في عيد ميلاد أمي الخامس والستين

​لكنها لم تكن قصة حب، كما تخيلت للحظة.

​كانت شيئًا آخر تمامًا.

​قال محسن:

​«أنا وسمر اشتغلنا مع بعض من أكتر من أربعين سنة، قبل ما إنتِ تتولدي.»

​ثم نظر إليها.

​«وهي كانت واحدة من أهم الناس في حياتي.»

​جلست أمي بصمت.

​وبدأ محسن يحكي.

​كان وقتها في الثانية والعشرين من عمره.

​شابًا فقيرًا، قليل الخبرة، يحلم بأن يصبح طاهيًا، رغم أن أغلب من حوله كانوا يرون أن حلمه أكبر من إمكانياته.

​قال:

​«كنت بشتغل مع سمر في مطعم صغير. وكنت بجرب وصفات من ورا صاحب المكان بعد ما الزباين تمشي.»

​ضحكت أمي.

​«وكانت وصفاتك في الأول كارثة.»

​«كنت مبتدئ.»

​«كنت بتحرق الأكل.»

​«بس اتحسنت.»

​«بعد وقت طويل.»

​ضحك بعض العاملين القريبين منهم.

​حتى أمي ابتسمت.

​تابع محسن:

​«سمر كانت أول واحدة تذوق الأكل اللي بعمله من غير ما تضحك عليّ.»

​قالت أمي:

​«كنت عارفة إنك هتنجح.»

​هز رأسه.

​«أنا وقتها ماكنتش مصدق نفسي.»

​ثم أخبرني بما حدث.

​بعد فترة، تشاجر محسن مع صاحب المطعم بسبب خلاف في العمل، وانتهى الأمر بطرده.

​قالت أمي فورًا:

​«عشان رميت الطاسة.»

​اعترض:

​«أنا ما رميتهاش عليه.»

​«وقعت جنب رجله.»

​«كنت متعصب.»

​«وكان تصويبك وحش.»

​ضحك الجميع.

​ثم عاد محسن إلى الجدية.

​«بعد ما اتطردت، سمر هي اللي ساعدتني ألاقي شغل تاني في مطعم أكبر.»

​قالت أمي:

​«أي حد كان ممكن يساعدك.»

​نظر إليها.

​«لأ. مش أي حد.»

​ثم أكمل:

​«أنا ما نسيتش إنها كانت بتقول لي كل يوم إن مكاني في المطبخ.»

​سكت للحظة.

​«ولما دخلت مدرسة طبخ بعد كده، كنت لسه محتفظ بورقة صغيرة كانت كاتبة فيها: ما تستسلمش.»

​نظرت إليه أمي بدهشة.

​«لسه محتفظ بيها؟»

​ابتسم.

​«في مكتبي.»

​ثم أضاف:

​«بعد سنين، لما فتحت أول مطعم باسمي، كنت عارف إن جزءًا من الفضل يرجع لك.»

​كانت عينا أمي قد بدأتا تلمعان بالدموع.

​أما المرأة التي أهانتها، فكانت واقفة بجوار طاولتها وقد بدا عليها الضيق.

​قالت:

​«القصة جميلة، بس أنا همشي.»

​التفت إليها محسن.

​«طبعًا. الحساب عند الكاشير.»

​دفعت المرأة حسابها، وأخذت حقيبتها.

​لكن قبل أن تغادر، التفتت إلى أمي.

​وقالت:

​«برضه أنا شايفة إن الناس ماينفعش تزعل لما حد يقول لها الحقيقة.»

​هذه المرة، وقفت أمي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *