمد.
“إيه؟”
فارس أكمل:
“سامح كان بيشتغل مع أبوك…”
وسكت.
“وأبوك هو اللي أمر بق*تل سامح.”
مريم شهقت.
وعمر حس إن كل حاجة في حياته…
كانت مبنية على كذبة واحدة كبيرة.
لكن الصوت في الهاتف قال آخر جملة:
“ولو عايز بنتك ترجع… روح للمخزن القديم قبل الفجر.”
ثم أغلق الخط.
وعلى الشاشة ظهر عنوان واحد.
المخزن رقم 17.
وبص لفارس:
“لو نور حصل لها حاجة…”
فارس قال:
“هتعمل إيه؟”
عمر رد بصوت هادي ومخيف:
“هقلب القاهرة كلها عليهم.”
عمر نزل من الفيلا كأنه خارج على حرب.
ما استناش عربية مصفحة، وما استناش باقي رجاله.
أخذ مس/دسه، وحط الظرف في جيبه، وقال لفارس:
“إنت هتيجي معايا.”
فارس بص له.
“بعد اللي سمعته؟ لسه واثق فيا؟”
عمر فتح باب العربية.
“أنا مش واثق فيك.”
بص له ببرود.
“بس لو إنت خائن، عايزك قدامي وأنا بق*تلك.”
فارس ركب من غير كلمة.
مريم حاولت تركب معاهم.
عمر منعها.
“إنتِ تفضلي هنا.”
“بنتي هناك!”
“وعلشان كده مش هسمحلك تيجي.”
“أنا أمها!”
“وأنا وعدتك إني أحميكي.”
مريم بصت له بعينين مليانين خوف.
“ولو ما رجعتش؟”
عمر سكت.
وبعدين قال:
“هرجع.”
“إنت متأكد؟”
بص لها.
“وعد.”
العربية انطلقت.
بعد حوالي أربعين دقيقة، وصلوا لمنطقة صناعية مهجورة على أطراف القاهرة.
المخزن رقم 17 كان واقف وسط مجموعة مباني قديمة.
الأنوار مطفية.
والباب الحديد مفتوح.
فارس بص لعمر.
“ده كمين.”
“عارف.”
“ومع ذلك هتدخل؟”
“بنت صغيرة جوه.”
نزل عمر.
دخل المخزن.
صوت خطواته كان بيرجع صداه في المكان.
“أنا جيت.”
مافيش رد.
ثم…
صوت طفلة.
“عمو عمر؟”
عمر تجمد.
“نور!”
جرى ناحية الصوت.
شافها قاعدة على كرسي، إيديها مربوطين، لكن من غير إصابات.
قرب منها.
“إنتِ كويسة؟”
هزت رأسها وهي بتعيط.
“أنا خايفة.”
فك الحبل.
“ماما مستنياكي.”
نور حضنته.
وفي اللحظة دي…
اشتغلت الأنوار.
صف طويل من الرجال ظهر في آخر المخزن.
وفي النص…
كان واقف رجل كبير في السن.
عمر عرفه فورًا.
“الحاج رفعت.”
الرجل ابتسم.
“كبرت يا عمر.”
فارس شهق.
“إنت؟”
رفعت ضحك.
“أيوه يا فارس.”
عمر شد نور ورا ظهره.
“إنت اللي ورا كل ده؟”
رفعت هز رأسه.
“أنا اللي بدأت.”
“ليه؟”
“علشان أبوك خانني.”
عمر بص له بحدة.
“أبويا مات من عشرين سنة.”
“بس حسابه لسه مفتوح.”
رفعت أشار لفارس.
“وهو كان شاهد.”
عمر بص لفارس.
“شاهد على إيه؟”
فارس نزل عينيه.
رفعت قال:
“أبوك ما كانش الرجل اللي إنت فاكره.”
عمر رد:
“أنا عارف إنه كان مجرم.”
“مش بس مجرم.”
رفعت ابتسم.
“كان السبب في موت سامح.”
عمر اتوتر.
“ليه؟”
رفعت قرب.
عمر بص لفارس.
“إنت كنت عارف؟”
فارس قال:
“أيوه.”
صوت عمر اتكسر.
“وما قلتليش؟”
“كنت بحميك.”
“من إيه؟”
“من أبوك.”
سكت.
“أبوك كان مستعد يق*تل أي حد يعرف الحقيقة.”
عمر بص لنور.
ثم قال:
“ومريم؟”
رفعت رد:
“مريم كانت تعرف.”
“تعرف إيه؟”
“قبل ما سامح يموت، سلّمها نسخة من الحسابات.”
عمر فهم.
“وعلشان كده كنتوا وراها.”
رفعت ابتسم.
“مش علشان الورق.”
“أمال؟”
“علشان مريم هي الوحيدة اللي تعرف مكان التسجيل الأصلي.”
فجأة نور مسكت إيد عمر.
وقالت:
“ماما قالتلي ما أقولش.”
عمر نزل لمستواها.
“ما تقوليش إيه يا نور؟”
البنت همست:
“بابا كان مخبي حاجة في بيتنا.”
رفعت اتوتر.
“إيه؟”
نور بصت له بخوف.
“ماما قالتلي ما أقولش غير لعمو عمر.”
عمر وقف.
“فين الحاجة دي؟”
“ورا صورة بابا.”
رفعت صرخ:
“اق*تلوا الراجل!”
لكن في اللحظة دي، فارس أطلق النار على رجل كان بيقرب منهم.
وانفجرت معركة.
عمر حمل نور وجرى ناحية الباب.
رصاص ضرب الحيطان.
فارس وقف يضرب خلفهم.
خرجوا من المخزن.
لكن رفعت لحقهم.
وأثناء ما كانوا بيجروا، رصاصة أصابت فارس في كتفه.
وقع.
عمر رجع له.
“فارس!”
“امشِ!”
“مش هسيبك.”
فارس مسك إيده.
“لو فضلت هنا… البنت.”
عمر شاله.
“إحنا هنخرج كلنا.”
وبالفعل، قدروا يهربوا.
رجعوا الفيلا قبل الفجر.
مريم أول ما شافت نور، جريت عليها.
“نور!”
“ماما!”
الاتنين فضلوا متعلقين ببعض وهما بيعيطوا.
عمر وقف بعيد.
مريم بصت له.
“إنت رجعتها.”
“وعدتك.”
قربت منه.
“شكرًا.”
عمر هز رأسه.
لكن نور جريت عليه وحضنته.
“أنا بحبك يا عمو عمر.”
عمر اتجمد.
بص لمريم.
مريم ابتسمت وسط دموعها.
“واضح إنها اختارتك.”
عمر ابتسم لأول مرة من أيام.
لكن اللحظة ما كملتش.
فارس دخل عليهم وكتفه مربوط.
“عمر.”
“إيه؟”
“لازم تروحوا بيت سامح.”
“ليه؟”
“دلوقتي.”
مريم بصت له.
“ليه؟”
فارس قال:
“لأن رفعت ما كانش عايز التسجيل.”
سكت.
“كان عايز حاجة تانية.”
عمر سأله:
“إيه؟”
فارس رد:
“هو كان خايف إن عمر يكتشف مين أبوه.”
عمر سكت.
“مين؟”
فارس بص لمريم.
ثم قال:
“أبوك يا مريم.”
مريم شهقت.
“إيه؟”
“سامح ما ماتش على إيد أبو عمر.”
“أمال مين؟”
فارس قال:
“والد مريم هو اللي ق*تله.”
الصمت ملأ المكان.
مريم رجعت خطوة.
“أبويا؟”
فارس هز رأسه.
“وأبوك يا عمر كان بيحاول يمنعه.”
عمر بص لمريم.
وفي اللحظة دي…
بدأت كل الأسرار القديمة تاخد شكل واحد.
لكن لسه فيه سؤال واحد.
مين اللي كان بيحرك رفعت؟
وفجأة…
موبايل عمر رن.
رسالة من رقم مجهول.
فتحها.
كانت صورة قديمة.
في الصورة كان والده واقف جنب رفعت…
وبينهم رجل ثالث.
رجل عمر يعرفه جيدًا.
الرجل الذي كان يعتقد أنه مات منذ عشرين سنة.
تحت الصورة كانت جملة واحدة:
“دور عليه في أقرب مكان ليك… مش أبعد مكان.”
عمر فضل باصص للصورة، وإيده اتجمدت على الموبايل.
الرجل اللي واقف بين أبوه ورفعت…
حسن المنشاوي.
عمه.
أخو أبوه.
عمر همس:
“عمي حسن؟”
فارس قرب منه.
“مستحيل.”
مريم بصت للصورة.
“بس إزاي؟”
عمر رفع عينه.
“هو ما ماتش.”
في اللحظة دي، سمعوا صوت عربية بتقف قدام الفيلا.
حمدي دخل بسرعة.
“باشا… في راجل مستنيك بره.”
“مين؟”
حمدي سكت.
“بيقول اسمه حسن.”
مريم شهقت.
عمر خرج.
عند بوابة الفيلا كان واقف رجل كبير، شعره أبيض، ووشه مليان ندوب.
لكن عينيه…
عمر عرفهم فورًا.
“عمي.”
حسن بص له.
“كبرت يا عمر.”
عمر رفع مس/دسه.
“إنت اللي ورا كل ده؟”
حسن ما اتحركش.
“أيوه.”
“ق*تلت أبويا؟”
“لأ.”
“ق*تلت سامح؟”
“لأ.”
“خطفـت نور؟”
“لأ.”
عمر قرب منه.
“أمال عملت إيه؟”
حسن قال:
“أنا حاولت أصلح اللي أنا سببته.”
وبدأ يحكي.
من عشرين سنة، كان أبو عمر متورطًا مع رفعت في شبكة تهريب كبيرة.
لكن والد عمر اكتشف إن رفعت ورجاله بيستخدموا الأطفال والنساء في نقل الأموال والمخدرات.
حاول ينسحب.
سامح اكتشف الحقيقة وساعده.
لكن حسن…
كان وقتها شابًا طماعًا.
سلّم المعلومات لرفعت مقابل المال.
فمات والد عمر.
ومات سامح.
واختفى حسن بعد ما دبّروا خبر موته.
لكنه عاش عشرين سنة وهو شايل ذنب اللي حصل.
ثم ظهر اسم مريم.
زوجة سامح.
وعرف إنها تحمل آخر دليل يدين رفعت.
حاول يحميها من بعيد.
لكن رفعت سبقه.
عمر قال:
“ليه ما جيتش من الأول؟”
حسن نزل عينه.
“كنت جبان.”
سكت.
“ولما رجعت، كان الوقت فات.”
عمر رفع س/لاحه.
“إنت عارف إن كل ده دمر حياتي؟”
حسن هز رأسه.
“عارف.”
“خليتني أعيش عشرين سنة وأنا فاكر إن أبويا كان وحش.”
“أبوك كان مجرم.”
صمت.
“بس مات وهو بيحاول يصلح غلطه.”
عمر سكت طويلًا.
ثم أنزل س/لاحه.
“روح.”
حسن رفع عينه.
“إيه؟”
“مش هق*تلك.”
“ليه؟”
عمر رد:
“علشان مش عايز أكمل حياة أبويا.”
ثم أضاف:
“بس هتسلّم نفسك للشرطة.”
حسن هز رأسه.
“هعملها.”
بعد أسبوع…
اتقبض على رفعت.
وفارس سلّم كل التسجيلات والأوراق للنيابة.
أما الحقيقة الكاملة عن شبكة التهريب، فخرجت للنور.
وتمت تبرئة اسم سامح.
ومريم أخيرًا قدرت تنام وهي عارفة إن جوزها ما ماتش مجرمًا.
بعد شهور…
كان عمر واقف في نفس المطعم اللي قابل فيه مريم أول مرة.
لكن المرة دي ما كانش قاعد لوحده.
نور كانت قدامه بتاكل كيك بالشوكولاتة.
ومريم جنبه.
عمر بص لنور وقال:
“كلي براحتك.”
ضحكت.
“أنا شبعانة.”
مريم ضحكت.
“دي أول مرة تقول الجملة دي.”
عمر بص لها.
“فاكرة أول ليلة؟”
“مستحيل أنساها.”
“أنا كمان.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“عارفة إيه أغرب حاجة؟”
“إيه؟”
“إني كنت فاكر إني أنا اللي أنقذتكم.”
مريم ابتسمت.
“وأنا كنت فاكرة كده.”
“طلعتم إنتوا اللي أنقذتوني.”
بصت له.
“من إيه؟”
عمر قال:
“من إني أبقى نسخة من أبويا.”
سكتت.
ثم مدت إيدها وحطتها في إيده.
“وأنا كنت فاكرة إنك مجرد راجل غني.”
ضحك.
“وطلع إيه؟”
“راجل رخم.”
نور ضحكت.
“ماما قالتلك رخم!”
عمر ضحك.
“أيوه، ودي أكتر حاجة بحبها فيها.”
بعد سنة…
كان نفس المطعم مليان بالورد.
نور كانت لابسة فستان أبيض صغير.
ومريم كانت واقفة قدام عمر.
لكن المرة دي…
ما كانتش خايفة.
عمر مسك إيدها.
وقال:
“مريم، أنا ما أقدرش أوعدك إن حياتنا هتبقى سهلة.”
ابتسمت.
“أنا مش عايزة سهلة.”
“أمال؟”
“عايزاها حقيقية.”
عمر ابتسم.
“دي أقدر أوعدك بيها.”
ثم ركع أمامها.
وأخرج خاتمًا بسيطًا.
نور صرخت:
“ماما قولي آه!”
مريم ضحكت وسط دموعها.
وبصت لعمر.
“آه.”
تعالت التصفيقات.
وعمر لبّسها الخاتم.
أما نور، فكانت أول واحدة جريت تحضنهم.
وفي آخر الليل، لما خرجوا من المطعم، وقف عمر عند الباب وبص للمكان اللي بدأت فيه الحكاية.
طبق أكل.
طفلة جعانة.
وأم مكسورة.
وكلمة واحدة قالها من غير ما يعرف إنها هتغير عمره كله:
“استني.”
هو كان فاكر إنه أنقذ طفلة من ليلة جوع.
لكن الحقيقة…
إن الطفلة وأمها أنقذوه من حياة كاملة كان عايشها من غير قلب.
ومن يومها، ما بقاش عمر المنشاوي زعيمًا يخافه الناس.
بقى أبًا لنور.
وزوجًا لمريم.
ورجلًا أخيرًا…
عرف يعني إيه يكون عنده بيت يرجع له.
أما الطبق اللي كان بداية كل شيء…
ففضل عمر محتفظ بصورته في مكتبه.
وتحتها جملة واحدة:
“أحيانًا، وجبة واحدة بنقدمها بدافع الرحمة… بتكون هي الوجبة اللي بتنقذ حياتنا إحنا.”
تمت.


