باعت نفسها (حكايات صافي هاني)

باعت نفسها لراجل من غير إيدين عشان تنقذ أمها.. بس في ليلة الدخلة، دخل عليها حد تاني في الضلمة، وإيديه كانت سليمة وزي الفل!

​فاليريا باعت نفسها بـ 32 ألف دولار!

​الحقيقة المرة دي كانت بتِِِرن في دماغها ومش مخلية الطعم المر يفارق بقها. تاجروا بمستقبلها، بحريتها، وباسمها.. وافقت تتجوز راجل عاجز من غير إيدين لمجرد إنها تخلي أمها عايشة على وش الدنيا.

​بس الخياطة الغلبانة دي عمرها ما تخيلت إن الوحش الحقيقي اللي عايش في القصر القديم ده مش جوزها.. الوحش بجد كان لسه بإيديه الاتنين.. وفي ليلة دخلتها، السـ..ـم ده دخل أوضتها بعد ما النور انطفى!

​فاليريا كان عندها 32 سنة، قضت عمرها كله بين المكن والمقصات، بتكف ديل فستان، بتصلح هدوم مقطوعة، وبتاخد تعديلات رخيصة بقرشين في مغسلة صغيرة على أطراف سان أنطونيو في تكساس. لا كانت غنية، ولا محظوظة، ولا من نوع الستات اللي يلفتوا النظر، إلا لو حد مزنوق وعايز يصلح حتة قماش.

​بس الفقر مبيكسركش بالجوع.. الفقر بيكسرك بفاتورة مستشفى واحدة!

​لحد دلوقتي بتفتكر ليلة نوفمبر دي بوجع حامي بيعصر قلبها كل ما ييجي على بالها. ريحة المطهرات اللي بتخنق في الطوارئ، وزن اللمبات النيون فوق راسها وهي واقفة قدام الخزنة، ماسكة في إيدها ورقة الحساب اللي عمرها ما هتقدر تدفعها.

​أمها كارمن كانت محتاجة غسيل كلى طارئ وعلاج فوري.. بعد 20 سنة شقا، صحيان قبل الشمس عشان تنظف بيوت الناس وتبيع أكل بيتي على تربيزة خشب، جسمها انهار وأعلن الاستسلام.

​الفاتورة كانت 32 ألف دولار.. وفاليريا مكانش معاها في محفظتها حتى ثمن بنزين ترجع بيه بيتها!

​في اللحظة دي، ظهرت الست روزاريو ويتمور.. أغنى أرملة في المنطقة، وصاحبة أكبر شركة خشب في تكساس. ست دايماً لابتة في الأسود، السبحة الفضة مش بتفارق معصمها، وابتسامتها دايماً زي الستات الشيّخات اللي عمرهم ما غلطوا في حياتهم.. بس عينيها؟ عينيها كانت باردة زي التلج.

​قالت لها روزاريو بصوت واطي ومسموم: “ابني الصغير ماثيو، حصله حادثة بشعة في المحطبة من أربع سنين.. المنشار أكل إيديه الاتنين، ومن ساعتها وهو عايش زي الشبح”.

​فاليريا سكتت ونطقِتش.

​روزاريو كملت: “هو محتاج زوجة صالحة.. حد يصونه، حد باله طويل وميهربش منه”.. وبعدين قربت منها ووشوشتها: “لو اتجوزتيه وخدتي بالك منه، هدفع كل مليم في علاج أمك.. مش هيفوتها جلسة واحدة.. ولا واحدة”.

​معدة فاليريا قلبت وحست بغثيان.. الجواز من غريب كان تحكم مؤبد، فما بالك لو الغريب ده منقياه ست بالخبث ده؟ بس فاليريا بصت من ورا إزاز الطوارئ وشافت أمها مِرمية، وشها خاطف لون الموت ومتوصلة بأجهزة وخراطيم.. في اللحظة دي، الحب داس على الخوف.

​قالت: “موافقة”.

​بعد الظهر، وقعت على دفتر أوراق تخين مش فاهمة منه كلمة.. روزاريو قالت عليها عقود عائلية، بس كل ورقة كانت بتحس إنها فخ بينصبوه حوالين رقبتها.

​بعد 15 يوم، بقت فاليريا المدام ماثيو ويتمور.

​الفرح اتقام في سراية ويتمور، قصر يهد حيل العين بأعمدته البيضاء في هيوستن، متحوط بشجر البلوط، والفوانيس، وناس أكابر ولاد ذوات بيتفرّجوا عليها وهم بيعوجوا بقهم. 500 ضيف جم ياكلوا لحم مشوي ويشربوا ويتبغددوا، وهم بيهمسوا على الخياطة الشحاتة اللي حظها ضرب في السما!

​حظها! الكلمة دي كانت بتنزل على وش فاليريا زي القلم طول اليوم.

​ماثيو كان قاعد جنبها على كرسي متحرك.. ساكت، وشه أصفر زي الليمونة، وكمام قميصه الفاضية مدلدلة على جنبيه. مكنش شكله قاسي ولا يخوف.. كان شكله مكسور.. والكسرة دي وجعت قلب فاليريا عليه أكتر.

​طول الفرح منطقش ولا بص للناس.. بس في لحظة، لما روزاريو اتمسمت عشان تتصور، ماثيو دار وشه لفاليريا وهمس بصوت واطي جداً لدرجة إنها كادت متسمعهوش: “أنا آسف!”.

​الكلمتين دول فضلوا يطاردوها أكتر من أي حاجة حصلت في اليوم ده.

​الكابوس بدأ بعد نص الليل..

​روزاريو بنفسها زفت فاليريا لأوضة النوم الرئيسية.. الأوضة كانت تقبض الصدر، تفكرك بأفلام الرعب القديمة: عفش خشب أسود تقيل، ستاير مخملية كاتمة النفس، ولوحات في براويز، وسرير واسع يخوف يخلي فاليريا تحس إنها عيلة صغيرة ضايعة فيه.

​روزاريو قدمت لها كوبة لبن دافي بالفانيليا: “اشربيها يا حبيبتي.. صوتها كان يقطر عسل.. إنتي عيطتي كتير النهاردة، ده هيخليكي تنامي في سابع نومة”.

​فاليريا مسكت الكوباية بإيدين بترتعش.. ريحتها كانت حلوة، قرفة وفانيليا وسكر.. بس وش ماثيو اتقلب أول ما أمه قفلت الباب وخرجت.

​كان مرعوب!

​همس لها: “متشربيش ده!”.

​فاليريا اتسمرت: “إيه؟”

​قال لها وصوته بيترعش من الخوف: “ادلقيه.. حالاً.. من الشباك!”.

​بس فاليريا كانت بلعت بقين كبار عشان الذوق.. وجسمها في ثانية بدأ يتقل.. الأوضة بدأت تغبش في عينيها، ورجليها سابت.. حاولت تقف، حاولت تسأله في إيه، بس الأرض كانت بتلف بيها.

​ماثيو زق كرسيه ناحيتها بأقصى سرعة وهمس بفزع: “فاليريا.. اسمعيني.. لو حصل أي حاجة الليلة.. أوعي تصدقي أمي!”.

​دي كانت آخر كلمة تفهمها.. وبعدها الدنيا اسودت في عينيها.

​بعد كام ساعة.. فافت فاليريا على صوت نفس حامي قريب من وشها.. مكنش نفس ماثيو.. كان في حد تاني!

​الأوضة كانت ضلمة كحل، مفيش غير شعاع نور قمر ضعيف شاقق الستارة.. دماغها كانت هتتفرتك، وبقها ناشف، وحاسة بجسمها متكتف تحت وزن تقيل مش فاهماه.. وفجأة، حست بإيد!

​إيد بجد.. خشنة، كبيرة، وقوية!

​عقلها كان لسه مخدر من المهدئ، بس الفكرة دي نزلت عليها زي المية الساقعة.. ماثيو معندوش إيدين!

​فتحت عينيها برعب.. في راجل واقف فوق السرير.. للحظة اتشلت ومقدرتش تصرخ، عقلها مش مستوعب اللي شايفه.. لحد ما نور القمر ضرب في وشه..

​ده كان موريس ويتمور.. أخو ماثيو الكبير.. ابن روزاريو البكري والمدلل.. الراجل اللي البلد كلها بتحلف بحلاوته ونجاحه وإنه مستقبل عيلة ويتمور.

​فاليريا حاولت تتعدل، بس موريس قرب منها وحط صباعه على شفايفها وهو بيتبسم ببرود: “متصعبيش الأمور على نفسك!”.

​الرعب جرى في عروقها.. لفت راسها ناحية الأرض.. وشافت ماثيو!

​كان مرمي على السجادة جنب السرير بعد ما شدوه من على كرسيه، وبقه مكمم بحتة قماشة وسـ..ـخة. جسمه كان بيتلوى بعجز وهو بيحاول يتحرك، بيحاول ينجدها، بيحاول يعمل أي حاجة.. بس مكنش قادر.. مكنش عنده إيدين!

​فاليريا حاولت تصرخ، بس صوتها طلع مخنوق ومكسور، السـ..ـم اللي في عروقها كان لسه شاللها.

​موريس ابتسم.. وفي اللحظة دي، فاليريا فهمت الحقيقة كاملة.. ماثيو مكنش الوحش.. ماثيو كان الضحية والمسجون معاها.. وهي جابوها البيت ده لسبب ألعن وأوسخ بكتير من الجواز!

​وقبل ما فاليريا تغيب عن الوعي تاني وتغطس في الضلمة، ماثيو زحف بجسمه بالعافية على الأرض وقرب منها.. عيناه كانت بتطق رعب وخزي وتحذير بيموت عليه.. ومن ورا القماشة اللي على بقه، طلع همسة مكتومة ومخنوقة عمرها ما هتنساها:

​”الخزنة… ورا… الصورة…. “

​وبعدها كل حاجة اسودت تاني.

​الصبح لما فتحت عينيها.. الأوضة كانت قشطة ومترتبة وزي الفل.. ماثيو كان رجع على كرسيه المتحرك.. وروزاريو كانت قاعدة عند رجلين السرير وفي إيدها فنجان قهوة، وبتتسم لها ولا كأن في حاجة حصلت.. وموريس مكنش ليه أثر!

​بس فاليريا كانت فاكرة الهمسة كويس.. “الخزنة ورا الصورة”.

​لفت راسها ناحية الحيطة وبصت على اللوحة القديمة اللي فوق الدفاية: صورة راجل بملامح حادة ولابس بدلة سودا، عينه ميتة وبتراقب الأوضة..

​ساعتها عرفت إن ماثيو ساب لها أول خيط.. وإن الحتة اللي ورا الصورة دي، يا إما هتكون طوق نجاتها.. يا إما هتبقى سبب قـ..ـتلها!

​الجزء الثاني:

​صحيت فاليريا والدنيا بتلف بيها، ريحة القهوة اللي في إيد روزاريو كانت بتزكم مناخيرها، بس اللي كان خانقها بجد هو نظرة الست دي.. نظرة رايقة، باردة، وكأن ليلتها عدت في هدوء وسلام.

​أول ما روزاريو خرجت من الأوضة وهي بتتحرك بخفة زي الأفاعي، فاليريا رمت الغطا من عليها وقامت، جسمها كان لسه مهدود والسم مأثر في ركبها، بس الأدرينالين كان حامي. بصت على ماثيو اللي كان قاعد في كرسيه، وشه في الأرض، وعينيه حمرا دم من كتر العياط المكتوم.

​”ماثيو…” وشوشت وهي بتجري عليه، نزلت على ركبها قدامه “ماثيو، إيه اللي حصل ده؟ أخوك…”

​ماثيو رفع عينه وبص لها، الكسرة اللي في عينيه كانت تدبح، همس بصوت مشروخ: “أنا أسف.. قلت لك متسبيش نفسك ليهم. أمي وموريس.. هما اللي بيحركوا كل حاجة. أنا هنا مجرد ستارة، مجرد اسم في الأوراق عشان يغطوا على القذارة بتاعتهم.. وعشان الورث!”

​فاليريا حست بركبها سابت تماماً: “ورث إيه؟”

​ماثيو هز راسه بيأس: “أبويا ساب كل حاجة باسمي أنا.. كتب كل الورث للابن الأصغر عشان عارف إن موريس طماع ومؤذي. أمي وموريس اتفقوا عليا، الحادثة بتاعة المحطبة مكانتش قضاء وقدر.. هما اللي عملوا كده عشان أكون عاجز، والشرط في الوصية إن الورث يفضل معايا ومع عيالي.. ولو مت من غير وريث، كل حاجة تروح للجمعيات الخيرية.. عرفتي هما جوزوني ليكي ليه؟”

​الصدمة نزلت على فاليريا زي الصاعقة.. هما مكانوش عايزين زوجة ترعاه.. هما كانوا عايزين رحم يشيل وريث، وموريس هو اللي هيكون الأب في الضلمة، والطفل يتكتب باسم ماثيو العاجز، وبكده الثروة كلها تفضل تحت إيد روزاريو وموريس!

​”مش هسكت.. أنا هبلغ الشرطة، هخرج من هنا!” فاليريا صرخت بصوت واطي وهي بترتعش.

​”مش هتلحقي..” ماثيو قالها بسرعة وفزع “البوابات مقفولة، وتليفونك زمانهم خدوه. الخيط الوحيد اللي ينجينا ورا الصورة.. ورا صورة أبويا”.

​فاليريا مقضتش وقت في التفكير، جريت على الدفاية، طلعت فوق الكرسي الخشب التقيل، وبإيدين بترتعش زقت البرواز القديم بتاع الراجل اللي عينيه ميتة.

​ورا البرواز.. مكانش في خزنة عادية بأرقام سرية.. كان في تجويف جوة الحيطة، وفيه صندوق حديد صغير مقفول بقفل قديم.

​”القفل ده يتفتح إزاي؟” سألته وهي بتلتفت له بلهفة.

​ماثيو بص على الكومودينو اللي جنب السرير: “في درج سري تحت الرجل اليمين للكومودينو.. المفتاح هناك. هاتي الصندوق بسرعة، موريس هيرجع الأوضة دي كمان شوية عشان يتأكد إن المهدئ لسه مفعوله شغال!”

​فاليريا نزلت جري، قلبت الكومودينو وفتحت الدرج السري، لقت مفتاح صدى وصغير.. خدته وجريت على الصندوق، حطت المفتاح ولفته.. تكة القفل رنت في الأوضة زي ضربة جرس.

​فتحت الصندوق.. ولقت جواه أوراق قديمة، وشريط تسجيل صغير كاسيت، ومعاهم تقرير طبي مختوم. سحبت الأوراق وبصت فيها بسرعة.. كانت تقارير من المستشفى اللي اتعالج فيها ماثيو بعد الحادثة، والتقرير بيقول إن الحادثة كانت بفعل فاعل وفي آثار مادة مخدرة اتأكلت لماثيو قبل ما يدخل المحطبة.. وشريط الكاسيت كان عليه اعتراف من العامل اللي بوظ المكنة، مسجل فيه صوت موريس وهو بيمضيه ويديله الفلوس!

​”ده دليل يدخلهم السجن مؤبد!” فاليريا عينيها لمعت بالأمل.

​وفجأة.. صوت خطوات تقيلة وبطيئة بدأت تسمعها في الممر برة الأوضة. خطوات موريس!

​”خبي الحاجه! خبيها بسرعة!” ماثيو همس برعب وهو بيحاول يزق كرسيه ناحية الباب عشان يعطله بجسمه.

​فاليريا ملقتش وقت ترجع كل حاجة مكانها.. سحبت الشريط والورق وحشرتهم في جيب روب النوم الواسع بتاعها، ورجعت اللوحة بسرعة مكانها وهي بتنهج، ونطت على السرير واستغطت، وعملت نفسها غرقانة في النوم.

​الباب اتفتح ببطء..

​دخل موريس، كان لابس هدوم خروج أنيقة، وريحته برفيوم غالي يخنق. مشي ببرود جوة الأوضة، بص على ماثيو اللي كان باصص للناحية التانية وجسمه بيترعش، وبعدين قرب من السرير.

​فاليريا كانت مقفلة عينيها ومثبتة نفسها بالعافية، وقلبها بيدق زي الطبلة لدرجة خافت يسمع دقاته.

​موريس مد إيده.. نفس الإيد الخشنة القوية اللي لمستها بالليل.. ومشا صوابعه على وشها برقة مرعبة..

​”لسه نايمة زي القطة..” موريس قالها بصوت واطي ومستمتع، وبعدين التفت لأخوه وسخر منه: “راعي مرتك يا ماثيو.. شكلها تعبانة من ليلة إمبارح”.

​موريس ضحك ضحكة قذرة وخرج وقفل الباب وراه.

​فاليريا فتحت عينيها وهي بتتنفس بصعوبة، قعدت على السرير وبصت لماثيو: “احنا لازم نهرب.. النهاردة.. هما لو حسوا إن الورق ده معايا، مش هيرمونا في الشارع.. هيدفنونا هنا”.

​ماثيو بص لها ودموعه نازلة: “أمي هتروح للمستشفى النهاردة عشان تدفع الدفعة الأولى لعلاج والدتك.. دي فرصتنا، لما البيت يفضي، بس الحراسة برة مش هنسيبنا نخرج من البوابة”.

​فاليريا قامت وقفت، وربطت حزام الروب بتاعها بقوة، وعينيها فيها شرار وخوف في نفس الوقت: “الخياطة اللي عرفت تعيش وسط الفقر والشقا 32 سنة، هتعرف تخرج من السجن ده.. جهز نفسك يا ماثيو، الليلة دي يا نعيش أحرار.. يا نمـ..ـوت احنا الاتنين”.

​الجزء الثالث والأخير:

​الساعة جت 4 العصر.. السراية هديت تماماً، وروزاريو خرجت مع السواق بتاعها عشان تروح المستشفى تدفع الفلوس، وموريس عربيتُه مكانتش موجودة في الجراج.

​فاليريا كانت واقفة ورا الستارة بتراقب الوضع، لقت اتنين من الأمن واقفين على البوابة الرئيسية، والكلاب الحراسة مأمنة السور. الخروج من الباب الكبير انتحار.

​”ماثيو.. السراية دي ليها مخرج تاني؟ مخرج خدم أو طريق سري؟” فاليريا سألته وهي بتلم حاجتها بسرعة.

​ماثيو هز راسه: “في ممر تحت الأرض من أيام جدي، كان معمول عشان نقل الخشب من القصر للمحطبة القديمة مباشرة من غير ما حد يشوفهم، باب الممر ده في البدروم تحت المطبخ.. بس مقفول بسلسلة وقفل حديد تلمحهم من بعيد يجيلك اكتئاب”.

​فاليريا ابتسمت بثقة: “خياطة محترفة سلسلة وقفل؟ سيبلي أنا الطلعة دي”.

​جريت على تسريحتها، سحبت بنس شعر حديد عريضة، وخدت مقص صغير من شنطة الخياطة اللي جابتها معاها، وحطت الأوراق والشريط في بطانة الروب وقفلت عليهم بالدبابيس.

​نزلت هي وماثيو في أسانسير السراية الداخلي لحد البدروم. المكان كان ضلمة، ريحة الرطوبة والعفن تخنق، وتراب السنين مغطي كل حاجة. مشيوا ورا كلام ماثيو لحد ما وصلوا لآخر الممر تحت.. وباب حديد مصدي عليه سلسلة تخينة وقفل أد كف الإيد.

​فاليريا قعدت على ركبها، طلعت بنسة الشعر والمقص وبدأت تلعب في قلب القفل. العرق كان بينزل على وشها، وإيديها بتبترعش.. وكل شوية تهيأ لها إنها سامعة صوت عربية موريس وهي راجعة.

​”بسرعة يا فاليريا.. أرجوكي” ماثيو كان بيلتفت وراه برعب.

​”ثواني.. ثواني يا ماثيو..”

​تكة!

​القفل فتح في إيدها! شالت السلسلة براحة عشان متعملش صوت، وزقت الباب اللي زيق وطلع صوت تزييق مرعب. الممر كان ضيق ومكتوم، وفيه كشافات قديمة مش منورة. فاليريا بدأت تزق كرسي ماثيو بكل قوتها في الضلمة، الأرض مكانتش متساوية وكل خطوة كانت بتهد حيلها، بس فكرة إن موريس ممكن يلمسها تاني كانت بتديها طاقة وحوش.

​بعد حوالي عشر دقائق مشي وزق، بدأت تلمح نور في آخر الممر.. سلم خشب قديم طالع لفوق.

​طلعت السلم وبصت من فتحة الباب.. لقوا نفسهم جوة المحطبة القديمة المهجورة، الخشب القديم مرمي في كل حتة، والمنشار العملاق اللي أكل إيدين ماثيو كان واقف في النص زي الشبح المغطى بالتراب.

​”احنا كده برة سور السراية بكيلو كامل..” ماثيو قالها وهو بيتنفس الصعداء “الطريق الرئيسي على بعد خطوات.. بس لازم نمشي بسرعة قبل ما يكتشفوا غيابنا”.

​لسه فاليريا بتفتح باب المحطبة عشان يخرجوا للشارع.. سمعوا صوت فرملة عربية حامية برة.. وصوت قفل الأبواب!

​”وقعتم في الفخ يا عصافير.. افتكرتوني غبي؟”

​الصوت ده مكنش غريب.. ده صوت موريس!

​الباب الخشب بتاع المحطبة اتزق بقوة، ودخل موريس وهو ماسك في إيده مس*دس، وعينيه بتطق شرار، ووراها اتنين من رجالة الأمن بتوعه.

​”أمي كلمتني من المستشفى.. وقالت لي إن الخزنة اللي ورا اللوحة مفتوحة، والورق مش موجود..” موريس قرب منهم ببطء وهو بيوجه المس*دس لراس فاليريا “افتكرتي نفسك ذكية يا بنت الخياطة؟ هاتي الورق والشريط حالاً.. وإلا هتدفني هنا جنب جوزك العاجز، والشرطة هتقيدها.. محاولة سرقة فاشلة!”.

​فاليريا رجعت لورا وهي حاطة إيدها على جيبها، الرعب شلها، ومواجهة المس*دس مكنتش في حساباتها.

​ماثيو بص لأخوه وبدأ يصرخ بغل: “سيبها يا موريس! خد كل حاجة وسيبها.. دي ملهاش ذنب، أنا اللي قلت لها!”.

​”بس هي عرفت كتير يا أخويا الصغير.. والي يعرف كتير في عيلتنا، بيموت بدري” موريس رفع أمان المس*دس وصوب على قلب فاليريا وجاي يضغط على الزناد..

​في اللحظة دي.. ماثيو عمل حاجة مكانتش على البال..

​بكل قوته، زق كرسيه المتحرك لِقدام وخبط في رجلين موريس بكل عنف.. موريس اتهز وتوازنه اختل، والرصاصة طلعت في الهواء ضربت في السقف الصاج بتاع المحطبة!

​”إجري يا فاليريا!! إجريييي!” ماثيو صرخ وهو بيحاول يثبت جسم موريس بجسمه والكرسي.

​موريس بدأ يضرب ماثيو بالمس*دس على راسه بغل: “إوعى يا عاجز! سيبني!”.

​فاليريا مشلتش رجليها.. مكانتش هتهرب وتسيبه.. بصت حواليها لقت عتلة حديد تقيلة لرفع الخشب مرمية على الأرض، شالتها بكل قوتها، وجريت من ورا موريس.. وبكل غلها وحقها وحق أمها وحق الراجل الغلبان اللي اترمى تحت السرير.. نزلت بالحديدة على دماغ موريس!

​طاخ!

​موريس صرخ صرخة مكتومة، والمس*دس وقع من إيده، ووقع على الأرض سايح في دمه ومغمى عليه. رجالة الأمن اللي واقفين برة لما سمعوا الضرب والدربكة، دخلوا جري.. بس فاليريا كانت أسرع، لقطت المس*دس من على الأرض ووجهته ليهم وإيديها بتبترعش بس عينيها مكنش فيها رحمة:

​”اللي هيقرب خطوة واحدة هفضي الطبنجة دي في دماغه! ارجع ورا أنت وهو!”.

​الرجالة خافوا من شكلها.. الست الغلبانة تحولت لوحش كاسر بيدافع عن حياته. رجعوا لورا ورفعوا إيديهم.

​فاليريا زقت كرسي ماثيو بسرعة وخرجوا للشارع الرئيسي، ولحسن حظهم كانت في عربية شرطة معدية بالصدفة بتعمل دورية. فاليريا وقفت في نص الطريق وهي بتصرخ وتلوح بالمس*دس.. العربية وقفت والظباط نزلوا.

​بعد ساعتين.. في مديرية الأمن.

​فاليريا كانت قاعدة وجنبها ماثيو، والظابط بيسمع شريط الكاسيت وبيشوف التقارير الطبية وأوراق التنازل الإجباري اللي روزاريو مضت ماثيو عليها.

​الدليل كان قاطع ومفهوش ثغرة..

​في نفس اللحظة.. دخلت قوة من الشرطة ومعاهم روزاريو مكلبشة وهي بتصرخ ووشها جايب ألوان، وموريس شيلينه على نقالة وراسه متأستكة بالشاش ورايح على السجن العسكري ترحيلات.

​الظابط بص لفاليريا وماثيو وقالهم: “امشوا وانتم مطمنين.. القضية دي فيها شروع في قت*ل وتزوير وجنايات تخلي الست دي وابنها يعفنوا في السجن بقية عمرهم.. والشركة والفلوس كلها هترجع باسمك يا أستاذ ماثيو”.

​ماثيو بص لفاليريا وعينيه مليانة دموع.. بس المرة دي دموع فرحة.. مسك طرف روبها بكتفه وهمس: “أنا مش عارف أشكرك إزاي.. إنتي أنقذتي حياتي بجد”.

​فاليريا ابتسمت بتعب، وسحبت الورقة بتاعة المستشفى اللي الظابط ضمن لها إن الفلوس هتحول لحساب أمها فوراً من أملاك ماثيو القانونية: “احنا أنقذنا بعض يا ماثيو.. ومن النهاردة، مفيش حد فينا هيبقى سجين تاني”.

​تمت…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *