أهدتني حماتي فستانًا لتُهينني أمام الجميع… وبعد شهر وقفت تبكي على باب بيتي تحت المطر!
نعم يا فهد قلت وأنا أنظر إليها تحت المطر أمك هنا، تحمل حقيبتين وكيسًا أسود، وتحاول أن تدخل بيتي بالقوة وكأن ذاكراتي كلها غير موجودة.
على الطرف الآخر من الخط، صمت فهد تمامًا.
كان ذلك الصمت يخيفني أكثر من أي صراخ.
خطت أم فهد خطوة نحوي، وهي مبتلة بالكامل، ترتجف بقوة، والفستان الأحمر ملقى فوق حقائبها كراية حرب خاسرة.
قالت وهي تحاول تليين صوتها:
— ريم… يا فهد، قل لزوجتك تدخلني. انظروا لحالي. سأمرض من هذا المطر.
تنفس فهد بعمق وقال:
— يمّه، ابتعدي عن الباب.
قطبت حاجبيها:
— ماذا؟
قال بوضوح:
— ابتعدي عن باب بيتي.
كلمة بيتي جرحتني بطريقة لم أتوقعها. كنت على وشك أن أصحح له، لكنه سبقني وقال:
— آسف يا ريم. بيتكِ. أبعديها عن بيتكِ.
تجمدت أم فهد في مكانها:
— فهد، ماذا أصابك؟
قال:
— الذي أصابني أنني عرفت أخيرًا موضوع الأوراق القانونية.
كأن صوت المطر انخفض فجأة لثانية واحدة.
شدت يدي على الهاتف:
— أي أوراق؟
خفضت أم فهد عينيها. وفي تلك اللحظة عرفت أن حقيقة أكثر ظلامًا كانت قادمة.
همست:
— فهد… ليس عبر الهاتف.
رد بحدة:
— بل عبر الهاتف تمامًا. حتى تسمع ريم. حتى يسمع أحد الحقيقة قبل أن تبدئي كالعادة بتمثيل دور الضحية.
بدأ قلبي يضرب بعنف داخل صدري. قلت:
— فهد، قل لي بالضبط ماذا يحدث.
تردد لثانية واحدة. لكن تلك الثانية كانت كافية لأتخيل أسوأ الاحتمالات. قال:
— أمي حاولت استخدام بيتك كضمان لقرض خاص.
في البداية لم أستوعب. دخلت الجملة إلى عقلي، لكنها لم تجد مكانًا منطقيًا تستقر فيه.
— بيتي؟
قال:
— نعم.
رفعت أم فهد يديها دفاعًا عن نفسها:
— لم يكن الأمر هكذا!
صرخ فهد من خلال مكبر الصوت:
— ماذا يعني لم يكن هكذا؟ وصلتني الآن رسالة رسمية في المستشفى لأنك استخدمتِ اسمي، وبيانات هويتي القديمة، ووضعتِ عنوان ريم على أنه مقر سكننا الأساسي وتحت مسؤوليتي المالية!
شعرت ببرودة تجري فوق ذراعي. لم تعد العاصفة خارج البيت فقط، كانت تغرق صدري من الداخل. قلت:
— فعلتِ ماذا؟
بدأت أم فهد بالبكاء بشكل هستيري:
— كنت مضطرة!
سألتها بحدة:
— مضطرة لماذا؟
رفعت عينيها نحوي بنظرة كراهية صافية. ليست ندمًا، ولا خجلًا، بل كراهية لأنها اضطرت أن تُسأل مني وأنا واقفة في الجهة الآمنة والجافة من الباب. قالت:
— أنتِ لا تعرفين معنى أن يجد الإنسان نفسه وحيدًا تمامًا.
ضحكت ضحكة فارغة بلا فرح:
— صحيح. أنا لا أعرف الوحدة أبدًا. أنا فقط أعرف معنى أن يكون بيتي مليئًا بالناس، وتقف امرأة أمام الجميع لتذلني، بينما زوجي يحاول الدفاع عني بنصف قلب.
لم يقل فهد شيئًا؛ لأن هذا الجزء من الحقيقة كان يخصه هو أيضًا.
وضعت أم فهد يدها على صدرها:
— لم أكن أريد سرقة شيء منك. كنت أحتاج بضعة أيام فقط لأصلح الأمر.
قلت:
— تصلحين ماذا؟
أغلقت فمها، فأجاب فهد عنها:
— هي مدينة بمبلغ ضخم لأشخاص خطرين.
ضرب المطر بلاط الحديقة كأنه تصفيق قاسٍ. سألت:
— كم المبلغ؟
قال:
— لا أعرف الرقم الدقيق بعد. لكنني وجدت محادثات. حوالي أربعمئة وخمسين ألف ريال، وربما أكثر. وقد كتبت قانونيًا أن العقار باسم ابنها فهد، وأنه ضمن أصول مشتركة بين زوجين.
ضحكت مرة أخرى، لكن بصوت أخفض هذه المرة:
— لكننا لسنا متزوجين بنظام أصول مشتركة.
قال فهد:
— أعرف. والبيت ليس ملكي أصلًا.
نظرت إلى أم فهد:
— لكنكِ كنتِ تعرفين ذلك، أليس كذلك؟
شدت فكها بقوة:
— الناس لا يسألون عن كل التفاصيل الدقيقة عندما يريدون تحصيل دينهم.
تجمدت من الداخل. ليس بسبب القرض وحده، بل بسبب طبيعية نبرة صوتها، وكأن استخدام سقف بيتي، وتعب عمري، وسنوات عملي الطويلة كدرع ضد خرابها المالي، كان مجرد خطأ بسيط في الحسابات.
قلت دون سؤال، كأنني أعلن حقيقة:
— أعطيتِهم عنواني.
أبعدت عينيها عني:
— كان العنوان الوحيد الثابت المتوفر عندي.
العنوان الوحيد الثابت. ليس بيتي. ليس أماني. ليس المكان الذي أنام فيه مطمئنة. العنوان الوحيد الثابت.
قال فهد بسرعة من خلال الهاتف:
— ريم، أغلِقي كل المداخل. أنا خارج من المستشفى الآن. أخذت إذنًا طارئًا من المشرف في الطوارئ. لا تفتحي الباب لأي شخص مهما حدث.
اندفعت أم فهد نحو شاشة الهاتف:
— لا تسمعي كلامه! هو يبالغ لأن أخته ملأت رأسه بالأكاذيب!
تراجعت خطوة ثابتة:
— نوف؟ ما علاقة نوف بهذا؟
ضحك فهد بمرارة:
— نوف هي التي اتصلت بي. أمي ذهبت أولًا إلى شقتها. حاولت الدخول بالقوة أيضًا. وعندما رفضت نوف أن تبقيها عندها، صرخت أمي في وجهها وقالت إنها بلا فائدة، وإن هذا بالضبط سبب وجود زوجة ابن عندها بيت كبير.
سكتت أم فهد تمامًا. كان هذا اعترافها، لم يكن يحتاج إلى توقيع.
قلت ببطء، وكأن الحقيقة تشق صدري من الداخل:
— إذن هذا هو الشيء الوحيد الذي كان وزني مفيدًا فيه بالنسبة لكِ. أن أشغل مساحة… حتى تتمكني من دخولها براحة عندما يطردك الجميع.
نظرت إليّ بملامح مجروحة. ليس لأنها تألمت مما قلت، بل لأنني كشفت الحقيقة قبل أن تنجح في تزييفها. قالت:
— لا تكوني سوقية.
قلت:
— السوقية هي أن تضعي بيتي في أفواه أصحاب الديون.
رفعت ذقنها وهي تحاول استعادة عرشها وسط المطر:
— أنا أم فهد.
قلت:
— وأنتِ المرأة التي حاولتِ أن تسحب السقف من فوق رأسي.
أشارت بعنف إلى الفستان الأحمر الملقى فوق حقائبها المبتلة:
— هل تهينينني هكذا بسبب فستان؟ بسبب قطعة قماش؟
نظرت إليها. سمعت هذه الجملة كثيرًا من قبل، دائمًا ملفوفة بثوب براءة مصطنعة. بسبب تعليق عابر. بسبب مزحة. بسبب لقمة. بسبب مقاس. بسبب فستان.
لا، لم يكن الأمر يومًا بسبب ذلك فقط.
قلت:
— لا يا أم فهد. الأمر يتعلق بكل يوم تعمدتِ فيه أن تشعريني أنني لست من العائلة. أنني عبء. أنني إحراج. أنني جسد. أنني نكتة. أنني امرأة لا تليق بابنك، لكنها مناسبة جدًا لتحمل ثقل كوارثك المالية.
اهتز الهاتف في يدي وتغيرت نغمة الاتصال. كان فهد ما يزال على مكبر الصوت، لكن مكالمة ثانية كانت تدخل بإصرار. رقم غير معروف. لم أرد، ثم رن مرة أخرى.
نظرت أم فهد إلى الشاشة المضيئة، واختفى ما تبقى من لون وجهها. قالت بسرعة:
— لا تردين.
سألت:
— من هو؟
قالت:
— لا أحد.
مررت إصبعي على الشاشة:
— ألو؟
جاء صوت رجل خشن، هادئ، هادئ أكثر مما ينبغي:
— مساء الخير. هل أتحدث مع السيدة ريم؟
صرخ فهد من الخط الآخر:
— أغلقي الهاتف!
لكنني لم أغلق، قلت:
— من المتحدث؟
قال الرجل:
— قولي لأم فهد إنها ليست ذكية كما تظن. أرسلتنا إلى بيت لا يسمحون لها حتى بتجاوز الباب.
شهقت أم فهد وغطت فمها بيدها. شعرت أن الحديقة الخلفية اتسعت فجأة بشكل مخيف. لم تعد العاصفة مجرد مطر، كانت إنذارًا عاليًا.
قلت ببرود:
— لا توجد أم فهد هنا.
ضحك الرجل ضحكة منخفضة:
— لا تدخلي نفسك في مشاكل قانونية من أجلها يا أستاذة. هذه المرأة لا تستحق قيمة الدين الذي عليها. لكن أحدًا سيدفع الحساب. وهي سمحت قانونيًا باستخدام هذا العنوان بالتحديد.
أغلقت المكالمة. أدرت قفل الباب، وثبّتّ سلسلة الأمان. ولأول مرة في تلك الليلة، توقفت أم فهد عن التمثيل. انهار دور الضحية بالكامل. لم تعد حماة، ولم تعد أمًا، ولم تعد ملكة. كانت مجرد امرأة أشعلت النار في بيت غيرها لتدفئ نفسها، ثم بدأت ترى اللهب يلتهمها.
همست بصوت مكسور:
— ريم… ساعديني أرجوك.
قلت:
— كما ساعدتِني؟
— هذا مختلف تمامًا.
— نعم، مختلف. هذا قد يكلّفني بيتي فعلًا.
عاد صوت فهد المتوتر من الخط الآخر:
— ريم، أغلقي على نفسك غرفة النوم. أغلقي كل شيء. أبلغت الدوريات، وسيصلون قريبًا. ونوف في طريقها إليك.
قلت بوضوح:
— لا أريد أحدًا في بيتي.
قال:
— نوف معها مستندات.
سألت:
— أي مستندات؟
تنفس فهد بصعوبة:
— أمي لم تستخدم عنوان بيتك فقط يا ريم.
شعرت بموجة غثيان عنيفة:
— ماذا فعلت؟
قال:
— حاولت تزوير توقيعك القانوني.
استندت إلى جدار الممر بثقل. ولثوانٍ قليلة، لم أكن امرأة قوية، ولا صاحبة بيت، ولا زوجة غاضبة. كنت مجرد طفلة متعبة تريد أن تدخل أمها وتقول لها إن كل شيء سيكون بخير. لكن أمي لم تكن هنا. بيتي كان هنا، واسمي كان هنا، وتوقيعي كان هنا.
سألت:
— لأي غرض؟
قال:
— لتسجيلك كضامن مالي أساسي للقرض.
أغلقت عيني بقوة. رأيت مناوباتي الطويلة، حذائي المهترئ، غدائي البارد داخل علبة صغيرة، أيام السبت التي كنت أعمل فيها حتى وقت متأخر، وأيام الأحد التي كنت أقضيها أمام دفتر ورقي أحسب المصاريف ريالًا ريالًا. تذكرت اللحظة التي أدرت فيها مفتاح هذا البيت لأول مرة، وبكيت من الفرح لأن لا أحد يملك أن يطردني منه. لا أحد. وهذه المرأة حاولت أن تلف حبلًا ماليًا حول تلك المفاتيح نفسها.
قلت بصوت منخفض وخطر:
— فهد، عندما تصل، لا تجرؤ على الدفاع عنها.
لم يرد فورًا، ثم قال:
— لن أدافع عنها.
قلت:
— أنا جادة تمامًا يا فهد.
قال:
— وأنا كذلك.
قلت:
— لأنك إن دخلت هذا البيت تطلب مني الرحمة قبل العدالة، فاحمل أغراضك واخرج من الباب معها.
عاد الصمت. لكن هذه المرة لم يخيفني، بل ثبتني أكثر. قال بهدوء:
— فهمت.
أرخيت قبضتي. لم أدرك أنني كنت أضغط على الهاتف بهذه القوة حتى بدأت أصابعي تؤلمني.
طرقت أم فهد مرة أخرى، لكن هذه المرة بهدوء:
— ريم، أنا أتجمد هنا تحت المطر.
اقتربت من الباب الخشبي دون أن أفك القفل، قلت:
— وحقائبك أيضًا.
قالت:
— كل ما أملكه سيتلف بالكامل.
قلت:
— وأنا كنت مجرد شيء بالنسبة لكِ أيضًا، أليس كذلك؟
قالت:
— لا تقولي هذا.
قلت:
— قلتِه بألف طريقة يا أم فهد. بملابسي. بطعامي. بصوري. وبذلك الفستان الأحمر.
صدر من خلف الباب بكاء خافت، قالت:
— كنت أريد الأفضل لابني فقط.
حينها فككت سلسلة الأمان وفتحت الباب على مصراعيه. كنت أريدها أن تنظر مباشرة في عيني عندما أقول ما سأقوله. قلت:
— أفضل شيء كان يمكنك فعله لابنك هو أن تعلميه احترام المرأة التي يحبها، لا أن تعلميه كيف يقيس قيمتها.
كانت أم فهد تبكي، لكن عينيها بقيتا قاسيتين وعنيدتين. قالت:
— أنتِ تكرهينني.
قلت:
— لا. وهذه هي المأساة. لم يعد لدي طاقة حتى لأكرهك. كل ما بقي لدي هو التعب.
فجأة أضاءت مصابيح سيارة الممر المظلم أمام البيت. استدارت أم فهد بخوف. توقفت سيارة عند الرصيف. لم تكن دورية شرطة، كانت نوف. نزلت من السيارة وهي ترتدي معطف مطر أصفر، وتمسك ملفًا سميكًا قابلًا للتمدد بقوة على صدرها. كان وجهها أحمر، كأنها بكت طوال الطريق، لكن خطواتها كانت ثابتة ومقصودة. قالت وهي تخترق صوت المطر:
— يمّه… ماذا فعلتِ؟
غيّرت أم فهد قناعها فورًا:
— الحمد لله أنكِ جئتِ يا نوف! قولي لهذه المرأة تدخلني. انظري ماذا تفعل بي!
توقفت نوف في منتصف الممر:
— أنا لم آتِ لأنقذك يا أمي.
رمشت أم فهد بذهول:
— ماذا؟
قالت نوف:
— جئت لأنقذها هي.
ثم نظرت إلى ما ورائها، والتقت عيناي بعينيها عبر الباب المفتوح:
— ريم، أحضرت نسخًا. عقود خاصة، محادثات، تسجيلات صوتية. كل ما استطعت سحبه من النسخة الاحتياطية القديمة لهاتف أمي.
اندفعت أم فهد بعنف نحوها:
— أعطيني هذه الأوراق!
فتحت الباب بالكامل. ليس لأم فهد، بل لنوف. دخلت نوف بسرعة إلى الممر الداخلي، فأغلقت الباب بقوة قبل أن تتمكن أم فهد من وضع قدم واحدة على العتبة. انزلق القفل في مكانه بصوت حاد وثقيل. كان صوتًا مثاليًا.
بقيت أم فهد في الخارج. ولأول مرة في حياتها، كانت في المكان نفسه الذي تركت فيه نساء كثيرات من قبل: خارجًا في البرد.
وضعت نوف الملف على طاولة المدخل، ويداها ترتجفان بعنف. قالت بصوت مخنوق:
— أنا آسفة جدًا يا ريم. كنت أشك منذ أسابيع أنها تفعل شيئًا، لكنني لم أتخيل أبدًا أنها استخدمت حياتك كسلاح بهذه الطريقة.
فتحت الملف. كانت الصفحة الأولى تحمل اسمي. اسمي القانوني الكامل. وفي أسفلها توقيع يشبه توقيعي بشكل مخيف. يشبهه، لكنه مزور بالكامل. ضربني غثيان عنيف. قلت:
— هذا ليس توقيعي.
قالت نوف وهي تمسح وجهها:
— أعرف. فعلت ذلك عن طريق تتبع صورة من هويتك كانت محفوظة في هاتفها.
عاد صوت فهد من مكبر الصوت:
— ريم، أنا وصلت الشارع الآن.
نظرت نوف إلى الهاتف:
— فهد، يجب أن تعرف أيضًا موضوع وثيقة التأمين.
سألت، وقد تحول صوتي إلى جليد:
— أي وثيقة؟
في الخارج، ضربت أم فهد قبضتيها على خشب الباب:
— نوف، اسكتي!
ارتجف صوت أخت زوجي، لكنها واصلت رغم الدموع:
— أمي أصدرت وثيقة تأمين عالية القيمة باسم فهد قبل شهرين، ووضعت نفسها المستفيد الأساسي. واستخدمت هذا البيت كعنوان مرجعي رئيسي.
تجمدت:
— لماذا استخدمت هذا العنوان؟
خفضت نوف رأسها، غير قادرة على النظر في عيني:
— لأن المستشار الذي تتعامل معه قال لها إن أصحاب القرض إذا جاؤوا للتحصيل، سيلاحقون أي أصول مرتبطة قانونيًا بعنوان السكن المسجل. ولأنها… لأنها كتبت في محادثات مع رجل اسمه المستشار ناصر، أنه إذا بقي فهد تحت سيطرة زوجته بالكامل، فقد يكون من الضروري إثبات قانونيًا أنك عبء جسدي عليه.
شعرت أن الغرفة تدور. أمسكت بظهر كرسي الطعام لأثبت نفسي:
— عبء؟
أومأت نوف وهي تبكي:
— توجد رسائل تقول فيها إنك غير مستقرة نفسيًا، وإنك شديدة الحساسية بسبب جسدك، وإنك تتصرفين بعنف كلما حاول أحد تصحيحك. ريم… هي استخدمت الفستان الأحمر. قالت للمستشارين إنك كدتِ تدخلي في نوبة هستيرية عنيفة أمام العائلة كلها في يوم ميلادك.
اجتاحني وضوح بارد بالكامل. ذلك النوع من البرودة الذي لا يخيفك، بل يجعلك أكثر حدة.
الفستان الأحمر لم يكن مجرد إهانة شريرة. كان قطعة دليل قانوني مصنوعة بعناية. استفزازًا. فخًا. بذرة زرعتها حتى تقول لاحقًا أمام المحكمة: “أنا فقط أهديتها هدية، فانهارت تمامًا”. أم فهد لم تكن قاسية بالصدفة، كانت منظمة.
اهتز هاتف نوف في يدها. نظرت إلى الشاشة وشحب وجهها بالكامل. قلت:
— هو؟
قالت:
— ناصر؟
لم ترد على المكالمة. ومن الخارج صرخت أم فهد عبر الخشب:
— نوف! إذا لم تساعديني الآن، سيلاحقونك أنتِ بعدها!
أغلقت نوف عينيها بقوة. في تلك اللحظة فهمت الطبقة الأخيرة من الفخ. حماتي لم تطرق بابي بحثًا عن سرير تنام عليه، كانت قد سحبت الخطر إلى عتبة بيتي لتستخدمني كجدار. إذا جاء أصحاب الدين، فأنا صاحبة البيت. وإذا سألت الشرطة، فأنا زوجة الابن المتوترة وغير المستقرة. وإذا شك فهد في الرواية، فهي مجرد أم ضعيفة تقف تحت المطر بلا مأوى. يا لها من مسرحية محكمة، ويا لها من ممثلة سيئة كنت أنا، لأنني لم أنتبه أن المسرح كان يُبنى تحت قدمي.
فجأة قطعت أضواء زرقاء وحمراء ظلام النوافذ. وصلت دورية أمنية إلى الرصيف، وانطفأت صفارتها. وخلفها مباشرة وصلت سيارة فهد، وتوقفت بقوة حتى انزلقت إطاراتها قليلًا فوق الإسفلت المبتل.
قفز من مقعد القيادة وهو لا يزال بملابس المستشفى. كانت عيناه محمرتين، وشعره مبللًا بالكامل من المطر. ألقت أم فهد نفسها فورًا بين ذراعيه:
— فهد! الحمد لله!
لكن فهد بقي جامدًا تمامًا. لم يضمها، بقيت يداه متدليتين إلى جانبيه، كأن لمسها سيحرقه. سأل بصوت يرتجف:
— هل هذا صحيح؟
بكت على صدره:
— كل ما فعلته كان لحمايتك يا ولدي.
قال:
— زورتِ توقيع زوجتي لتحميني؟
— كنت أريد تأمين مستقبلك!
— تأمينه من ماذا؟ من المرأة التي فتحت لي أبواب بيتها عندما لم أكن أملك حتى فراشًا أنام عليه؟
رفعت أم فهد وجهها بسرعة وعيناها متسعتان:
— هي اشترت هذا البيت فقط لتشعرك بالنقص!
خرجت إلى الشرفة الأمامية. ضرب المطر البارد وجهي. رفع فهد نظره إليّ، وتحطم شيء واضح في ملامحه. لم يكن مجرد ذنب عادي، كان ألم رجل أدرك الحقيقة متأخرًا جدًا. قال:
— ريم…
قاطعتها:
— لا تجرؤ أن تطلب مني إدخالها.
قال:
— لن أفعل.
استدار ببطء نحو أمه:
— ستجلسين مع رجال الأمن وتوضحين كل شيء الآن.
تراجعت أم فهد خطوة حادة:
— ستقدم بلاغًا على أمك؟
ابتلع فهد ريقه. بدت تلك اللحظة كأنها امتدت سنوات. كل ابن تربى على يد أم مثل أم فهد يصل يومًا إلى تلك النقطة الدقيقة: من جهة الدم، ومن جهة الحقيقة.
لم أتنفس. نظر فهد إلى الفستان الأحمر المبتل والملتصق بعجلة حقيبتها البلاستيكية، ثم رفع عينيه نحوي وقال:
— سأقدم بلاغًا ضد الشخص الذي حاول تدمير زوجتي.
أطلقت أم فهد صرخة حادة. ليست صرخة حزن، بل صرخة غضب خالص:
— ناكر للجميل! هذه المرأة أخذتك مني!
تراجع فهد خطوة واضحة خارج متناول يدها:
— لا يا أمي. أنتِ خسرتِني في كل مرة أهنتِها فيها، واخترت أنا الصمت.
آلمني سماع ذلك، لكنه أيضًا منحني راحة واسعة؛ لأنه أخيرًا قال الجزء الذي كان يخصه وحده من الحقيقة.
اقترب رجال الأمن من الشرفة. نزلت نوف الدرجات وهي تمسك الملف القانوني داخل كيس بلاستيكي لحمايته من المطر. قالت لرجل الأمن:
— هذه نسخ من العقود المزورة. والتسجيلات الصوتية محفوظة في هاتفي أيضًا.
نظرت أم فهد إلى ابنتها كأنها تتمنى أن تمحوها من الوجود:
— كنتِ دائمًا ضعيفة يا نوف.
ابتسمت نوف ابتسامة حزينة ومتعبة:
— لا يا أمي. كنت ضعيفة عندما صدقت أكاذيبك. الليلة يداي ترتجفان، لكنني واقفة هنا.
بدأ أحد رجال الأمن بتدوين المعلومات، بينما راجع الآخر المستندات المزورة. شرح فهد بسرعة رسائل التهديد، وطلب القرض الاحتيالي، والمضايقات. أما أنا فتحدثت قليلًا جدًا. ليس لأنني لا أملك ما أقوله، بل لأنني لأول مرة في حياتي لم أكن مضطرة للصراخ حتى يصدقني أحد.
في تلك اللحظة مرت سيارة سوداء فاخرة ببطء أمام البيت. ببطء شديد. لم ينزل منها أحد، توقفت لثوانٍ قليلة. انخفض زجاج الراكب مقدارًا بسيطًا، وخرج الصوت الخشن نفسه من المكالمة عبر المطر:
— يا أم فهد، المبلغ مستحق صباح الغد.
ثم انطلقت السيارة واختفت خلف ستار العاصفة. استنفر رجال الأمن فورًا وبدأوا بطلب تعميم على اللوحات. انهاردر أم فهد في موجة جديدة من البكاء الهستيري. لكنني لم أنظر إليها بذرة شفقة واحدة. كانت الشفقة آخر مفتاح في حلقتها، ولم يعد يفتح أي باب.
في وقت لاحق من تلك الليلة، وبعد أن أخذوها إلى المركز لتسجيل إفادتها، بقيت حقائبها الضخمة في الحديقة. ثقيلة، مشبعة بالماء، تغوص في بركها الطينية. وكان الفستان الأحمر ما يزال فوقها، تالفًا، مثيرًا للسخرية، ومهزومًا بالكامل.
دخل فهد إلى الممر وحاول الاقتراب مني. رفعت يدي أمامه مباشرة فتوقف فورًا. قلت:
— ليس الليلة.
أومأ ببطء:
— أعرف.
قلت:
— يمكنك النوم على كنبة المجلس، ونوف تنام في غرفة الضيوف. لكن أمك لن تدخل هذا البيت مرة أخرى.
قال:
— أبدًا.
نظرت في عينيه مباشرة:
— لا تطلق وعودًا بسبب الذنب يا فهد. نفذها لأن الحقيقة تستحق.
خفض رأسه.
جلست نوف في المجلس، ويداها ملفوفتان حول كوب شاي ساخن أعددته لها. بدأت تخبرني كيف قضت أم فهد شهورًا تستدين من مقرضين خاصين، وتبيع ذهب العائلة، وتستغل بعض الأقارب وتهدد آخرين بعنف. قالت إن أمها استخدمت اسم فهد لأنها كانت تؤمن في داخلها أن أبناءها ممتلكات شخصية لها، وأكدت أن هذا المستشار ناصر ليس محاميًا مرخصًا أصلًا، بل مقرض مفترس، ولا يعمل وحده.
كنت أستمع إليها وأنا أرتدي فستاني الأسود. الفستان الذي اشتريته لنفسي بمقاسي الحقيقي. مريحًا، ثابتًا، يشبهني.
قرب منتصف الليل، دخلت غرفة الغسيل. كان الخطاف المعدني الذي علق عليه الفستان الأحمر طوال الشهر الماضي فارغًا تمامًا. وقفت أحدق فيه. لأسابيع ظننت أن احتفاظي بذلك الفستان كان طريقة لتذكر إهانتي. لكن تلك الليلة فهمت الحقيقة، لم أحتفظ به لأنه آذاني، احتفظت به لأن جزءًا عميقًا وغريزيًا في روحي كان يعرف أن يومًا ما سيأتي، وسأحتاج أن أراه يسقط.
ظهر فهد عند الباب، ووجهه شاحب، قال:
— ريم… هناك أمر آخر.
لم ألتفت إليه، قلت:
— قل.
قال:
— رجل الأمن وجد نسخة مصدقة من صك ملكية بيتك داخل الكيس الأسود الخاص بأمي. ومعها فهرس قانوني منفصل.
شعرت أن الهواء تجمد في حلقي:
— صك ملكية بيتي؟
قال:
— نسخة مصدقة، ومعها قائمة أسماء.
سألت:
— أي أسماء؟
انكسر صوته تمامًا:
— اسمك، واسمي، واسم موثق رسمي معتمد.
استدرت إليه ببطء. كان فهد يبدو كالشبح. قلت:
— ماذا كانت تخطط أن تفعل بهذا؟
وقبل أن يجيب، اهتز هاتفي فوق طاولة غرفة الغسيل. رقم خاص. تركته يرن حتى توقف، ثم رن مرة ثانية فورًا.
خرجت نوف من المجلس وعيناها متسعتان، قالت:
— لا تردين.
لكنني انتهيت من الاختباء داخل بيتي. مررت إصبعي على الشاشة وضغطت على مكبر الصوت:
— ألو؟
جاء صوت رجل أكبر سنًا، أنيق ومتزن، وهادئ بطريقة مخيفة:
— مساء الخير يا أستاذة ريم. أعتذر عن الاتصال في هذا الوقت المتأخر. معك مكتب الموثق الرسمي عبدالعزيز القحطاني. نتصل لتأكيد موعدكم غدًا الساعة التاسعة صباحًا بخصوص نقل ملكية العقار السكني طوعًا.
أغمض فهد عينيه بقوة، وأطلقت نوف شهقة حادة كأن أحدًا ضربها في صدرها.
نظرت من خلفهما إلى النافذة؛ إلى المطر الغزير، إلى الحديقة الطينية، إلى الحقائب الغارقة، إلى الفستان الأحمر التالف، إلى بيتي، واسمي، وحياتي. قلت مباشرة في الهاتف:
— يا لها من مصادفة غريبة يا أستاذ. لأنني لا أنوي نقل ملكية حجر واحد.
ساد صمت ثقيل في الطرف الآخر، ثم جاء الصوت الأنيق ببرود:
— في هذه الحالة يا أستاذة ريم، أنصحك بالحضور إلى مكتبنا ومعك تمثيل قانوني متخصص؛ لأن هناك شخصًا موجودًا بالفعل في صالة الانتظار، ويحمل مستندًا منفذًا يؤكد أنك وقّعتِ مسبقًا.
انقطع الخط.
وفي ذلك الصمت المفاجئ، اتضح حجم الفخ بالكامل. أم فهد لم تأتِ إلى بابي تطلب مأوى من العاصفة، لقد جاءت هاربة من مخطط احتيال عقاري كان يتحرك بالفعل.
ضممت الهاتف بقوة إلى صدري ونظرت مباشرة إلى فهد، قلت:
— صباح الغد، سأدخل مكتب ذلك الموثق.
قال:
— وسأمشي بجانبك.
قلت بصوت ثابت:
— نعم. ليس خلفي، بجانبي تمامًا.
أومأ.
لم أنم لحظة واحدة تلك الليلة. جلست في المجلس مع نوف، والوثائق القانونية ممددة أمامنا على الطاولة، بينما كان بيتي يتنفس حولنا ككائن جريح يرفض التراجع.
في الخارج، واصلت العاصفة غضبها. لكن في الداخل، ولأول مرة في حياتي، لم أشعر أنني صغيرة. لأن هناك نساء يُهدين فساتين أصغر من مقاسهن بثلاث درجات حتى يتعلمن حمل العار، ثم تأتي أيام تقف فيها هؤلاء النساء أنفسهن، ويفتحن ملفًا قانونيًا، ويغلقن بابًا، ويكتشفن أنهن لم يكنّ أكبر من هذا العالم… كنّ فقط أقوى من أن يتسعن داخل كذبة شخص آخر.
